سمير العيطة: إلغاء الأصفار اجراء سطحي والحلول موجودة

الكثير من السوريين رأوا بفكرة إلغاء الأصفار من العملة السورية وإصدار عملة جديدة خطوة ممتازة على الصعيد الاقتصادي، إذ الكثير بدأوا استرجاع ذكريات فئة 500 ليرة، وماذا كانت تشتري، لكن أخصائيين اقتصاديين انتقدوا هذه الخطوة واعتبروها إصلاح سطحي، ومن ضمنهم الخبير الاقتصادي سمير عيطة.
وقد توجه العيطة بمجموعة من الأسئلة لمصرف سوريا المركزي، وقال: هل المشكلة هي الرغبة في التخلص من صورة الأسد على أوراق العملة؟ (فئة الألفي ليرة سورية) أم أن أكبر ورقة عملة ورقية حالياً هي خمسة آلاف ما يخلق مشاكل للمواطنين، على الصرافات الآلية، وفي دفع المبالغ ؟ أم أنها مشكلة نقص السيولة المزمن بالعملة السورية منذ سقوط النظام البائد “؟ أو كبح التضخم وانهيار سعر الصرف ؟
وقد أجاب العيطة على هذه الأسئلة طارحاً حلولاً منطقية بعيدة عن إلغاء الأصفار من العملة التي وصفها بأنّها: «لاتقدم ولا تؤخر».
إزالة صورة بشار الأسد من العملة
يقول العيطة أنه يمكن التخلص من صورة الرئيس المخلوع بشار الأسد عن طريق الاكتفاء بإصدار أوراق نقدية جديدة من دون حمل صورة الأسد، أو حتى الاستغناء عن تكاليف الطباعة عبر اعتماد ختم من المصرف المركزي على الورقة، كما كان معمولاً به في البدايات الأولى لطرح الليرة السورية – اللبنانية.
وتعد الليرة السورية – اللبنانية، التي عُرفت رسمياً باسم “الليرة السورية” حتى عام 1924 بأنها عملة ورقية جرى إصدارها في 31 آذار 1920 بموجب الأمر رقم 129 الصادر عن المفوض السامي غورو، وذلك لتحل محل الجنيه المصري خلال فترة الانتداب الفرنسي على بلاد الشام.
وقد مُنح بنك سوريا ولبنان الذي كان يعرف آنذاك باسم “بنك سوريا” حق امتياز إصدار هذه العملة بموجب المرسوم نفسه، وتم تثبيت قيمتها آنذاك عند 20 فرنكاً فرنسياً تُدفع بموجب شيك في باريس.
استخدام العملة الصعبة
قدم سمير العيطة حلاً مقترحاً للمشكلة التي طرحها حاكم مصرف سوريا المركزي في حديثه لقناة “العربية” والمتعلقة بضخامة المبالغ المتداولة عبر الصرافات الآلية أو حتى لشراء سلعة واحدة، وأوضح العيطة أنّ الحل يكمن في إصدار أوراق نقدية ذات فئات أكبر مثل 10 آلاف، 20 ألفاً، 50 ألفاً وصولاً إلى 100 ألف ليرة، وهذا ما يسهل العمليات المصرفية ويخفّف الضغط على الصرافات، بالتوازي مع سحب تدريجي للفئات الصغيرة من التداول.
كما يمكن اعتماد العملات الأجنبية وخصوصاً بعدنا تم السماح التداول بها عقب سقوط النظام، وذلك مثلما جرى في لبنان، لكن هذا الخيار يتطلّب جهداً تقنياً كبيراً من المصارف والمصرف المركزي في حالة إلغاء الصفرين لتحويل الحسابات إلى العملة الجديدة، وهو ما سيكون مكلفاً ويؤدي إلى ازدحام شديد أثناء استبدال الأوراق النقدية، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بتحويل المدخرات في مختلف المناطق.
معالجة نقص السيولة
أكد العيطة على ضرورة أن يوضح المصرف المركزي السوري أسباب النقص الكبير في السيولة بالليرة السورية منذ كانون الثاني الماضي بكل وضوح وشفافية، إذ بلغت قيمتها نحو 35 تريليون ليرة في تشرين الثاني 2024.
وأوضح أن التبريرات المتداولة حول احتجاز هذه السيولة لدى شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، أو في دول مثل العراق ولبنان والإمارات، لا تبدو مقنعة، خاصة بعد وصول شحنتين من العملة السورية من روسيا خلال الأشهر الأخيرة.
ويرى العيطة أن أزمة السيولة أعقد من ذلك، متسائلاً: من أين يحصل الصرافون غير الرسميين المنتشرين في شوارع العاصمة على السيولة؟ وما هو الحجم الحقيقي للنقد المصدر حالياً، وللنقد الموجود في الخزينة، وللنقد المتداول خارج البنوك والمؤسسات المالية النظامية؟
كما شدّد على ضرورة أن يجيب المصرف المركزي عن التساؤلات المتعلقة بما إذا كان إلغاء الأصفار سيقترن بتقييد تداول العملات الأجنبية نقداً خارج المصارف وشركات الصرافة، أي فرض رقابة على القطع، على غرار ما جرى في فرنسا التي استشهد بها الحاكم في تصريحاته.
إلغاء الأصفار معالجة سطحية
شدّد العيطة على ضرورة أن يوضح المصرف المركزي توجهاته الاقتصادية والمالية والنقدية للمرحلة المقبلة، وأشار إلى أن الميزان التجاري السوري يعاني من عجز واضح، إذ تكاد الصادرات تكون معدومة مقارنة مع الاستيراد الكبير، كما أن ميزان المدفوعات سلبي أيضاً، رغم التحسن الملحوظ في تحويلات المغتربين وإنفاق العائدين بالعملة الصعبة مؤخراً، وأوضح أن الحركة الاقتصادية لا تزال ضعيفة نتيجة الأوضاع الصعبة التي تواجهها المصانع والشركات المحلية.
وأضاف أن العقوبات لم تُرفع إلا بشكل مؤقت لمدة ستة أشهر، وليست إلغاءً كاملاً، بينما ما زالت المصارف والشركات الأجنبية تمارس الإفراط في الامتثال (Over-Compliance)، كما أُجريت زيادة طفيفة في الأجور، غير أن العدالة في سلم الرواتب ما زالت تتطلب خطوات جادة، عدا عن رفع الدعم عن المواد الأساسية دون وجود سياسات فاعلة للحماية الاجتماعية، في بلد يتجاوز فيه معدل الفقر 80% بحسب تقارير الأمم المتحدة.
وأكد العيطة أن كل هذه التطورات تجري في ظل غياب الشفافية حول الموازنة العامة، ومدى قدرتها على الاستثمار، وآليات تمويل العجز، كما لم يتلقَّ المصرف المركزي أي دعم فعلي يساعده على ضبط التضخم أو استقرار سعر الصرف.
وبيّن أن فكرة حذف الأصفار لا تتعدى كونها إجراءً تقنياً سطحياً، فالمشكلة الحقيقية تكمن في اختلال ميزان المدفوعات، وفي استعادة الثقة بالاقتصاد السوري ومستقبله، وليس بالعملة نفسها التي لا يزال السوريون يثقون بها، والحل يكمن أيضاً في إصلاح الموازنة العامة وطرح بدائل لتمويل العجز بعيداً عن طباعة النقود.
وشدّد على أن أي خطوة نحو حذف الأصفار يجب أن تسبقها إصلاحات هيكلية جذرية للاقتصاد وترسيخ الاستقرار النقدي، كما حدث في فرنسا عام 1958 وتركيا عام 2005، مع ضرورة تكوين احتياطيات كافية من النقد الأجنبي في المصرف المركزي قبل الإقدام على أي إصلاح نقدي.
وختم العيطة بالقول: “الإصلاح الاقتصادي هو العلاج الحقيقي، أما إلغاء الأصفار فليس سوى إجراء تجميلي”.
اقرأ أيضاً: حذف صفرين من الليرة السورية: خطوة رمزية أم إصلاح نقدي فعلي؟!









