سدود درعا تمتلئ… لكن هل تتحسن معها إدارة المياه؟

الكاتب: أحمد علي
تبدو الصورة لأول وهلة بسيطة ومريحة، مطر هطل، وسدود امتلأت، وأرض أنهكها الجفاف التقطت أنفاسها أخيراً… غير أن المشهد في درعا يقول شيئاً آخر أيضاً، لأن الماء حين يعود لا يعود وحده، بل يجر معه أسئلة مؤجلة عن الإدارة، والعدالة، والبنية التحتية، وحدود ما تستطيع الدولة فعله حين تتحسن الطبيعة قليلاً بعد سنوات طويلة من الشح. وهنا بالضبط تبدأ قيمة الخبر القادم من درعا، لا بوصفه مناسبة للاحتفال السريع، بل بوصفه اختباراً لفكرة أكبر، هل تستطيع المحافظات السورية بما فيها درعا أن تنتقل من إدارة النقص إلى بناء سياسة مائية قادرة على الصمود؟
إدارة المياه
تمنح المعطيات المحلية في درعا هذا السؤال وزناً حقيقياً، فالمصادر الرسمية قالت في كانون الثاني 2026 إن حجم التخزين في سدود المحافظة ارتفع إلى نحو ستة ملايين متر مكعب، مع وصول سد المتاعية إلى سعته التخزينية العظمى، بعد سنوات طويلة من الجفاف. كما أشارت مديرية الموارد المائية إلى أعمال صيانة ومتابعة للقنوات المغذية والمفرغات ومحطات الضخ.
وهذه مؤشرات مهمة، لأنها تعني أن المطر لم يذهب كله هدراً، وأن جزءاً من الوارد المائي التقطته منشآت ما زالت قادرة على العمل حين تتوافر لها الصيانة والجاهزية، لكن الأرقام نفسها تضع حدوداً واضحة للتفاؤل، فمحافظة درعا تضم ستة عشر سداً سطحياً بسعة تقارب واحداً وتسعين مليون متر مكعب، ما يعني أن التخزين المسجل، رغم تحسنه، يبقى جزءاً محدوداً من الطاقة النظرية المتاحة.
امتلاء لا يكفي وحده
لهذا السبب لا يمكن التعامل مع امتلاء بعض السدود باعتباره دليلاً كافياً على امتلاء السياسة المائية نفسها، فالسد، في النهاية، وعاء يلتقط موسماً جيداً أو متوسطاً، أما السياسة فهي ما يربط بين السد والبئر وشبكة الشرب ونظام الري والكهرباء والرقابة والتشريع.. وإذا كان المطر قد منح الجنوب السوري استراحة ثمينة، فإن هذه الاستراحة لن تتحول تلقائياً إلى استقرار ما لم تدخل ضمن رؤية أوسع تحسب سنوات الجفاف كما تحسب سنوات الوفرة.
التجربة السورية خلال الأعوام الماضية جعلت هذا الفرق أكثر وضوحاً، فالمياه ليست أزمة موارد طبيعية فقط، بل أزمة تجهيزات متعبة، ومحطات ضخ تحتاج إلى طاقة مستقرة، وشبكات تعاني من فاقد مرتفع، ومؤسسات تعمل تحت ضغط التمويل والاستبدال والصيانة. لذلك لم يكن تفصيلاً أن تعلن جهات سورية وأممية في 2025 و2026 عن حزم دعم لإعادة تأهيل البنية المائية، من الآبار ومحطات الضخ إلى شبكات الصرف والمياه، وأن تربط بين استعادة الخدمات وبين بناء القدرة التشغيلية للمؤسسات.
والرسالة هنا واضحة، الأمطار قد ترفع المنسوب، لكنها لا ترفع وحدها كفاءة الإدارة ولا تعيد تلقائياً ما تآكل خلال سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية.
بين البئر والشبكة
الأصعب من مشهد السدود الممتلئة هو ما يجري تحت الأرض وفوق خطوط التوزيع، فدرعا مثل كثير من المناطق الزراعية، لا تعيش على السدود وحدها، بل على المياه الجوفية أيضاً، وهنا تظهر العقدة الأكثر حساسية. وتكشف حملات ضبط الحفارات المخالفة التي أعلنتها الجهات الرسمية في 2026 أن الدولة تدرك خطورة الاستنزاف الجاري للمخزون الجوفي، وأن السيطرة على الحفر العشوائي لم تعد ملفاً ثانوياً. فحين تنخفض غزارة الينابيع والآبار، لا يعود السؤال فقط كم هطل من المطر، بل من يستهلك الماء، وكيف يستهلكه، وبأي شرعية، وبأي قدرة على المراقبة والمنع.
من جهة أخرى، فإن تحسين واقع مياه الشرب في درعا عبر تأهيل آبار جديدة، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإعادة تنظيم بعض الشبكات المحلية، يوضح أن جزءاً من المشكلة يقع في التوزيع لا في المصدر فقط. وقد يصل الماء إلى السد أو إلى البئر، لكنه لا يصل بالضرورة إلى البيت والحقول بالعدالة نفسها.
وهذا ما يجعل إدارة المياه في سوريا مسألة حكم محلي أيضاً، لأنها تتعلق بقدرة المؤسسات على ترتيب الأولويات بين الشرب والري، وبين الحاجة الطارئة والاستدامة، وبين تلبية الطلب السريع ومنع الفاقد والتسرب والهدر.
من الطوارئ إلى السياسة
ما يلفت الانتباه في الأشهر الأخيرة أن النقاش الرسمي لم يعد محصوراً بالمعالجة اليومية، بل بدأ يقترب من لغة البرامج، فالاجتماع الذي جمع وزارة الزراعة السورية مع منظمة الأغذية والزراعة مطلع 2026 لمناقشة برنامج وطني لإدارة الجفاف يذهب في هذا الاتجاه، لأنه يعترف بأن القضية لم تعد موسمية، وأن البلاد تحتاج إلى أدوات إنذار مبكر، وحصاد مياه، وتنسيق أعلى بين الجهات المعنية.
كذلك فإن المباحثات المتعلقة ببناء القدرات الوطنية، وتحديد أولويات التدخل الإنساني، وتحديث بعض الأطر التنظيمية، تشير إلى وجود محاولة لربط الاستجابة العاجلة بمسار مؤسساتي أطول.
مع ذلك، تبقى المسافة بين الاعتراف بالمشكلة وبين امتلاك سياسة متماسكة مسافة كبيرة، فالسياسة المائية لا تُقاس بإعلان أو حملة أو موسم مطري جيد، بل بقدرتها على إنتاج قواعد مستقرة، بيانات أدق، رقابة فعالة، وتعرفة وخدمات وتشغيل يمكن استمرارها. كما أنها لا تكتمل من دون ربط المياه بالطاقة والزراعة والإدارة المحلية، لأن البئر التي لا كهرباء لها لا تعطي ماءً، والقناة التي لا تُصان لا تحفظ مطراً، والشبكة التي تتسرب منها الكميات لا تصنع أمناً مائياً حتى لو تحسن الهطل.
لهذا يمكن القول إن درعا قدمت هذا العام خبراً مطمئناً، لكنها لم تقدم بعد حلاً نهائياً، فامتلاء السدود خبر جيد للناس وللزراعة ولمعنويات منطقة عاشت سنوات قاسية، لكنه يصبح أكثر قيمة حين يُقرأ كفرصة سياسية وإدارية لا كاستراحة عابرة.
وإذا كنا نريد أن «تمتلئ السياسة» كما امتلأت بعض السدود، فإن الطريق في درعا وغيرها يمر من تثبيت الصيانة، وضبط الحفر العشوائي، وحماية المياه الجوفية، وتحديث الشبكات، وبناء إدارة جفاف حقيقية تتعامل مع الماء بوصفه ملف بقاء وتنمية معاً. وعندها فقط لا يعود المطر حدثاً سعيداً وحسب، بل يتحول إلى نقطة ارتكاز لسياسة تعرف كيف تحفظ ما يأتي من السماء، وتوزعه بعدل، وتمنع تبخره داخل الفوضى.
اقرأ أيضاً: ليالي آذار الباردة والصقيع حملا الخسائر لمزارعي درعا








