هل ستشهد سوريا زلازل خطيرة قريباً؟

الكاتب: أحمد علي
تتحرك القشرة الأرضية تحت سوريا كل يوم بصمت، ثم تأتي هزة صغيرة لتقلب المزاج العام في دقائق. هذا القلق مفهوم، تحديداً في سوريا، لأن الذاكرة ما زالت تحتفظ بما فعله زلزال 6 شباط 2023 على الحدود التركية السورية، ولأن الحرب تركت مباني كثيرة أضعف من أن تتحمل صدمة جديدة. لكن السؤال الأدق ليس هل سيقع زلزال “قريباً”؟ بل ما الذي يسمح العلم بقوله فعلاً، وما الذي يظل تخميناً مهما بدا واثقاً وحاسماً؟
العلم يشرح زلازل سوريا
تقع سوريا قرب منظومات فوالق نشطة، أبرزها فالق البحر الميت التحويلي، كما تتأثر بما يجري على فوالق الأناضول إلى الشمال. زلزال شباط 2023 كان مثالاً صارخاً، إذ وثّقته جهات دولية بقوة 7.8 تلاه زلزال كبير بعد ساعات، وشعر به الناس في سوريا ولبنان وما حولهما. ووجود هذه الفوالق يعني أن الخطر الزلزالي قائم على المدى الطويل، لكنه لا يعطي “موعداً” جاهزاً.
خريطة الصدوع حول البلاد
ضمن هذا السياق، فإن الكلام عن “الانهدام السوري الإفريقي” شائع في الإعلام، وهو في جوهره جزء من نظام تكتوني أوسع في شرق المتوسط. لكن ما يهم الناس ليس الاسم، بل النتيجة: مناطق الساحل والشمال الغربي وبعض أودية الداخل أقرب إلى مصادر هزات محتملة. ومع ذلك، الخطر لا يتوزع بالتساوي؛ فالمسافة عن الفالق، ونوع التربة، وجودة البناء، قد تجعل مدينة أقل قرباً أشد تضرراً من مدينة أقرب، خصوصاً حين تكون الأبنية قديمة أو متضررة سابقاً.
الهزات المتفرقة ماذا تعني
في كلام كتبه الدكتور السوري في الجيولوجيا سلمان الدياب، يشدد على أن التنبؤات غير المبنية على بحوث ومراقبات ليست علماً، ويقول: «لا يجوز لمن لا يسمح له اختصاصه أن ينشر أفكاراً يتنبأ من خلالها بحدوث زلازل». ثم يضيف فكرة مطمئنة نسبياً: الهزات المتفرقة قد تكون طبيعية، وقد تُقرأ أحياناً كتفريغ جزئي للطاقة لا كجرس إنذار آلي. وهذا يتقاطع مع توضيحات رسمية نشرها المركز الوطني للزلازل في سوريا تؤكد أن التوقع الدقيق للزمان والمكان خارج القدرة العلمية حالياً، وأن الشائعات تزيد الذعر أكثر مما تزيد الأمان.
لكن الهزات الصغيرة ليست “تأميناً على الحياة”. أحياناً تكون نشاطاً اعتيادياً، وأحياناً تكون ضمن سلسلة ارتدادية بعد زلزال كبير، كما حدث بعد شباط 2023 ضمن تسلسل طويل وثّقه مركز الرصد الأوروبي المتوسطي. كما أن “ضعف” الهزة رقمياً لا يلغي أثرها إذا تزامنت مع هشاشة إنشائية أو تربة رخوة.
لماذا يفشل التنبؤ الدقيق
هيئة المسح الجيولوجي الأميركية تقولها بلا مواربة: لم ينجح أحد في التنبؤ بزلزال كبير، والتنبؤ الحقيقي يجب أن يحدد الوقت والمكان والحجم. وهيئة المسح الجيولوجي البريطانية تشرح أن الزلازل صعبة أو شبه مستحيلة التنبؤ بسبب سلوكها غير المنتظم والقريب من الفوضى. أي وفق ذلك، فإن ما يستطيع العلم تقديمه هو تقدير احتمالات على مدى سنوات، ورسم خرائط خطر، وتحسين الاستعداد. لذلك أي حديث عن “زلزال خلال أيام” بلا بيانات فيزيائية منشورة ومراجعة علمياً يبقى مقامرة لغوية.
الدورية ليست موعداً ثابتاً
يتحدث الدكتور الدياب عن دورية زلزالية بين 250 و350 سنة لإنتاج زلزال قريب من الكارثي، ويربط ذلك بتراكم الطاقة. وهذا طرح يُفهم كقراءة عامة للتاريخ، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى ساعة حائط. أبحاث الزلازل القديمة على فالق البحر الميت تشير إلى أن السجل الزلزالي قد يُظهر تكتلاً زمنياً وفترات سكون، وأن “الدورية المنتظمة” ليست قاعدة مضمونة. لذلك، عبارة مثل “قريباً” تظل غير قابلة للقياس، بينما العبارة المفيدة عملياً هي أن الخطر موجود، وأن الاستعداد يقلل الخسائر.
ويضيف الاختصاصي في هندسة الجيوفيزياء: «الهزّات التي تتراوح شدّتها بين ٤ و٤.٩ على مقياس ريختر تُعدّ ضعيفة، ولا يصحّ تأويلها على أنّها ذات قدرة تدميرية أو خطِرة. كما أنّ وقوعها لا يعني بالضرورة أنّها ستتبعها هزّة قوية، ما لم يسبق ذلك سكونٌ طويل في النشاط الزلزالي. لذلك، لا داعي للذعر كلّما حدثت هزّة في مكانٍ ما على طول الانهدام».
اقرأ أيضاً: كمال شاهين: عام على الزلزال.. الفرص السورية الضائعة من جديد









