أعمال واستثمار

سدود الحسكة.. وفرة مالية وعبء تشغيلي يوقف الاستثمار

بقلم: ريم ريّا

على الرغم من التحسن الملحوظ في وضع المياه بمحافظة الحسكة عام 2026، والذي بثّ الأمل في القطاع الزراعي، إلا أن هذا التحسن يكشف عن مفارقة مقلقة، تتمثل في وفرة المياه مع محدودية إمكانية استغلالها. فالخزانات والسدود، امتلأت بفضل الأمطار  الموسمية التي هطلت بكثافة هذا العام، وتعتبر في أفضل حالاتها منذ سنوات عديدة، لكنها تعاني في الوقت نفسه من عجز تشغيلي واضح، مما يثير تساؤلات جدية حول إدارة موارد المياه، وكفاءة البنية التحتية القائمة، وقدرة الجهات المعنية على تحويل هذا الفائض إلى فرصة تنموية حقيقية.

قفزة في التخزين…  سدود الحسكة  تسجل أرقام قياسية

شهدت احتياطيات المياه في خزانات محافظة الحسكة ارتفاعاً ملحوظاً، حيث بلغ إجماليها 328.62 مليون متر مكعب، مقارنةً ب 121.974 مليون متر مكعب خلال الفترة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة تتجاوز 169%. ويعزى هذا الارتفاع إلى الأمطار الغزيرة التي هطلت منذ نهاية شهر آذار، والتي تعد الأفضل منذ سنوات عديدة، ما أدى إلى زيادة جريان المياه السطحية وارتفاع منسوب نهر الخابور.

ويتصدر سد جنوب الحسكة قائمة الخزانات من حيث السعة التخزينية، بسعة تقارب 257 مليون متر مكعب، مقارنةً ب 87 مليون متر مكعب في العام الماضي، أي بزيادة تقارب 170 مليون متر مكعب. ويتوزع هذا الحجم على عشرة سدود رئيسية، تشمل السدود الشرقية والغربية، والسفان، والحكيمية، والمنصورة، بالإضافة إلى سدود الجوادية، وباب الحديد، والمشوق، والجرحي.

تعكس هذه الأرقام تغيراً كبيراً في مستويات المياه بعد سنوات من الجفاف، وتمهد الطريق لموسم زراعي واعد، لا سيما مع تحسن تدفق نهر الخابور وملء السدود الصغيرة والمتوسطة الحجم.

اقرأ أيضاً: تعافي القطاع الزراعي بعد الحرب..دراسة متكاملة لتطبيق آليات التعافي

عجز التشغيل… حين تتوقف السدود عن أداء وظيفتها

على الرغم من سلامة معظم السدود من الناحية الإنشائية، تكمن المشكلة الرئيسية في تشغيلها واستثمار مخزونها، مما يفسر الفجوة بين إمدادات المياه والاستخدام المحدود. فعلى سبيل المثال، يعد الجزء الجنوبي من سد الحسكة آمناً وقادراً على تخزين المياه بكامل طاقته، ولكنه يكاد يكون عاجزاً عن أداء وظيفته في الري.

ويعود السبب الرئيسي إلى سرقة بواباته ومضخاته، وهي مكونات أساسية لضخ المياه إلى الأراضي الزراعية في فصل الصيف. ونتيجة لذلك، أصبح من المستحيل استخدام الكميات الكبيرة من المياه المخزنة للري، على الرغم من الحاجة الماسة إليها. ويزداد الوضع سوءاً بسبب التدمير الكامل لمحطتي الضخ (13 و15) التابعتين للسد وسرقتهما، حيث لم يتبق منهما سوى هياكلهما الخرسانية.

قد أدى ذلك إلى انقطاع إمدادات المياه عن الأراضي الزراعية (19 و21). علاوةً على ذلك، تحتاج بعض السدود، كالجزء الشرقي من السد، إلى ترميم، مما يعقد أي تدخل فني محتمل.

إضافةً إلى الخسائر التشغيلية، تعاني بعض السدود من مشاكل في إمدادات المياه. فالسدان الشرقي والغربي لا يتدفقان حالياً إلى أي مكان بسبب انقطاع إمداداتهما المائية، سواء من آبار رأس العين أو من نهر الخابور الذي يمر عبر الأراضي التركية. كما تخضع عدة سدود، مثل باب الحديد والمنصورة، لقيود تخزين خاصة نظراً لحاجتها إلى أعمال صيانة.

تمنع هذه القيود مستويات المياه من تجاوز حدود معينة لضمان قدرتها الاستيعابية. ومع ذلك، تشير التقييمات إلى أن السدود المتبقية في حالة فنية جيدة جداً، مع اتخاذ تدابير احترازية، مثل فتح المفيضات، لمنع تجاوز حدود الأمان. يخلق هذا الوضع معادلة معقدة، فبعض السدود ممتلئة ولكن مع قيود، وبعضها الآخر فارغ بسبب انقطاع إمدادات المياه، بينما لا تزال سدود أخرى خارج الخدمة لأسباب سياسية أو جغرافية.

خطط التأهيل وفرص الإنقاذ… بين الدراسات وواقع التنفيذ

أجرت مديرية الموارد المائية تقييماً فنياً مفصلاً للأضرار، وأعدت دراسات لإعادة تأهيل الجانب الجنوبي من السد ومحطات الضخ التابعة له. وقُدمت هذه الدراسات إلى الجهات المختصة لتأمين التمويل اللازم. كما قُدمت مشاريع لإعادة تشغيل محطات الضخ ضمن طلبات التمويل، على أمل الحصول على دعم من صندوق مخصص للمنطقة الشرقية. وفي الوقت نفسه، يجري العمل على إعداد دراسات إضافية لإعادة تقييم حالة وصيانة عدد من السدود الأخرى.

رغم هذه الإجراءات، تكمن المشكلة الأساسية في الفجوة بين التخطيط والتنفيذ. وتشير المؤشرات الزراعية الحالية إلى نتائج إيجابية، فقد بلغ طور استطالة القمح المروي 100%، والقمح البعلي 80%، والشعير المروي 100%، بالإضافة إلى تحسن ملحوظ في محصول العدس. وهذا يعزز التوقعات بأن يكون هذا الموسم هو الأفضل منذ سنوات عديدة.

ومع ذلك، فإن أوجه القصور التشغيلية المستمرة تهدد بتحويل هذه الفترة الواعدة إلى فرصة ضائعة، خاصة إذا لم يتم ترجمة البحث والتخطيط إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع قبل موسم الري الصيفي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى