سياسة

زيارة الشيباني إلى بيروت: هل تفتح اللجنة السورية–اللبنانية باب الملفات المؤجلة؟

الكاتب: أحمد علي

وقّع وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني ورئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام، يوم 2 تموز 2026 في بيروت، اتفاقية إنشاء اللجنة السورية–اللبنانية العليا المشتركة. حصل ذلك خلال زيارة رسمية شملت لقاءات مع الرئيس اللبناني جوزف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، ثم لقاءات مع شخصيات سياسية ودينية لبنانية.

الخبر جاء بعد زيارة سلام إلى دمشق في 9 أيار 2026، وبعد أسابيع من مباحثات فتحت ملفات عملية بين البلدين. الحدود حاضرة، والسجناء حاضرون، واللاجئون حاضرون، وكذلك الطاقة والنقل وحركة الأشخاص والبضائع. لذلك تبدو اللجنة الجديدة محاولة لتنظيم طاولة تفاوض دائمة يتجاوز أثرها المؤتمر الصحافي.

السؤال الطبيعي الآن هو ما الذي يمكن أن تفعله هذه اللجنة في ملفات تأخرت كثيراً. والإجابة تظهر في قدرة بيروت ودمشق على نقل الملفات من التصريحات إلى جداول عمل، ومن النوايا العامة إلى قرارات يمكن متابعتها.

اللجنة السورية–اللبنانية

تمنح الاتفاقية الجديدة العلاقة بين البلدين إطاراً مؤسسياً واضحاً. اللجنة هي، وبحسب نصوص منشورة للاتفاقية، أعلى إطار للتشاور والتنسيق والتعاون بين بيروت ودمشق. يرأسها من الجانب اللبناني رئيس مجلس الوزراء، ومن الجانب السوري وزير الخارجية والمغتربين. وتضم في اجتماعاتها ممثلين عن الجهات المختصة بحسب جدول الأعمال، مع سكرتارية مشتركة للتحضير والمتابعة.

الأهم في بنيتها أن قراراتها تُتخذ بالتوافق، وأنها تعقد اجتماعاً عادياً مرة واحدة على الأقل كل سنة، مع إمكان عقد اجتماعات استثنائية. هذه الصيغة تعطي اللجنة صفة سياسية وإدارية معاً. فهي تفتح الباب للوزارات كي تبحث في التفاصيل، لكنها تُبقي القرار النهائي محكوماً بالتوافق بين الحكومتين.

مجالات العمل واسعة. الاتفاقية تتحدث عن تعاون سياسي ودبلوماسي، وعن ملفات اقتصادية ومالية وتجارية واستثمارية، إضافة إلى الشؤون القضائية والقانونية والأمنية، وقطاعات النقل والطاقة والمياه والبنية التحتية والتعليم والصحة والتحول الرقمي. اتساع الصلاحيات يمنح اللجنة مرونة، لكنه يحمل خطراً معروفاً في عمل اللجان المشتركة. كلما اتسع جدول الأعمال زادت الحاجة إلى ترتيب الأولويات، وإلا تحولت الاجتماعات إلى تسجيل نوايا متكررة.

تصريحات نواف سلام في بيروت ركزت على الربط الكهربائي بين لبنان وسوريا وعبر سوريا، وعلى النقل وتبادل البضائع وتسهيل حركة الأشخاص. أما الشيباني فقدم اللجنة باعتبارها منصة للوزارات المعنية، وللشراكات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، وللتفاهمات الأمنية. هذا التلاقي في اللغة يكشف رغبة الطرفين في البدء من الملفات التي تعطي نتائج ملموسة نسبياً، ثم الانتقال إلى الملفات الأكثر حساسية.

ماذا تغير بعد الزيارة؟

التغير الأول أن العلاقة خرجت خطوة إضافية من منطق الاتصالات المتفرقة إلى منطق العمل بين مؤسسات الدولة. الرئيس جوزف عون تحدث عن علاقات تقوم على التعاون والتنسيق وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورحب بتشكيل اللجنة. كما أثنى على ما نُقل عن الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن عدم انحياز سوريا إلى طرف لبناني ضد طرف آخر، وعدم العودة إلى أنماط التدخل السابقة.

هذا المعنى كان مهماً لأن الزيارة جاءت وسط توتر إقليمي ولبناني. والتصريحات أميركية في الشهر السابق فتحت نقاشاً حول دور سوري محتمل في ملف حزب الله، وهو ملف شديد الحساسية داخل لبنان. الشيباني سعى إلى خفض هذا القلق. وأوضح أن ملف حزب الله لم يُبحث في لقاءاته، وأن دمشق منفتحة على اللقاء إذا اقتضت المصلحة، مع تأكيد عدم وجود نية لتدخل عسكري سوري في لبنان.

بهذا المعنى، حاولت الزيارة رسم حد سياسي واضح، ودمشق تريد علاقة مباشرة مع الدولة اللبنانية، وبيروت تريد تطمينات حول السيادة وعدم التدخل. ونجاح هذه المعادلة مرتبط بقدرة الطرفين على ضبط المسافة بين الملفات الثنائية والاشتباك الإقليمي. وأي خلط واسع بين اللجنة وملف السلاح في لبنان سيضعها سريعاً في قلب الانقسام الداخلي اللبناني، وربما يضعف قدرتها على معالجة الملفات التي أنشئت من أجلها.

توجد فائدة سورية مباشرة أيضاً، لأن لبنان يدخل مباشرة في الحسابات العملية لدمشق، فالمعابر والحدود والاقتصاد غير النظامي وعودة اللاجئين كلها ملفات تؤثر في الداخل السوري. لذلك تمنح اللجنة الحكومة السورية قناة رسمية لمتابعة مسائل تمس الأمن والاقتصاد معاً، بدل بقائها معلقة بين الأجهزة والوسطاء والتفاهمات المحدودة.

ملفات معلقة على حدود ضيقة

زيارة سلام إلى دمشق في أيار وضعت أساساً لكثير مما ظهر في بيروت. يومها تحدث رئيس الحكومة اللبنانية عن تقدم في الأمن والنقل والبنية التحتية والاقتصاد، وعن مواصلة العمل لمعالجة ملف السوريين الموقوفين في لبنان وكشف مصير المفقودين والمخفيين قسراً في البلدين. وقدرت تقارير صحفية عدد السوريين في السجون اللبنانية بأكثر من ألفي شخص، فيما نُقل أكثر من 130 سجيناً إلى سوريا في آذار/مارس لاستكمال عقوباتهم، ثم سُلّمت دفعة ثانية من 128 سجيناً في 24 حزيران/يونيو وفق تقرير ليورونيوز عربي.

هذا الملف وحده يكفي لاختبار جدية اللجنة. السجون اللبنانية مكتظة، والجانب السوري يطالب بنقل رعاياه وفق مسار قضائي، وعائلات كثيرة في البلدين ما زالت تبحث عن مصير مفقود أو موقوف. الحل هنا يحتاج إلى تدقيق قانوني هادئ، لا إلى صفقة سياسية سريعة. المطلوب أن يعرف كل طرف من هو المحكوم، ومن هو الموقوف، وما طبيعة التهمة، وكيف يمكن نقل السجين أو البت في ملفه من دون المساس بحقوق الضحايا أو حقوق الدفاع.

ملف اللاجئين أشد تعقيداً. بيانات مفوضية اللاجئين تشير إلى 490 ألفاً و424 لاجئاً سورياً مسجلاً في لبنان حتى 31 آذار/مارس 2026، بينما تقدر الحكومة اللبنانية عدد السوريين النازحين في البلاد بنحو مليون و120 ألفاً، بينهم 120 ألفاً وصلوا منذ كانون الأول/ديسمبر 2024. الفارق بين الرقمين يعكس صعوبة الإدارة. لا يمكن بناء سياسة عودة مستقرة من دون قاعدة بيانات موثوقة، ولا يمكن دفع الناس إلى العودة إذا لم تتوافر شروط أولية داخل سوريا.

لبنان يريد تخفيف الضغط عن سوق العمل والخدمات والبنية التحتية. سوريا تريد عودة مواطنيها ومشاركة جزء من طاقتها البشرية في التعافي. اللاجئ نفسه يتحرك وفق حسابات أكثر بساطة وصعوبة في الوقت نفسه. يحتاج إلى بيت آمن، ومدرسة لأطفاله، وفرصة دخل، وضمانة ألا تتحول العودة إلى مغامرة. لذلك قد تستطيع اللجنة تنظيم القنوات والإجراءات، لكنها لن تستطيع وحدها صنع شروط العودة إذا بقيت مناطق واسعة داخل سوريا ضعيفة الخدمات ومحدودة فرص العمل.

الحدود تضيف بعداً آخر. تتقاسم سوريا ولبنان حدوداً تقارب 330 كيلومتراً، وقد بقيت سنوات طويلة مسرحاً للتهريب بأشكاله الأمنية والاقتصادية. ضبط هذه الحدود يفيد خزينة الدولتين ويحد من حركة السلاح والمخدرات والسلع غير النظامية. لكنه سيصطدم بمصالح تشكلت خلال سنوات الحرب والأزمة. بعض المناطق الحدودية عاشت على اقتصاد غير معلن، وأي ضبط جدي سيحتاج إلى بدائل معيشية محلية كي لا يتحول إلى توتر اجتماعي جديد.

التنفيذ قبل الوعود

أقرت الحكومة اللبنانية إنشاء اللجنة في اليوم نفسه داخل مجلس الوزراء، بحسب ما نقلته لوريان توداي، لكن وزير الإعلام بول مرقص لم يعلن جدولاً زمنياً لأول اجتماع أو خطوات التنفيذ. هذه النقطة مهمة. الاتفاقية أعطت الإطار، أما الاختبار الفعلي فيبدأ من موعد الاجتماع الأول، ومن الملفات التي ستوضع على الطاولة، ومن قدرة كل وزارة على تقديم ورقة عمل لا مجرد موقف سياسي.

البدء بالطاقة والنقل قد يكون عملياً. الربط الكهربائي يحتاج إلى بنى فنية واتفاقات عبور وضمانات دفع. حركة البضائع تحتاج إلى معابر أكثر وضوحاً وإجراءات جمركية قابلة للتطبيق. أما التعاون الاقتصادي الأوسع فيحتاج إلى رؤية مشتركة. تقارير بحثية تربط إعادة إعمار سوريا بفرص محتملة للبنان في الخدمات والمقاولات والهندسة، لكنها تنبه في الوقت نفسه إلى أثر العقوبات الجزئية وعدم اليقين في مسار الانتقال السوري وغياب خطة اقتصادية مشتركة واضحة.

توجد مصلحة مباشرة للتجار والعمال وأصحاب النقل إذا جرى تسهيل العبور وخفض كلفة الإجراءات. وتوجد مصلحة للدولتين إذا انتقل جزء من التجارة من القنوات غير النظامية إلى القنوات الرسمية. في المقابل، ستتضرر شبكات تهريب وأطراف اعتادت الاستفادة من الفوضى. هنا تظهر الحاجة إلى سياسة حدود تجمع بين الأمن والتنمية، لأن المعالجة الأمنية وحدها قد تضبط ممراً وتفتح ممراً آخر إذا بقيت أسباب التهريب قائمة.

الزيارة منحت العلاقة السورية اللبنانية دفعة سياسية واضحة. لكنها لم تغلق أي ملف بعد. اللجنة السورية–اللبنانية ستبدأ عملها الحقيقي عندما يخرج عنها جدول معلن، ومواعيد دورية، وقرارات محددة في السجناء والحدود والطاقة وحركة الناس. قبل ذلك ستبقى خطوة دبلوماسية مهمة. بعد ذلك يمكن أن تصبح مدخلاً عملياً لتخفيف جزء من ثقل الجوار بين بلدين لا يستطيع أحدهما تجاهل ما يجري عند الآخر.

اقرأ أيضاً: دمشق تطالب بيروت بتسليم مئات الضباط: عدالة انتقالية أم معركة أمنية استباقية؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى