المجتمع السوري

سر إغراء شاشة “تيك توك” للفنانين السوريين أكثر من الدراما

بقلم: ريم ريّا

لم تعد شاشة التلفزيون أو خشبة المسرح المسار الوحيد، ولا حتى الأساسي، لحضور الفنانين السوريين في الفضاء العام. خلال السنوات الأخيرة، اتجه عدد متزايد من الممثلين والمغنين إلى منصة “تيك توك”، في مشهد يعكس تحولاً في علاقة الفنان بالجمهور، وفي بنية الصناعة الفنية نفسها. والدراما السورية بثقلها على وجه الخصوص. هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه نزوة عابرة، بل كاستجابة مباشرة لأزمة مركّبة تطال الإنتاج، والاقتصاد، والنجومية.

تيك توك شاشة أسرع للفنانين السوريين

ربما اتجاه الفنانين السوريين إلى منصة تيك توك، سببها أنه في الدراما السورية يخضع الفنان لمسار طويل ومعقد، إذ ينتظره نص معقد ربما وإنتاج  متعثر، ومواسم محدودة أغلبها رمضانية، وفي الغالب ينتظر الممثل السوري أدواراً قد لا تأتي.

في المقابل، يقدم تيك توك، شاشة فورية بلا وسطاء، تتيح للفنان أن يظهر متى يشاء، وأن يتفاعل مباشرةً مع جمهوره دون انتظار موافقة منتج أو قناة أو موسم عرض. هذه الفورية هي أحد عناصر الإغراء الأساسية، فالفنان الذي انتظر عاماً كاملاً على سبيل المثال ليظهر في عمل درامي، يستطيع عبر منصة تيك توك أن يكون حاضراً بشكل يومي، وأن يحافظ على اسمه في التداول في ظل زمن بات فيه الغياب الطويل مرادفاً للنسيان.

اقرأ أيضاً: النجم السوري محبوب العرب: والدراما السورية مازالت على عرش التكريم

اقتصاد المشاهدات كبديل عن اقتصاد العمل

اليوم، لم يعد الفن وحده مصدر الدخل، بل المشاهدة. تراجع الإنتاج الدرامي بالتزامن مع انخفاض الأجور إلا للأسماء المدعومة، وغياب الاستقرار المهني، دفعت كثيراً من الفنانين السوريين إلى البحث عن بدائل مالية.

منصة “تيك توك”، لا تقدم فقط جمهوراً، بل تفتح باباً للربح السريع عبر البث المباشر، والهدايا والإعلانات، وقد أشارت إحدى الفنانات السوريات إلى ذلك بقولها: “انتظار المشاهدات على التيك توك أفضل من انتظار رضا المخرجين وشركات الإنتاج”.

في هذا السياق، لم تعد ملاحقة المشاهدات سقوطاً مهنياً حسب رأي رواد المنصة من الفنانين بل وسيلة للبقاء لهم. فالفنان هنا لا يهرب من الفن، بل من الفراغ وهشاشة المهنة التي لم تُضمن الاستمرارية فيها بيوم من الأيام.

جمهور مختلف وقواعد جديدة

جمهور  منصة “تيك توك”، ليس جمهور الدراما التقليدي. هو جمهور أصغر عمراً  إذ تتراوح أعمال أغلب متابعي هذه المنصة بين (13- 20) عاماً، وهم أسرع مللاً وأكثر انجذاباً للعفوية واللحظة. لا ينتظرون أداءً مدروساً بقدر ما يبحثون عن تواصل مباشر، ورد فعل، وحضور غير مصقول أو منمق. فهم جيل له مفهومه الخاص حول كل شيء.

هذا التحول يضع الفنان السوري أمام اختبار مزدوج: إما أن يعيد تعريف صورته بما يتناسب مع هذه القواعد الجديدة، أو أن يخاطر بتآكل هالته الفنية. فالفنان الذي بُني حضوره على الغموض والمسافة، قد يجد نفسه مكشوفاً أكثر مما ينبغي، بينما ينجح آخرون في تحويل هذه المنصات إلى امتداد ذكي لشخصياتهم الفنية.

هل خسر الفنان السوري صورته أم أعاد تشكيلها؟

ربما السؤال الأجدى بالطرح، ليس إن كان الفنان قد خسر صورته على منصة تيك توك، بل أي صورة يخسر وأي صورة يبني. لا أحد ينكر، أن بعض الفنانين وقعوا في فخ الاستسهال، فتحولت المنصة إلى مساحة زائدة عن الحاجة، أضعفت حضورهم بدل أن تعززه وأقدموا على تصرفات لا تليق بحجمهم الفني المُقدم على مدى سنين طويلة. في المقابل، نجح آخرون في إدارة ظهورهم بوعي، مستخدمين المنصة كأداة تواصل لا كبديل عن الفن.

المشكلة لا تكمن في المنصة بحد ذاتها، بل في غياب استراتيجية واضحة لحضور الفنان خارج الشاشة التقليدية. فحين يغيب الإنتاج القوي، يعتبر الجمهور المنصات الرقمية مرجعاً وحيداً للحكم، وهو حكم قاسٍ وسريع.

إن ما يحدث اليوم، هو انكسار لنموذج النجومية القديم، لم تعد الشاشة الكبيرة وحدها من تصنع النجم، ولم يعد حتى الجمهور ينتظر فقد تبدل مزاجه. في الواقع وجد الفنان السوري نفسه بين خيارين: إما الانسحاب الصامت أو الدخول إلى لعبة المشاهدات والتريند بصورة وشروط جديدين.

بالمحصلة، التحدي الأساسي للفنان السوري، يكمن في الحفاظ على التوازن. لك بأن يستخدم الفنان المنصة دون أن تتحول إلى بديل عن المهنة، وأن يحافظ على أدواته الفنية وهيبته وحضوره دون أن ينفصل عن جمهوره. بين الشاشة الصغيرة والهاتف، تعاد صياغة صورة الفنان، لا كأيقونة بعيدة كما السابق، بل كحضور يومي قابل للنجاح… أو ربما للاستهلاك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى