السلاح والمرحلة الانتقالية: كيف تحدد إعادة دمج الفصائل مصير الاستقرار في سوريا؟

الكاتب: أحمد علي
لا ينتهي صوت السلاح بمجرد توقف المعارك. قد يهدأ، وقد ينسحب إلى الحواجز والمعسكرات والولاءات القديمة، لكنه يبقى قادراً على العودة إذا لم يجد طريقاً واضحاً إلى الدولة. هذا هو المعنى الأشد حساسية في التقرير الصادر عن «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» حول إعادة دمج وإصلاح الجماعات المسلحة في سوريا. فالسؤال لم يعد عسكرياً فقط. من يمسك السلاح اليوم سيحدد، إلى حد بعيد، شكل السياسة والاقتصاد والثقة في الغد.
إعادة دمج الفصائل بين شرط الدولة وخطر الانقسام
ينطلق التقرير من واقع تشكل خلال أكثر من عقد. الحراك الشعبي الذي بدأ في آذار 2011 تحول إلى نزاع مسلح داخلي بحلول أوائل 2012، ثم أنتج مئات الفصائل المسلحة، بمرجعيات وولاءات ومصادر تمويل مختلفة. بعض هذه القوى ارتبط بالمعارضة، وبعضها بالنظام السابق، وبعضها بالإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، وبعضها بتنظيمات متطرفة. والنتيجة لم تكن مجرد تعدد عسكري، بل تعدد سلطات داخل البلاد.
هنا يصبح دمج الجماعات المسلحة مسألة تأسيسية. لا يمكن بناء انتقال سياسي مستقر مع بقاء جيوش صغيرة موازية للدولة. ولا يمكن الحديث عن إعادة إعمار بينما المعابر والطرق والموارد المحلية خاضعة لحسابات عسكرية متنافسة. ولا يمكن إقناع الناس بسيادة القانون إذا كانت القوة الفعلية موزعة على فصائل تحتفظ بسلاحها وتاريخها وخوفها من المستقبل.
التقرير يضع المصطلحات في إطارها المعروف دولياً. نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج ليس إجراءً إدارياً بسيطاً، بل مسار طويل ينقل المقاتلين من البنية العسكرية إلى الحياة المدنية. وإصلاح قطاع الأمن يعني بناء جيش وشرطة وأجهزة أمن تعمل تحت سلطة مدنية، وبمعايير مهنية وشفافة، لا تحت سلطة الولاء الشخصي أو الطائفي أو الخارجي.
لكن سوريا ليست حالة مدرسية. هذا هو جوهر التقرير. فالاندماج هنا لا يبدأ من الصفر، بل من ذاكرة مليئة بالخوف، ومن اقتصاد منهار، ومن مجتمعات تعرف من قصفها ومن حاصرها ومن اعتقل أبناءها. لذلك لا يكفي أن يصدر قرار بتوحيد السلاح. القرار قد يعلن البداية فقط. أما النجاح فيحتاج إلى هندسة سياسية واجتماعية واقتصادية دقيقة.
تظهر أول عقدة في المساءلة. التقرير يشير إلى أن نظام الأسد، وفق قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، هو المرتكب الأبرز للانتهاكات بنسبة تقارب 90%. وهذا يضع السلطات الجديدة أمام معادلة صعبة. إذا فتحت الباب لتسويات واسعة بلا مساءلة، ستشعر الضحايا بأن العدالة دُفنت باسم الاستقرار. وإذا ذهبت إلى ملاحقة شاملة وغير متدرجة، قد يدفع ذلك عناصر مسلحة إلى الاحتفاظ بسلاحها أو إعادة تنظيم نفسها خوفاً من العقاب. لذلك لا بد من عدالة متمايزة، تلاحق المسؤولين عن الجرائم الأشد، وتفتح مسارات مشروطة لمن لم يتورطوا في الانتهاكات الكبرى.
العقدة الثانية في الثقة. فالفصائل لم تكن متباعدة فقط، بل قاتلت بعضها أحياناً، وتبادلت الاتهامات، وتبدلت تحالفاتها. بعض المقاتلين يخشى أن تكون عملية الدمج فخاً لنزع السلاح ثم التهميش أو التصفية. وبعض المجتمعات تخشى أن ترى من تعتبرهم جناة يعودون بلباس رسمي جديد. هذه المخاوف لا تُحل بالوعود. تحتاج إلى آليات تدقيق شفافة، وضمانات قانونية، ومشاركة محلية، ورقابة مدنية، وتدرج في الدمج لا يضع الخصوم السابقين في وحدة واحدة قبل توفر حد أدنى من الثقة.
أما العقدة الثالثة فهي الاقتصاد. يذكر التقرير أن نحو 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن الناتج المحلي الإجمالي السوري انكمش بأكثر من 60% منذ عام 2010. في هذا السياق، يصبح السلاح مصدر دخل، لا مجرد أداة قتال. السيطرة على معبر أو بئر نفط أو طريق تجاري تمنح دخلاً لا يستطيع الاقتصاد المدني توفير بديل عنه بسهولة. لذلك فإن تسريح المقاتلين من دون عمل ليس انتقالاً إلى السلام، بل انتقال إلى فراغ قد يدفع بعضهم إلى الجريمة أو الالتحاق بتشكيلات جديدة.
هنا تقع أهمية الربط بين الدمج والإعمار. التقرير لا يتعامل مع المقاتل السابق كرقم أمني فقط. هو شخص له عائلة ودخل وهوية وصدمات. كثيرون انضموا إلى الفصائل في سن مبكرة، ولم يعرفوا عملاً آخر. المهارات التي اكتسبوها في الحرب لا تنقل تلقائياً إلى الاقتصاد المدني. لذلك تحتاج البلاد إلى برامج عمل عامة، تدريب مهني، مشاريع زراعية وصناعية صغيرة، دعم نفسي، ومساعدة قانونية. من دون هذه الحزمة، تصبح إعادة الإدماج شعاراً مكلفاً لا يغير الواقع.
التقرير يذهب أبعد من ذلك حين يربط الدمج بالمصالحة. المجتمع الذي تعرض للحصار أو القصف أو الاعتقال لا يستطيع أن يستقبل المقاتل السابق بعبارة إدارية عن فتح صفحة جديدة. الذاكرة لا تعمل بهذه السهولة. هناك وصمة تطال المقاتلين وعائلاتهم، وهناك خوف من الانتقام، وهناك أرشيف رقمي مفتوح من الصور والمقاطع والانتهاكات يجعل الماضي حاضراً باستمرار. لذلك تحتاج إعادة الإدماج إلى شفاء مجتمعي، لا إلى تسريح عسكري فقط.
لكن الخطر الأكبر، كما يفهم من التقرير، هو فشل العملية. فالفشل لا يعني بقاء الوضع كما هو. يعني غالباً ولادة دورة جديدة من العنف. جماعات تحتفظ بسلاحها. مناطق ترفض سلطة الدولة. قوى خارجية تواصل استخدام الفصائل كورقة نفوذ. اقتصاد غير رسمي يربط الأمن بالتهريب والجباية. ومجتمعات تشعر بأن العدالة غابت، فتبحث عن حماية أهلية أو فصائلية. بهذه الطريقة لا تعود الحرب بالضرورة عبر جبهة واضحة، بل عبر تفكك بطيء للدولة.
ولا يغفل التقرير التدخل الخارجي. فالقوى الإقليمية والدولية لم تكن مراقبة فقط، بل استثمرت في فصائل ومناطق وأولويات. روسيا تريد حفظ نفوذها، والولايات المتحدة تركز على إيران وداعش، والدول الأوروبية تنظر إلى الإرهاب واللاجئين، وتركيا وإيران ودول أخرى تملك حساباتها المباشرة. إعادة دمج الفصائل داخل جيش وطني موحد تصطدم بهذه الشبكة. لذلك يحتاج المسار إلى دعم دولي، لكنه يجب أن يبقى سورياً في قراره. الدعم الخارجي مفيد حين يوفر المال والخبرة والرقابة. ويصبح خطراً حين يعيد إنتاج المحاور داخل المؤسسة الأمنية الجديدة.
ما يقترحه التقرير عملياً يقوم على عدة شروط. إشراك أصحاب المصلحة منذ البداية، لا بعد كتابة الخطة. إشراك الفصائل كمشاركين في التصميم، لا كمجرد منفذين. إشراك المجتمعات المحلية والضحايا والنساء والشباب ورجال الأعمال، لأن الدمج لا يحدث داخل المعسكر فقط. ثم بناء آليات تقاسم سلطة مؤقتة داخل المؤسسات الأمنية، بحيث لا يشعر طرف بأنه ابتلع الآخر. وبعد ذلك، وضع معايير مهنية واضحة للترقية والتدريب والانضباط، وربط الجيش الجديد برقابة مدنية وميزانية شفافة.
هذا المسار طويل، وقد يبدو ثقيلاً في بلد يريد نتائج سريعة. لكنه أقل كلفة من البديل. فالاستعجال في ملف السلاح قد يعطي مظهراً مؤقتاً للسيطرة، لكنه يترك الألغام تحت الأرض. والبطء غير المنتج قد يترك الفصائل تتمدد وتعيد ترتيب نفوذها. المطلوب إذن ليس استعجالاً ولا انتظاراً، بل جدول واضح، ومراحل قابلة للقياس، وشفافية تسمح للناس بمعرفة ما يجري.
الخلاصة أن تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان يضع الإصبع على نقطة دقيقة في المرحلة الانتقالية. سوريا لا تواجه سؤال الدستور والحكومة والانتخابات فقط. تواجه سؤال السلاح. من يحتكره؟ ومن يراقبه؟ ومن يثق به؟ وكيف يتحول المقاتل من عنصر في فصيل إلى مواطن أو جندي في مؤسسة وطنية؟
الإجابة لن تأتي من بندقية تُسلَّم في صورة رسمية. ستأتي من عدالة لا تنتقم ولا تعفو عشوائياً، ومن جيش لا يعيد إنتاج الولاءات القديمة، ومن اقتصاد يفتح باباً للذين لم يعرفوا إلا الحرب، ومن مجتمع يجد طريقاً لمحاسبة الماضي من دون أن يبقى أسيراً له.
إذا نجحت سوريا في ذلك، سيكون الدمج بداية دولة. وإذا فشلت، سيبقى السلاح يتحدث كلما عجزت السياسة.
اقرأ أيضاً: من قائد في قسد إلى معاون وزير الدفاع.. سيبان حمو ومسار الدمج في الدولة السورية









