مقالات

سوريا الجديدة: معضلة السلاح والمقاتلين – من يحكم البنادق بعد الحرب؟

مقال رأي – بقلم: عبد العليم الكاطع*

مع سقوط نظام الأسد ونهاية الحرب في سوريا، ظنّ كثيرون أن مرحلة السلم والراحة قد بدأت. لكن الواقع أكثر تعقيداً، والتجارب التاريخية تُخبرنا غير ذلك؛ فالألغام المزروعة، والدمار الواسع، وأعباء إعادة الإعمار ليست سوى جزء من التحديات. الأخطر يكمن في مصير السلاح المنتشر بين المدنيين، وآلاف المقاتلين الذين اعتادوا العنف، ويحملون خلفيات أيديولوجية وسياسية متصارعة، حيث يمكن لأي شرارة صغيرة أن تعيد إشعال العنف من جديد.

التجارب الدولية بعد انتهاء النزاعات أوجدت لنا مفهوم DDR كنموذج عالمي لإعادة بناء المجتمعات الخارجة من الحروب. إنّ «نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج» (DDR – Disarmament, Demobilization and Reintegration) ليست مجرد خطوات إدارية، بل هي ضرورة لضمان استدامة السلام، ومنع اندلاع حروب جديدة. برز هذا المفهوم بشكل كبير بعد الحرب الباردة، حين أدرك صانعو القرار أن ترك المقاتلين السابقين بلا برامج واضحة لإعادة دمجهم قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار ويعيد إشعال الصراع. المصطلح DDR ينطوي على ثلاث كلمات:

نزع السلاح (Disarmament)

أساس الدولة الحديثة هو احتكارها للعنف وللسلاح واستخدام القوة ضمن القانون، وأي وجود لميليشيات مسلحة خارج هذه المنظومة يهدد الاستقرار ويقوّض سيادة الدولة. لذلك يصبح جمع الأسلحة وإخراجها من أيدي المجموعات المسلحة خطوة أولى لا غنى عنها؛ كي لا تتحول البنادق إلى وسيلة لفرض النفوذ أو الابتزاز.

التسريح (Demobilization)

يعني تفكيك البنى التنظيمية للجماعات المسلحة، وفصل المقاتلين عن قادتهم السياسيين والعسكريين، وقطع الولاء بينهم. هذه الخطوة ضرورية لكسر بنية الأوامر الحربية، ومنع إعادة تشكل الميليشيات لاحقاً.

إعادة الدمج (Reintegration)

وهي أكثر المراحل تعقيداً وطولاً؛ فإعادة دمج آلاف المقاتلين في المجتمع المدني يتطلب برامج تأهيل نفسي واجتماعي، وتوفير فرص عمل كريمة بديلة عن حمل السلاح، وتعزيز الثقة بوجود منظومة عدالة وقانون تضمن لهم حقوقهم كمواطنين عاديين.

نجاح DDR، ولو النسبي!

أثبتت تجارب عالمية عديدة نجاح DDR نسبياً في عدة حالات وفي عدة دول وصراعات:

ليبيريا (2003): بعد حرب أهلية دامت 14 عام، تم تطبيق DDR بإشراف الأمم المتحدة. وشمل البرنامج نزع سلاح أكثر من 100 ألف مقاتل، مع تقديم منح نقدية وبرامج تدريب مهني وتأهيل نفسي، وكان التحدي الأصعب هو دمج الأطفال المجندين سابقاً في المجتمع.

كولومبيا (2016): تم التوصل لاتفاق مع حركة “فارك” لنزع سلاح 7000 مقاتل، وإنشاء مراكز إعادة تأهيل بالتعاون مع الحكومة والمجتمع المدني.

البوسنة والهرسك (1995): عقب اتفاق دايتون، جرى حلّ الميليشيات ودمج جزء من عناصرها في الشرطة والجيش تحت إشراف الناتو والأمم المتحدة، إلى جانب برامج مصالحة اجتماعية مكثفة.

غير أن الحالة السورية تطرح صعوبات معقدة ومختلفة عن نماذج أخرى.

سوريا: عقبات أصعب !

كيف يمكن تطبيق مفهوم DDR في حالة مثل سوريا؟ عندما يكون جزء من المجتمع لا يثق بالدولة الجديدة، وعندما تكون الدولة نفسها أطراف مسلحة وشاركت في الصراع؟ يصبح DDR أصعب بكثير. لا يمكن أن يقبل خصوم الأمس بنزع سلاحهم لصالح جهة كانت تعتبر عدواً لهم.

في مثل هذه الحالات، من الضروري وجود جهة حيادية للإشراف، كالأمم المتحدة، أو هيئات انتقالية محلية تحظى بثقة الأطراف، لضمان النزاهة والشفافية وتجنب الانتقام أو التمييز.

ماذا حدث فعلياً في سوريا؟

بعد انهيار جيش الأسد وأجهزته الأمنية، لجأت السلطة الجديدة – التي كانت نفسها طرفاً في الصراع – إلى ملء الفراغ الأمني عبر ضم مقاتليها ومجموعات مسلحة حليفة لها في تشكيلات رسمية جديدة، ومنحتهم رتباً ومناصب عسكرية، وتشكيل الجيش السوري الجديد، دون جهاز محايد للإشراف.

والنتيجة: تحولت بنية الجيش والشرطة لتصبح امتداداً للمنظومات المقاتلة التي شاركت في الحرب. والمقاتلين بقوا ضمن مجموعاتهم وتحت إمرة قادتهم، والولاء بقي للفصيل أو للقائد، مع إيديولوجيات دينية أو سياسية أو قومية أو عشائرية.

مقاتلو أسد وميليشياته السابقة ما زالوا يشكّلون قضية معقدة: هل سيعاد دمجهم؟ أم سيعاملون كمجرمي حرب؟ كما لا توجد جهة محايدة تُشرف على العملية.

الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي تم استحداثها في 17 مايو 2025، هيئة ليست مستقلة ولا محايدة، منحت العفو لأشخاص ودمجت مقاتلين سابقين، دون خط واضح لآلية العمل. يفتح هذا الباب أمام مخاوف الانتقام الفردية أو المحاسبة الانتقائية، ويزيد من صعوبة تنفيذ أي برامج دمج حقيقية.

فضلاً عن أن المجتمع السوري متنوع ومقسم طائفياً وسياسياً وعشائرياً، وفيه مكونات متنازعة تحمل مخاوف عميقة من تكرار الاضطهاد،. كما أن الثأر والانقسام الاجتماعي لم يُعالج بشكل عادل، مما دفع العديد من المجتمعات المحلية للاحتفاظ بسلاحها، كالأكراد والدروز وأبناء العشائر، إما دفاعاً عن نفسها أو بدافع الشك والخوف من السلطة الجديدة نفسها.

كل هذا يهدد مستقبل السلام في سوريا، ويعطي فرصة لاندلاع نزاعات جديدة في أي لحظة.

هل يستطيع الجيش والشرطة الجدد في سوريا أن يمثلوا جميع السوريين، أم سيظلون أذرعاً لفصائل مسلحة سابقة؟

هل ستكون الديمقراطية نموذجاً مطروحاً للنقاش في قابل الأيام؟ وهل سيكون تطبيقها سهلاً، وترضى به الفصائل والسلطة الحالية؟

هل تصنع لنا سوريا – كعادتها – نموذجاً جديداً للتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب؟

أسئلة ثقيلة، لكن لا بد من طرحها. فإذا لم ينجح السوريون والمجتمع الدولي في معالجة ملف السلاح والمقاتلين وإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، فإن أي سلام قادم سيبقى هشاً، وعرضة للانفجار مع أول صدمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

* عبد العليم الكاطع: سياسي سوري/سويدي، كاتب ومحلل في الشؤون السياسية والاجتماعية، يكتب مقالات رأي وتحليل باللغات الثلاث: العربية، والسويدية، والإنكليزية.

اقرأ أيضاً: هل يؤدي «توجيه الرئيس الشرع» إلى صدام مع مؤسسات المال الدولية؟

اقرأ أيضاً: سمير العيطة: اقتصاد حرّ أم تجربة الأمريكيين في «الصفقة الجديدة»؟

————————————————————————————————————

تنويه
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى