سياسة

سماء سوريا تُرمَّم بعتاد الأمس

تبدأ المظلة الجوية من نقطة على شاشة رادار، قبل أن تصبح صاروخاً في السماء، وتفتقد سوريا اليوم أجزاء تلك السلسلة، فالقواعد ضُربت، والبطاريات تعطلت، والكوادر تفرقت، والمخازن فيها عتاد من عصر مختلف…

نشرت صحيفة المدن في 12 أيلول معلومات خاصة، نقلتها عن مصادر عسكرية سورية، عن خطة لوزارة الدفاع تجمع ما تبقى من معدات الدفاع الجوي القديمة وتفحصه ثم تصلح القابل للعمل بالتعاون مع روسيا. الخبر مهم، لكن حدوده أهم. لم يصدر إعلان رسمي يشرح الخطة، ولم أجد مصدراً مستقلاً يؤكد تفاصيلها حتى تاريخ الإعداد.

رواية ما زالت في أول الطريق

تقول المصادر إن المخزون المتبقي يضم تجهيزات قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، وإن الهدف إنشاء ما يشبه قبة دفاعية بدائية ريثما تتوافر منظومات أحدث. كما تقر بأن المعدات قديمة ومستهلكة، وأن أي سلاح حديث لم يدخل الخدمة بعد. هذا الوصف يقلل مساحة المبالغة، لكنه يبقى رواية مجهلة المصدر لا برنامج مشتريات منشوراً.

لا تعني الخطة استعادة القوة السابقة. أقصى ما تمنحه بدايةً نقاط إنذار واعتراض متفرقة، وربما حماية مواقع محددة من مسيّرات أو ذخائر أقل تعقيداً. مواجهة طيران حديث يمتلك حرباً إلكترونية واستطلاعاً بعيد المدى تحتاج إلى شبكة أخرى كلياً.

البطارية وحدها لا تحرس سماء

الدفاع الجوي ليس منصة وصاروخاً فقط. إنه رادارات ومراكز قيادة واتصالات آمنة وتمييز بين الصديق والخصم، ثم صيانة وذخيرة وتدريب. تعطل حلقة واحدة قد يحول البطارية إلى هدف قبل أن تصبح حارساً.

لهذا يبدأ الترميم الحقيقي بجرد تقني صريح. ما الذي يعمل، وما الذي يمكن إصلاحه، وكم ساعة تشغيل بقيت للرادارات، وهل الصواريخ المخزنة آمنة وصالحة؟ نشر الأرقام الحساسة غير مطلوب، غير أن وجود رقابة مؤسسية وموازنة معلومة يمنع إنفاق المال على حديد لا يعود إلى الحياة.

روسيا تعرف السلاح وتعرف ثمنه

تبدو الشراكة الروسية منطقية تقنياً لأن معظم الإرث السوري سوفيتي أو روسي، ولأن موسكو تملك الخبرة وقطع الغيار والملفات الهندسية. وتأتي المعلومات بعد اتفاق سوري روسي في آب أعاد ترتيب وضع حميميم وطرطوس، وحوّل المنشآت العسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل مع بقاء جزء من الحضور الروسي.

لكن القدرة على الإصلاح لا تلغي السياسة. موسكو تحصل عبر الصيانة والتدريب على نفوذ طويل الأمد داخل بنية حساسة، فيما قد تجد دمشق نفسها مرتبطة بمورد واحد وبقرار تقني خارجي. الشراكة المتوازنة تحتاج إلى نقل معرفة للكوادر السورية، وحدود واضحة للعقود والوجود، وعدم رهن التشغيل الدائم بقطع تأتي من جهة واحدة.

تركيا على المسار الموازي

تضيف رواية المدن مساراً لتطوير المسيّرات بالتعاون مع تركيا. وكانت أنقرة ودمشق قد وقعتا في آب 2025 مذكرة تشمل التدريب والاستشارات وتوريد معدات وأنظمة سلاح. هذا يجعل التعاون ممكناً، لكنه لا يثبت أن برنامج المسيّرات الموصوف دخل التنفيذ أو بلغ مرحلة إنتاج محددة.

المسيّرة قد تستطلع أو تربك هدفاً أو تحمل ذخيرة، لكنها لا تعوض رادار إنذار بعيداً ولا منظومة اعتراض متدرجة. القيمة تأتي من جمع المسارين داخل عقيدة واحدة، لا من وضعهما جنباً إلى جنب في إعلان سياسي.

فجوة صنعتها الغارات والسنوات

قال الجيش الإسرائيلي إنه نفذ أكثر من 350 غارة خلال 48 ساعة في كانون الأول 2024، واستهدف بطاريات مضادة للطائرات ومطارات وصواريخ وطائرات ومواقع تصنيع. يصعب فصل ما دُمر في تلك الموجة عمّا كان متقادماً أو معطلاً قبلها، ولذلك لا توجد حصيلة علنية موثوقة تسمح بقياس نسبة الاستعادة اليوم.

تعيد أي محاولة تشغيل حساسات وصواريخ حسابات الجوار أيضاً. قد تراها دمشق حقاً بديهياً في حماية السيادة، وقد تراها إسرائيل خطراً يستحق ضربة استباقية. حماية المنظومات لا تكون بالتمويه وحده، بل بقواعد اشتباك منضبطة وقنوات منع التصادم ومسار سياسي يقلل احتمال تدمير ما أُصلح قبل اكتماله.

في الختام، تمنح الخطة، إن صحت، الجيش السوري نقطة بداية واقعية. إنقاذ جهاز يعمل وتدريب طاقم عليه أسرع وأرخص من انتظار شبكة حديثة لا يملك البلد ثمنها أو وقتها. غير أن وصف البداية بقبة دفاعية قد يحملها أكثر مما تحتمل.

عتاد الأمس يستطيع أن يشتري إنذاراً مبكراً وبعض الوقت. سماء آمنة تحتاج بعده إلى مؤسسة ومال ومعرفة وسياسة. ومن دونها سيبقى الترميم مجموعة قطع تصعد من المخزن، ثم تنتظر امتحاناً أقسى منها.

اقرأ أيضاً: إلى ما بعد روسيا.. دمشق تعيد رسم خريطة الطاقة؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى