ريف حماة الشرقي.. قانون “حماية البادية” يدفع القرى نحو الفراغ

بقلم: ريم ريّا
لم يعد الجفاف التهديد الوحيد الذي يواجه قرى شرق حماة، فقد بات القانون نفسه عبئاً يومياً، يرهق السكان ويقيد سبل عيشهم الوحيدة. على مدى عقدين تقريباً، فرضت مراسيم حظر الزراعة واقعاً جديداً على عشرات القرى في المناطق الصحراوية، ما أثر على الزراعة وتربية المواشي تدريجياً. وقد أثّر هذا بشكل مباشر على حياة السكان، الذين باتوا مجبرين على الاختيار بين النزوح أو البقاء بلا أي وسيلة للعيش. وكأن زراعة القمح في أرض موروثة من الأجداد في هذا البلد تتطلب تصريحاً رسمياً دائماً ما تجد البيروقراطية السورية سبيلاً لتحويل الأرض إلى قضية أمنية.
قانون التصحر في ريف حماة.. حماية بيئية أم خنق اقتصادي؟
تستند قرارات حظر الزراعة إلى قانون صدر عام 2006 يصنّف الأراضي الصحراوية كملكية للدولة ويحظر زراعة الأراضي غير المروية، ظاهرياً للحفاظ على الغطاء النباتي ومكافحة التصحر. إلا أن التطبيق العملي للقانون خلق تناقضاً صارخاً بين هدفه المعلن والواقع الذي يعيشه السكان. فقد عوملت قرى مأهولة منذ عقود وكأنها مناطق صحراوية مفتوحة وغير مستقرة.
في قرى مثل الحانوطة والقسطال والهداج، يعتمد السكان كلياً على الزراعة البعلية وتربية الأغنام، دورة اقتصادية متكاملة لا تنفصل مكوناتها. تتغذى الماشية على مخلفات المحاصيل، وهذه المحاصيل تتطلب وجود مستوطنات بشرية وعمالة محلية. ومع توقف الزراعة، تراجعت تربية الماشية تدريجياً، وانخفضت أعداد القطعان بشكل كبير، حيث اضطر العديد من الرعاة إلى بيع حيواناتهم أو فقدانها بسبب نقص المراعي والأعلاف.
يعتقد السكان أن القانون أغفل الظروف الخاصة لهذه القرى، فساواها بالصحراء القاحلة، مما ترتب عليه عواقب اجتماعية واقتصادية وخيمة. فالمنطقة، التي كانت مكتفية ذاتياً في إنتاج القمح والشعير، تعتمد الآن على المساعدات أو العمالة المؤقتة، بينما تبقى آلاف الهكتارات غير مزروعة. والمفارقة المؤلمة تكمن في أن القرى التي كانت تلام على التصحر أصبحت اليوم مهجورة تقريباً، بعد أن فر سكانها بحثاً عن لقمة العيش في أماكن أخرى.
اقرأ أيضاً: على رأسها أساليب الزراعة القديمة.. استنزاف الموارد المائية القاتل
النزوح الصامت.. حين تصبح العودة مستحيلة
لم يكن النزوح من المناطق الريفية في شرق حماة ناتجاً عن الحرب وحدها، فقد ساهمت القيود المفروضة على الزراعة في ترسيخ هذا النزوح وجعله وضعاً دائماً. اعتقدت العديد من العائلات التي لجأت إلى المدن أن عودتها ستكون مؤقتة، لكن استحالة زراعة الأرض جعلت فكرة العودة عديمة الجدوى، اقتصادياً واجتماعياً.
يتحدث السكان عن تغيير جذري في نمط حياتهم. فالعائلات التي كانت تعتمد على أراضيها ومواشيها تجبر الآن على البحث عن وظائف غير مستقرة يومياً، في وقت لا توجد فيه مصانع أو مشاريع إنتاجية بديلة في المنطقة. على مر السنين، بدأت القرى تفقد قدرتها على الاستمرار، ليس فقط بسبب الفقر، بل أيضاً بسبب انعدام الآفاق الحقيقية لإنعاش اقتصاداتها.
هنا تكمن مشكلة تتجاوز مجرد قرار إداري. فاستمرار حظر الزراعة يؤدي، عملياً، إلى تناقص تدريجي في عدد سكان المنطقة. تصبح القرية التي لا تزرع أرضها ولا تستخدم لتربية الماشية مكاناً معزولاً، لا هو مأهول بالكامل ولا هو مهجور رسمياً. وهذا يدفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن القانون، بشكله الحالي، لم يعد مجرد إجراء بيئي، بل أصبح عاملاً مباشراً في تغيير التركيبة السكانية والاجتماعية للمنطقة.
مقترحات محلية لإنقاذ القرى من الانهيار
على الرغم من تعقيد المشكلة، يقترح السكان والمسؤولون المحليون حلولاً يرون أنها تحقق توازناً بين حماية الصحراء وضمان سبل عيش السكان. ومن أبرز هذه المقترحات السماح بالزراعة في مناطق محددة حول القرى المأهولة، وتحديد مناطق آمنة للزراعة مع الإبقاء على القيود في المناطق الأكثر جفافاً.
يسعى هذا المقترح إلى إيجاد حل وسط يمنع، من جهة، التدهور البيئي، ويسمح، من جهة أخرى، للسكان بالبقاء في قراهم. لا يطالب السكان بإلغاء القانون بالكامل، بل باستثناء المناطق المأهولة التي تملك أراضي زراعية مسجلة رسمياً، والتي يعتمد عليها سكانها منذ عقود في إنتاجهم الزراعي والحيواني.
مع ذلك، يبدو أن المشكلة تتجاوز مجرد تعديل إداري بسيط، إذ ترتبط بمسألة أوسع نطاقاً حول نوع التنمية الممكنة في ريف سوريا بعد سنوات من الحرب والنزوح. لا يتحقق الاستقرار بمجرد استعادة الخدمات، بل باستعادة القدرة على العمل والإنتاج. بالنسبة لسكان هذه القرى، الأرض ليست مجرد عقار، بل شرط أساسي للبقاء.









