سحب عالمي وتحذير محلي في سوريا.. منتجات “نستله” ومن يحمي المواطن السوري؟
لولا تحذير الشركة مَن كان سينقذ الأطفال!

بقلم: ريم ريّا
في الأيام الأخيرة، أُثيرت حالة من القلق بين المستهلكين في سوريا على خلفية إعلان شركة “نستله” سحب عدد من منتجات الحليب من أسواق دولية محددة، بعد اكتشاف تلوثها بمادة سامة. ورغم أن سوريا لم تكن ضمن قائمة الدول المشمولة رسمياً بقرار السحب، إلا أن تداول الخبر محلياً، ووجود منتجات مستوردة بطرق مختلفة، فتح باب التساؤلات حول سلامة المنتجات الغذائية المطروحة في الأسواق السورية، ودور الجهات الرقابية في التعامل مع تحذيرات من هذا النوع.
إعلان شركة “نستله” السحب.. ووزارة الصحة في سوريا
أعلنت شركة “نستله”، عبر بيانات رسمية نشرتها في عدد من الدول، عن سحب دفعات محددة من منتجات الحليب المخصص للرضع، بعد اكتشاف احتوائها على مادة سامة تُعرف باسم “السيريوليد”.
كما أوضحت الشركة، أن السحب يقتصر على أنواع وأرقام تشغيل محددة، جرى توزيعها في أسواق بعينها، مؤكدةً أن الإجراء احترازي ويأتي في إطار سياسات السلامة الغذائية المعتمدة لديها.
في سوريا، أعلنت وزارة الصحة السورية أنها ليست ضمن البلدان التي شملها السحب الطوعي، لدفعات محددة من بعض منتجات حليب الأطفال “NAN” و”S-26″ و”ALFAMINO” في عدد من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وذكرت الوزارة في بيان لها، في 10 من كانون الثاني، أنها تابعت ما نشرته شركة “نستله” في 7 من كانون الثاني، حول سحب طوعي كإجراء احترازي مرتبط باحتمالية وجود آثار لمادة “cereulide” في أحد مُدخلات الإنتاج من أحد الموردين.
وفقاً للبيان، أكدت الوزارة أنها تتعامل مع أي تنويه يتعلق بسلامة أغذية الرضع بأقصى درجات الجدية، وتستمر بمتابعة الموضوع والتنسيق مع الجهات المعنية لضمان سلامة المنتجات المتداولة في السوق المحلي.
اقرأ أيضاً: الرقابة التموينية على الأسواق: هل تكفي لرصد المواد الفاسدة؟
ما طبيعة المادة لمشار إليها في بيان الشركة؟
حسب إعلان شركة نستله، فقد اكتشفت الشركة أن الحليب يحتوي على مادة السيريوليد، وهي مادة سامة تنتجها بكتيريا العصوية الشمعية. تعد بكتيريا العصوية الشمعية نوعاً من البكتيريا الشائعة في التربة، ويمكنها تلويث الغذاء من خلال المواد الخام الرديئة، أو معدات الإنتاج غير الصحية، أو عمليات مراقبة الجودة غير الفعّالة. وتنتج هذه البكتيريا سموماً مختلفة أثناء نموها، ومنها مادة السيريوليد.
بحسب إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، يتميز السيريوليد ببنية جزيئية مستقرة للغاية ولا يتحلل بالحرارة. ولا يمكن إزالته تماماً من المنتجات حتى بعد الغليان أو التسخين.
فعند تناول هذه المادة، وخاصةً عند الرضع، قد تسبب أعراض التسمم الغذائي، مثل الغثيان والقيء وآلام البطن والإسهال والإرهاق وفقدان الشهية. وفي الحالات الأكثر خطورة، قد تؤدي إلى الجفاف أو اضطرابات التمثيل الغذائي لدى الأطفال الصغار إذا لم يتلقوا رعاية طبية فورية.
أما بالنسبة لمعظم البالغين الأصحاء، تكون أعراض التسمم بالسيريوليد خفيفة عادةً وتزول من تلقاء نفسها في غضون 24 ساعة. ومع ذلك، بالنسبة للرضع والأطفال الصغار وكبار السن أو الأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة، قد تكون الأعراض أكثر حدة.
كما تشير التقارير الاستقصائية، إلى أن هذا السم لم ينشأ بالضرورة من الإنتاج داخل خط إنتاج نستله، ولكنه ربما يكون قد جاء من مكون ملوث من أحد الموردين. وهو سيناريو معروف في سلاسل الإمداد الغذائية العالمية، ويطرح أسئلة أوسع حول مسؤولية الموردين وآليات التتبع.
من المسؤول عن الرقابة في سوريا
لنفترض عدم إعلان شركة “نستله” عن السحب، وكانت سوريا من ضمن الدول التي يشملها سحب المنتج.. من كان المسؤول عن صحة المواطنين وأطفالهم؟
في حال عدم صدور إعلان رسمي بسحب المنتجات من السوق السورية، تبقى مسؤولية الرقابة على سلامة الغذاء موزعة بشكل نظري بين عدة جهات حكومية، في مقدمتها وزارة الصحة، ووزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، إضافةً إلى الجهات المعنية بالاستيراد والتخليص الجمركي. وتتمثل هذه المسؤولية في التأكد من مطابقة المنتجات الغذائية للمواصفات الصحية، وفحص الشحنات المستوردة، ومراقبة تداولها في الأسواق المحلية.
لكن كما هو معلوم، فإن منظومة حماية المستهلك تعتمد بدرجة كبيرة على الرقابة المسبقة سواءً عند الاستيراد أو عند التصنيع. لكن المقلق في الحالة السورية أن هذه المنظومة لا تُظهر في كثير من الأحيان فاعلية كافية في التعامل مع التحذيرات الطارئة التي تصدر من الخارج، بعد أن يكون المنتج قد دخل إلى السوق المحلية بشكل فعلي.
الغفلة الأساسية لدى الجهات المعنية في سوريا، حتى ولو لم تُشمل سوريا بقرار السحب، تكمن في عدم نشر قوائم تفصيلية بالدفعات المشكوك فيها، بالإضافة إلى غياب توفير قاعدة بيانات متاحة للمستهلكين تمكنهم من التحقق الذاتي، كل هذا ما يضع المواطن في موقع ضعيف، ويجعل قدرته على اتخاذ قرار صائب بشأن سلامة ما يستهلكه محدودة للغاية.
اليوم، ما يزيد الإشكالية تعقيداً هو طبيعة السوق السورية، إذ تدخل بعض المنتجات الغذائية عبر قنوات غير نظامية أو يتم إعادة تصديرها من أسواق أخرى، ما يجعل تتبع مصدرها أو التأكد من شمولها بتحذيرات دولية أمراً بالغ الصعوبة عملياً. وفي مثل هذه الحالات، لا يكفي الاكتفاء بالقول إن سوريا “غير مشمولة” بقرار السحب، من دون توضيح آليات التحقق أو الإجراءات الاحترازية المعتمدة.
أمام هذا الواقع في البلاد، ينتقل عبء الحماية عملياً على المستهلك السوري نفسه، في ظل وجود تحذيرات دولية، ولو لم تشمل السوق المحلية بشكل رسمي ومباشر، يصبح من الضروري أن يتعامل المواطن مع هذه التحذيرات بجدية. ما يعني أن عليه: التحقق من رمز الدفعة وتاريخ انتهاء الصلاحية الموجودين على عبوة المنتج ومقارنتهما بقائمة المنتجات المسحوبة. إذا كان المنتج من دفعة مسحوبة، فيجب على الأطفال التوقف عن استخدامه فوراً ومراقبة صحتهم بشكل مستمر والانتباه للأعراض المُحذر منها. إلى جانب التوقف عن استخدام أي منتج يثير الشكوك، إلى حين ظهور قرار محلي صريح وبتوضيحات معينة وإجراءات محددة، تدحض أي مجال للشك وفقاً لأسس فنية وعلمية.
يبقى من حق المستهلك السوري، أن يطالب بقدر أكبر من الشفافية بالتعاطي مع صحته وصحة أطفاله، وبنشر معلومات واضحة ومحدثة من الجهات الرسمية المسؤولة عنه، لا أن تكتفي فقط بالنفي العام، بل بتقديم بيانات قابلة للتحقق، خاصةً عندما يتعلق الأمر بمنتجات تمس صحة الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع “الأطفال – الرضع”.
بالمحصلة، هذه القضية لا تتعلق بمنتج بعينه، بقدر ما تكشف مرة أخرى عمق الفجوة بين التحذيرات الصحية العالمية وآليات الاستجابة في سوريا. ليبقى كل شيء مُحملاً على عاتق المواطن السوري، الذي يجد نفسه مضطراً دائماً لتعويض النقص الحكومي بالحذر والاجتهاد الشخصي، في سوقٍ لا يمنحه ما يحمي صحته وجهاتٍ لا تقدم له كل المعلومات.









