المجتمع السوري

ريف إدلب يستعيد أشجاره المفقودة.. 1.5 مليون زيتونة بانتظار التعويض

بقلم هلا يوسف

لم تعد حبة الزيتون التي كانت تفترش أراضي إدلب الزراعية كما كانت في السابق. فالماضي الذي يعود إلى قبل الثورة السورية كان يتغنى بأحمال الزيتون على كل شجرة. غير أن الحرب مرت من تلك المنطقة، لتحول عروس الزيتون إلى أرض قاحلة جرداء. واليوم، بعد التحرير، عاد المزارعون، وعادت الأرض لتتفاءل بوجود من يريد اخضرارها. لكن التكلفة الكبيرة وقفت عائقاً أمام هذا الأمل.

كان الزيتون في مدينة إدلب مصدر رزق العائلات، والمحصول الموسمي الذي تعتمد عليه، عدا عن كونه الطريقة التي تؤمن فيها تلك الأسر زيتها للاستهلاك وتبيع فائضها في السوق. لكن سنوات الحرب تركت خسائر كبيرة في هذه الثروة الزراعية. ومع عودة قسم من الأهالي إلى أراضيهم، ظهرت أمامهم مشكلة جديدة: كيف يمكن إعادة بساتين احتاجت عقوداً حتى تصل إلى إنتاجها السابق؟

أشجار عمرها أكثر من مئة عام اختفت

فقدان الأراضي الزراعية للزيتون في إدلب لا يعني موت موسم واحد، بل يعني فقدان أشجار احتاجت سنوات طويلة حتى تصل إلى مرحلة الإنتاج، وموت أشجار معمرة تجاوز عمرها مئة عام.

لذلك يجد المزارعون أنفسهم أمام تحديات كبيرة، فخسائر بعضهم كانت كبيرة جداً، فمن ناحية خسر مدخوله المادي، ومن ناحية أخرى أصبح تأمين الاحتياجات أكثر صعوبة بعد خسارة الأشجار.

ومع أن العزيمة والإصرار دائماً ما وجدا طريقهما في عقول المزارعين الإدلبيين، إلا أن الواقع كان مختلفاً، فتكلفة التشجير الجديدة مرتفعة، عدا عن أن إعادة الإنتاج إلى ما كان عليه تحتاج لسنوات.

مليونا شجرة مثمرة تضررت في إدلب

جاءت الإحصائيات بعد التحرير لتكشف الوجه الحزين للأراضي الزراعية في مجمل إدلب. فقد قالت مديرية الزراعة في إدلب، في إحصائها الأخير، إن القطاع الزراعي الخاص بالأشجار المثمرة في إدلب خسر نحو مليوني شجرة خلال خمس سنوات. وتشمل هذه الخسائر نحو 1.5 مليون شجرة زيتون، و350 ألف شجرة فستق حلبي، و100 ألف شجرة تين.

وفي ريف إدلب الجنوبي تحديداً، يقدّر معاون رئيس اتحاد فلاحي إدلب عدنان السعد عدد أشجار الزيتون المقطوعة واليابسة والمتضررة بنحو 1.5 مليون شجرة.

ويربط السعد هذه الخسائر بما تعرض له القطاع الزراعي خلال سنوات الثورة، من دمار في البنية التحتية، وتهجير للمزارعين من أراضيهم بسبب قصف النظام المخلوع، إلى جانب ظروف الجفاف وعدم قدرة كثير من المزارعين المهجرين على الوصول إلى أشجارهم وخدمتها.

هذا ما عقد المشكلة وجعلها أكبر أمام المزارعين، لأن من عاد لم يجد أرضه بحاجة لعناية فقط، بل عاد ليجد معظم أرضه بحاجة لإعادة تأهيل وزراعة من جديد.

اقرأ أيضاً: الزيتون السوري يبحث عن طريقه للأسواق العالمية عبر بوابة إسبانيا.. فهل يجدها؟!

200 ألف غرسة مجانية.. لكن الفجوة ما زالت كبيرة

في محاولة لتعويض جزء من هذه الخسائر، تعمل مديرية زراعة إدلب بالتعاون مع وزارة الزراعة على توفير غراس الزيتون للمزارعين الذين فقدوا أشجارهم.

وأوضح رئيس دائرة الشؤون الزراعية والوقاية في مديرية زراعة إدلب، المهندس حيان حاج يوسف، أن عدد غراس الزيتون التي جرى توزيعها مجاناً على المزارعين بلغ حتى الآن 200 ألف غرسة.

وتستهدف هذه الغراس المزارعين الذين فقدوا أشجارهم المنتجة نتيجة الحرق والقطع من قبل النظام المخلوع، بهدف إعادة زراعة الأراضي التي خسرت أشجارها خلال السنوات الماضية.

ولا تتوقف الخطة عند هذا العدد، إذ تعمل المديرية مع وزارة الزراعة على تأمين غراس إضافية من المشاتل الحكومية المنتشرة في المحافظات، حتى يتم توزيعها مجاناً على مزارعي إدلب.

كما يجري العمل على تأهيل مشتل بسليا لإنتاج غراس الزيتون، بما يساعد على توفير كميات إضافية يمكن الاستفادة منها في عمليات إعادة التشجير.

وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة، يبقى الفرق واضحاً بين حجم الخسارة وما جرى تعويضه حتى الآن، فنحو 1.5 مليون شجرة زيتون مقطوعة أو يابسة أو متضررة تقابلها 200 ألف غرسة موزعة حتى الآن.

العودة إلى الأرض تحتاج أكثر من غرسة

بالنسبة إلى المزارعين، لا تنتهي المشكلة بمجرد الحصول على غرسة وزراعتها في الأرض. فإعادة الحياة إلى البساتين تحتاج إلى تمويل وخدمة ومستلزمات إنتاج وشبكات ري، وهي تكاليف قد تكون أكبر من قدرة بعض العائلات العائدة إلى المنطقة.

ويشير عدنان السعد إلى أن المزارعين يواجهون ضعف الإمكانيات والتمويل، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالأراضي والأشجار والبنية التحتية. ويرى أن الدعم المقدم لإعادة ترميم البساتين وزراعتها لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الاحتياجات.

وتشير المعطيات إلى أن الشجرة الواحدة تحتاج إلى نحو 75 دولاراً لإعادة تأهيلها، كما تحتاج إلى نحو عشر سنوات حتى تعود إلى الإنتاج بالشكل الذي كانت عليه في السابق.

أما إعادة تأهيل الأشجار التي انقطعت، وإعادة الحياة إلى الأراضي في المنطقة، فتحتاج إلى نحو 147 مليون دولار، ما يجعل المهمة أكبر من مجرد توزيع الغراس.

ولذلك يطالب المزارعون بزيادة الدعم، وتأمين القروض ومستلزمات الإنتاج وشبكات الري والغراس، بما يساعدهم على استثمار أراضيهم من جديد.

في النهاية، يحاول المزارع في ريف إدلب الجنوبي اليوم استعادة وجه أرضه التي عرفها في السابق، لذلك لا يفقد الأمل. وعلى الرغم من كل الصعوبات والتحديات التي يمر بها، يضع يده بيد الجهات المعنية للنهوض بواقع زراعة الزيتون في المنطقة. والزراعة بكل الأحوال تحتاج للصبر حتى نرى نتائجها، وهذا ما يجعل الأمل عنوان المزارعين في إدلب.

اقرأ أيضاً: أجور قطاف الزيتون في طرطوس.. موسم الرزق تحت ضغط التكاليف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى