المجتمع السوري

سوء التغذية يهدد أطفال سوريا.. عندما تصبح الوجبة المتكاملة رفاهية

بقلم هلا يوسف

مع نهاية كل حرب، تبدأ الدول بإحصاء ما خسرته بين ضحايا وتدمير، لكن هناك أرواح معلقة بين الحياة والموت، تعيش حياتها بأجساد هزيلة، وعقل متعب قبل أن يبذل أي جهد، وهذه ضريبة كبيرة يدفعها الشعب السوري حتى اليوم، حيث الأطفال لا يحصلون في وجباتهم الغذائية على المواد الضرورية لبناء أجساد قوية، خصوصاً مع تراجع الأمن الغذائي وغلاء المعيشة الذي جعل بعض الأسر تكتفي بوجبة واحدة في اليوم، لتكون النتيجة اليوم تقزماً وفقر دم ونقصاً بالفيتامينات والمعادن، عدا عن المشكلات المرتبطة بالنمو والتطور الذهني، الذي ينبئنا خائفين من قدوم جيل هزيل فكرياً وجسدياً.

الغلاء والبطالة.. لماذا لا تستطيع الأسر إطعام أطفالها جيداً؟

هناك الكثير من القصص التي تدور حول سوء التغذية للأطفال في سوريا ونتائجها الكارثية التي غالباً يعلم بها الأهالي، لكن ليس بيدهم حيلة لحلها. فبحسب تقرير حديث لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، يعاني نحو 14.6 مليون شخص في سوريا من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 600 ألف طفل دون الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد. كما تشير المنظمة إلى أن أكثر من مليوني طفل معرضون لخطر سوء التغذية.

وتتعقد المشكلة أكثر مع تراجع القطاع الزراعي خلال السنوات الماضية، مما أضعف قدرة البلاد على إنتاج الغذاء، في وقت تعاني فيه الأسر أصلاً من انخفاض الدخل وارتفاع الأسعار.

الناشط السياسي والإنساني مأمون سيد عيسى يقول إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية مقارنة بدخل الأسر هو أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم سوء التغذية. ويضرب مثالاً بسعر كيلو الفروج الذي وصل إلى نحو 34 ألف ليرة، بينما أصبح شراء اللحوم الحمراء أمراً صعباً على كثير من السوريين.

ولا يمكن اختزال المشكلة في الطعام وحده، بل في الفرق الكبير بين الدخل وتكاليف المعيشة. ويشير سيد عيسى إلى أن معظم دخول العاملين في القطاع العام لا تتجاوز 150 دولاراً شهرياً، بينما تقل مداخيل كثير من العاملين في القطاع الخاص والمهن الحرة والمياومة عن خط الفقر الدولي الذي يعتمده البنك الدولي، والبالغ 2.15 دولار للفرد يومياً في الدول منخفضة الدخل مثل سوريا.

وبحسب تقديره، فإن الأسرة المؤلفة من خمسة أفراد تحتاج إلى أكثر من 322 دولاراً شهرياً حتى تتجاوز حد الفقر المدقع بحسب هذه الحسبة.

بينما تزداد الضغوط على الأسر النازحة وسكان المخيمات، خصوصاً بعد توقف السلال الغذائية. ويشير سيد عيسى إلى أن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أعلن في 4 كانون الأول انتهاء برنامج مساعداته الغذائية في سوريا بسبب نقص التمويل.

كما أن ضعف الخدمات الصحية يزيد الخطر، مع تراجع برامج علاج سوء التغذية الحاد وارتفاع أسعار الحليب ومنتجاته، مما يجعل الأطفال والرضع من أكثر الفئات المعرضة لنقص الغذاء والعناصر الضرورية لنموهم.

المشكلة لا تبدأ عند الطفل.. وقد تستمر لسنوات

ربما يعتقد البعض أن سوء التغذية يبدأ عندما لا يحصل الطفل على طعام كافٍ، لكن اختصاصية التغذية صفاء منجد أحمد تشير إلى أن القصة قد تبدأ قبل ولادته.

وتوضح أن سوء تغذية الطفل، خاصة خلال السنوات الخمس الأولى، يرتبط أحياناً بتغذية الأم أثناء الحمل، بالأخص خلال الأشهر الثلاثة الأولى.

وتضع الاختصاصية الفقر وغلاء المعيشة في مقدمة الأسباب، إلى جانب ضعف الوعي الغذائي لدى بعض الأسر، ونقص البروتين الحيواني، والاعتماد بشكل كبير على الكربوهيدرات والنشويات.

وهناك أيضاً عادات غذائية تزيد المشكلة، مثل عدم تنظيم الوجبات والإكثار من الأطعمة الجاهزة والمواد التي تحتوي على ملونات صناعية.

أما بالنسبة للعلاج، فلا يتعلق بالطعام فقط، بل بالاهتمام بالحالة النفسية للطفل، خاصة بعد سنوات الحرب وما نتج عنها من أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية. وقد تؤدي هذه الضغوط إلى اضطرابات في الأكل، مثل فقدان الشهية العصابي.

أما عن آثار سوء التغذية، فيقول سيد عيسى إنها قد تتجاوز النحافة أو ضعف الجسم، حيث تزيد احتمالية الإصابة بالأمراض، وتؤدي إلى فقدان الوزن، وفي الحالات الشديدة قد تهدد حياة الطفل.

كما يمكن أن يؤدي نقص الفيتامينات والمعادن إلى مشكلات صحية، من بينها فقر الدم بسبب نقص الحديد، وضعف البصر بسبب نقص فيتامين A، إضافة إلى اضطرابات النمو، وفي مقدمتها التقزم.

منظمات تحاول التدخل.. لكن حجم الحاجة أكبر

لا يمكننا أن ننكر وجود دور للمنظمات الإنسانية في هذا الخصوص لحل المشكلة، لكن عندما تكون المشكلة كبيرة، يصبح دور المنظمات غير واضح النتائج. وبالرغم من ذلك، هناك منظمة “إنقاذ الأطفال” التي تعتمد في سوريا على مسارين أساسيين.

الأول هو الوقاية، من خلال توعية الأمهات الحوامل والمرضعات، ومتابعة الحالة الغذائية للأطفال، وتشجيع الرضاعة الطبيعية خلال الأشهر الستة الأولى، ثم الاستمرار بها مع التغذية التكميلية حتى عمر عامين.

كما تقدم المنظمة دعماً فنياً للأمهات اللواتي يواجهن صعوبات في الرضاعة، وتوزع حقائب للنظافة لمساعدة الأسر على اتباع ممارسات صحية أفضل.

أما المسار الثاني فهو العلاج، عبر المراكز الصحية الأولية والمستشفيات التي تدعمها المنظمة، حيث يحصل الأطفال على الرعاية اللازمة، مع متابعة حالاتهم بعد التعافي لمنع تدهور صحتهم من جديد، وتأمين المواد العلاجية للحالات المزمنة بدعم من الجهات المانحة.

ويؤكد حمزة برهوم، مدير برنامج عمليات سوريا في منظمة “إنقاذ الأطفال”، أن عدد العاملين في مجال التغذية كبير، لكن حجم الاحتياج أكبر من قدرة أي منظمة بمفردها.

ويشير برهوم إلى أن الأسر تواجه صعوبات اقتصادية كبيرة، إلى جانب ضعف البنية التحتية في المناطق المتضررة والمخيمات، وهذا ما يفاقم سوء التغذية بين الأطفال والأمهات والحوامل والمرضعات.

وفي الحقيقة، لا تكفي معالجة الطفل بعد إصابته بسوء التغذية، بل المطلوب أن يتم التدخل السريع لحماية الأطفال اليوم، وإيجاد حلول طويلة الأمد تساعد الأسر على تأمين غذائها غداً.

وهذا ما حذرت منه “الفاو” وبرنامج الأغذية العالمي في نهاية عام 2025، عندما أشارا إلى احتمال تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحاد بين أيار وتشرين الثاني 2026، ووضعا سوريا ضمن 16 دولة مهددة بأزمة غذائية كبرى.

باختصار، أطفال اليوم هم جيل المستقبل القادم، وفي حال تجاهل أزمة سوء التغذية التي تنخر أجسادهم، قد نقف بعد عدة سنوات أمام شباب لا يقوى على بناء البلد بأجساد ضعيفة وبنية عقلية متضررة بسبب الحرمان الغذائي الذي عاشوه في طفولتهم. لذلك، المشكلة لا يمكن حلها بتوفير وجبة واحدة، بل بإيجاد نظام غذائي مستمر للطفل، يساعده على البناء السليم لجسمه وعقله.

اقرأ أيضاً: مشفى الأطفال بدمشق.. أهالٍ يفترشون الأرصفة بانتظار علاج أطفالهم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى