رويترز: تسويات بمليارات الدولارات بين «المشايخ» ورجال أعمال الأسد!

نشرت وكالة «رويترز» تحقيقاً مطولاً يتناول التحولات الاقتصادية والسياسية في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، مسلّطة الضوء على دور لجنة اقتصادية جديدة يقودها أعضاء سابقون فيما سمته «جماعات إسلامية»، وربّما الأهم على تسويات مالية عُقدت مع أبرز رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، مقابل حصانات ومواقع مؤثرة في «سوريا الجديدة». وقد أثار التقرير نقاشاً واسعاً، خاصة بعد أن قامت العديد من وسائل الإعلام بنشر مقتطفات منه وفقاً لتوجهاتها، مما أثّر على فهم السياق الكامل للمادة.
نُعيد هنا نشر التحقيق كاملاً كما ورد في وكالة رويترز، دون اختصار أو تدخل، حفاظاً على الأمانة الصحفية، ومنحاً للقارئ حق الاطلاع على النص كاملاً كما كُتب، بكل ما يتضمّنه من معلومات وشهادات وتفاصيل.
عنوان مقال رويترز: «سوريا تُعيد تشكيل اقتصادها سرًا، وشقيق الرئيس يتولى زمام الأمور»
الاسم الحقيقي لـ«الشيخ» الآخر، أبو مريم، هو إبراهيم سُكّرية، وفقاً لما توصلت إليه وكالة رويترز. وقد غادر سُكّرية، المولود في بريزبن، أستراليا، بلده في عام 2013 قبل يوم واحد من تنفيذ شقيقه أحمد عملية تفجير بشاحنة عند نقطة تفتيش للجيش السوري، وفقاً للادعاء العام الأسترالي، ليُصبح بذلك أول انتحاري أسترالي معروف في سوريا. أما شقيقهما الثالث، عمر، فقد حُكم عليه في عام 2016 بالسجن لمدة أربع سنوات ونصف في أستراليا بعد أن أقرّ بالذنب في تهم تتعلق بتحويل عشرات آلاف الدولارات إلى جبهة النصرة.
وقد وُصفت أنشطة الإخوة في مستندات قدمها الادعاء العام الأسترالي إلى المحكمة العليا في البلاد، ضمن ردّه على طعن عمر بالحكم الصادر بحقه. ولم تتمكن وكالة رويترز من الوصول إلى عمر؛ كما لم يستجب محاميه السابق لطلب التعليق.
وأكدت الحكومة الأسترالية أن إبراهيم سُكّرية ما يزال خاضعاً للعقوبات، لكنها امتنعت عن القول ما إذا كانت على علم بدوره الحالي، مشيرة إلى سياسة تمنعها من التعليق على الأفراد احتراماً للاعتبارات الخاصة بالخصوصية.
فرضت وزارة الشؤون الخارجية والتجارة الأسترالية عقوبات على إبراهيم سُكّرية، المولود في بريزبن، والذي يشغل حالياً منصب رئيس اللجنة الاقتصادية الجديدة في سوريا، باعتباره عضواً في منظمة إرهابية، وذلك بسبب دوره في جماعة إسلامية تتولى الآن زمام الحكم، بحسب ما يظهر في لقطة شاشة من موقع الوزارة.
ويستخدم سُكّرية اسماً مستعاراً آخر على منصة X، هو «إبراهيم بن مسعود»، وفقاً لما ذكره ستة أشخاص يعرفونه شخصياً. ويصف حساب «بن مسعود» نفسه بأنه «رجل أعمال»، و«عاشق شاورما»، و«من مشجعي الكريكيت». وينشر الحساب تدوينات حول الحرب في إدلب وتعاليم إسلامية.
وقد كان سُكّرية لاعب كريكيت شديد التنافسية في أستراليا، وفقاً لما قاله زميل سابق له، ويواصل مناقشة الرياضة عبر الإنترنت حتى اليوم. كما شارك في بودكاستات ناطقة بالإنكليزية، تناولت مواضيع مثل النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وكيف ينبغي للمسلمين أن ينظروا بحماسة إلى المركز الرابع المذهل الذي أحرزته المغرب في كأس العالم 2022.
وقد أرسلت رويترز طلبات للتعليق إلى سُكّرية حول دوره في إعادة تشكيل الاقتصاد السوري، بالإضافة إلى نتائج التحقيق الأخرى، وذلك عبر رسالة مباشرة إلى حسابه على X وأيضاً إلى أحد مساعديه البارزين، لكنها لم تتلقّ رداً.
الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، عيّن شقيقه، حازم الشرع، للإشراف على عمل اللجنة الاقتصادية، وفقاً لما يظهر في حسابه على LinkedIn، والذي يذكر أنه كان مديراً عاماً لشركة بيبسيكو في مدينة أربيل العراقية. ووفقاً لشخصين مطّلعين، كان حازم مورّداً رئيسياً للمشروبات الغازية في إدلب.
ولم ترد شركة بيبسيكو على طلب للتعليق حول عمل الشرع الأكبر لديها، أو عمّا إذا كانت على علم بأنشطته السابقة أو بدوره الحالي.
يتولّى حازم الشرع الآن الإشراف على أعمال اللجنة الاقتصادية، بوصفه المسؤول الأوسع نفوذاً على الشؤون الاقتصادية والاستثمارية في سوريا الجديدة. ولا يشغل حازم منصباً حكومياً معلناً، إلا أنه ظهر إلى جانب شقيقه خلال زيارة رسمية للسعودية في شهر شباط، وكان أول من قدّمه الرئيس الجديد إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وفقاً لمقطع فيديو نشرته وكالة الأنباء السعودية، رغم أنه لم يُذكر بالاسم في البيانات الرسمية المتعلقة بالزيارة.
اللجنة الاقتصادية في دمشق
عند وصول اللجنة الاقتصادية إلى دمشق في كانون الأول، أنشأت مقرها المؤقت في فندق الفورسيزنز، الذي يستضيف بعثة الأمم المتحدة في سوريا وكبار الزوار الأجانب، بحسب ما أفاد به موظف في الفندق وسوريان مطّلعان على التفاصيل.
وقد وُفّرت غرف وأجنحة مجانية لأعضاء اللجنة وعدد من مسؤولي هيئة تحرير الشام، وفقاً لشخصين على دراية مباشرة بالترتيبات. كما جرى إزالة البار الفاخر داخل صالة السيجار ذات الإضاءة الخافتة في الفندق، لإفساح المجال أمام اجتماعات خاصة، شملت جلسات تفاوض وتسوية، بحسب ما أفاد به موظفو الفندق وعدد من الأشخاص المطلعين على التغييرات.
وأوضحت شركة فورسيزنز أنها لم تعد تدير الفندق منذ عام 2019، وهو العام نفسه الذي فرضت فيه الولايات المتحدة عقوبات على مالك الفندق، سامر فوز. وقد رفض فوز التعليق لوكالة رويترز.
وقد تحوّلت صالة “XO Bar” داخل الفندق، إلى غرفة تفاوض للجنة الاقتصادية الجديدة، وفقاً لمصادر تحدثت إلى رويترز.
ومع مرور الوقت، نقلت اللجنة أعمالها إلى مكاتب كانت تستخدم سابقاً من قبل رجال أعمال بارزين و«القيصر الاقتصادي» في عهد الأسد، يسار إبراهيم، الذي يقيم حالياً في الإمارات منذ الإطاحة بالأسد. ولم يرد إبراهيم على طلبات للتعليق.
وبحسب أحد أعضاء اللجنة الاقتصادية، فقد قرر الأعضاء سريعاً عدم اللجوء إلى محاكمات بحق رجال أعمال يُشتبه في أنهم راكموا ثرواتهم بطرق غير مشروعة، لأن «ذلك يعني اللعب في ملعبهم». فرغم أن بعض القضاة فقدوا مناصبهم بعد سقوط الأسد، فإن كثيرين ما زالوا على رأس عملهم، وكانت الحكومة الجديدة تخشى أن يتفوق عليها رجال الأعمال المتمرّسون في استخدام الجهاز القضائي، أو أن تُعجزها الأدلة عن إدانتهم في قضايا مالية معقّدة، وفقاً لما قاله العضو ومُدقّق حسابات مطّلع على المداولات.
وأضاف المصدران أن مصادرة الممتلكات بشكل مباشر رُفضت كذلك، لتجنّب إثارة ذعر المستثمرين المحتملين. إذ أن سوريا تملك تاريخاً من عمليات التأميم، تعود إلى فترة الوحدة القصيرة مع مصر عام 1958، واستمرت خلال سنوات الحرب، عندما قامت حكومة الأسد بمصادرة ممتلكات شخصيات معارضة.
وهكذا لم يتبقّ أمام اللجنة سوى خيار التفاوض مع رجال الأعمال، لإقناعهم بالتخلي عن بعض الأصول مقابل السماح لهم بالعودة إلى مزاولة أعمالهم داخل سوريا. وستستفيد الحكومة الجديدة أيضاً من خبراتهم العميقة في إدارة هذه القطاعات.
«الحكام الجدد في سوريا ليسوا فيدل كاسترو»، قال مصرفي مطّلع على المفاوضات، في إشارة إلى «الديكتاتور» الكوبي الذي أمّم معظم الاقتصاد. وأضاف: «إنّهم أقرب إلى ميكيافيلي».
وهكذا، بدأت القيادة الجديدة في سوريا بتفكيك النظام الاقتصادي الذي ترسّخ في عهد الأسد، وهو نظام كان قائماً إلى حد كبير على تقسيم الاقتصاد بين رجال أعمال نافذين يسيطرون على قطاعات رئيسية مقابل تقديم عمولات إلى الأسد ودائرته الضيقة، إلى جانب إمبراطورية اقتصادية كاملة كان يديرها لصالح الأسد القيصر الاقتصادي يسار إبراهيم.
كانت تلك الإمبراطورية تُعرف في الأوساط الداخلية باسم «المجموعة» (The Group).
شبكة العهد
في عام 2020، بدا الأسد منتصراً في الحرب الأهلية، مدعوماً من روسيا وإيران. وبحلول ذلك الوقت، كان القصر الرئاسي قد أنشأ شبكة من أكثر من 100 شركة أطلق عليها اسم «العهد» (Al Ahed)، وفقاً لشخص شارك في التخطيط منذ البداية ووثائق شركات اطّلعت عليها رويترز.
كان مسؤولون في حكومة الأسد والمقربون منه يتشاركون أرباح هذه الشركات مع أصحابها من رجال الأعمال. وكان كل شيء تحت إشراف يسار إبراهيم. وبعد سقوط الأسد، أصبحت هياكل الملكية أكثر ضبابية.
وقد اطّلعت رويترز على إعلان غير منشور من عام 2020، كان موجهاً للجمهور العام، يربط مباشرة بين الأسد ومجموعة «العهد»، ويصفها بأنها شركة خاصة تساعد سوريا على النهوض من آثار الحرب.
يُظهر الإعلان المصوّر لقطات جوية لمدينة سورية مدمرة ومواطنين مذعورين، ثم ينتقل بلحن حماسي إلى مشاهد إعمار وحقول زراعية مزدهرة وخطوط إنتاج صناعية.
ويقول المعلّق في الفيديو: «أحياناً، يمكن هزيمة الحرب بابتسامة، أو بشخص يمكنه مسح الحزن عن وجهك»، بينما تُعرض لقطات للأسد وزوجته أسماء وهما يواسيان طفلاً. ويضيف: «قررنا أن نستمر ونخلق واقعاً جديداً يُشبه أحلامنا».
كما اطّلعت رويترز على شريحة من عرض داخلي قُدّم إلى الدائرة المقرّبة من الأسد في عام 2021، تُظهر الكتلة المعقّدة من الشركات الحقيقية والوهمية التي أُنشئت ضمن مجموعة «العهد» للسيطرة على قطاعات أساسية مثل الاتصالات، البنوك، العقارات والطاقة.
في 8 كانون الأول، ومع سقوط دمشق، فرّ إبراهيم من البلاد. أما شقيقته نسرين، فقد عبّرت عن أسفها على فقدان «المجموعة» للسيطرة.
وكتبت في رسالة عبر تطبيق واتساب، اطلعت عليها رويترز: «لم نعد نملك أي صلة بأي من الشركات. دَعُوهم يديرون هذه الشركات كما يشاؤون». ولم تتمكن رويترز من التواصل معها للحصول على تعليق.
وقد حصلت اللجنة الاقتصادية على نسخة من العرض التقديمي، وتستخدمه الآن كخريطة طريق للاستحواذ على تلك الشركات. وتمت إزالة علم الأسد القديم من المستندات، واستُبدل بالعلم الجديد، وفقاً لنسخة من الوثيقة المعدّلة اطلعت عليها رويترز.
شخص واحد فقط لديه الوصول!
قال Reinoud Leenders، أستاذ الاقتصاد السياسي في كلية كينغز لندن والمطّلع على الاقتصاد السياسي السوري، إن يسار إبراهيم اخترق تقريباً جميع قطاعات الاقتصاد السوري، وقد يكون قد سيطر على ما يصل إلى 30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد بحلول عام 2024. ووفقاً للبنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لسوريا نحو 6.2 مليار دولار في عام 2023، أي ما يعادل عُشر مستواه قبل الحرب.
وقدّر مدير مالي سابق في «المجموعة» القيمة الإجمالية لعملياتها الأساسية بما يصل إلى 900 مليون دولار. لكن المجموعة كانت تملك أيضاً أصولاً إضافية، من بينها شركة الاتصالات السورية الرئيسية «سيريتل»، والتي كانت قد آلت إليها عبر شراكات فرضها الأسد على رجال الأعمال، ما أدّى إلى التهام الاقتصاد شيئاً فشيئاً خلال سنوات الحرب.
وكانت تلك الشراكات تضم رجال أعمال مثل سامر فوز، تاجر السكر والعقارات المدرج على قائمة العقوبات الأميركية، ورجل الأعمال المتعدد القطاعات محمد حمشو، بالإضافة إلى الأخوين محمد وحسام قاطرجي، اللذين أدارا عمليات ضخمة في مجالي النفط والقمح.
لكن إدارة الشؤون المالية لـ«المجموعة» شكّلت تحدياً للجنة الاقتصادية في البداية، لأن شخصاً واحداً فقط — هو أحمد خليل، أحد المقربين من يسار إبراهيم — كان يملك صلاحية الوصول القانونية إلى الحسابات المصرفية، بحسب ثلاثة من كبار مديري المجموعة.
وعرضت اللجنة على خليل وإبراهيم اتفاقاً للتخلي عن 80 بالمئة من الإمبراطورية مقابل الحصانة من الملاحقة القضائية، بحسب أشخاص مطلعين على المحادثات، إلا أن المفاوضات انهارت. ولم يرد أي من الرجلين على طلبات التعليق، كما لم يرد الأخوان قاطرجي. ونفى محمد حمشو ارتكاب أي مخالفات.
رغم ذلك، أحرزت اللجنة تقدماً عبر عقد صفقات مع مديري الصف الثاني.
وقال عضو رئيسي سابق في طاقم يسار إبراهيم إنه سلّم البيانات مقابل الحصانة.
وأضاف مسؤول مالي ثانٍ من داخل المجموعة، والذي يتعاون مع اللجنة منذ عدة أشهر، أن ما لا يقل عن نصف الإمبراطورية الاقتصادية التي أنشأها الأسد أصبحت الآن تحت سيطرة اللجنة. ويشمل ذلك شركة «سيريتل»، التي أصبحت الآن خاضعة للجنة عبر أحد الأعضاء الذي تم تعيينه كمفوّض توقيع، وفقاً لسجل رسمي للشركة اطّلعت عليه رويترز.
وقد قالت شركة «سيريتل» إن بعض ما ورد في تحقيق رويترز غير دقيق، لكنها لم توضّح مزيداً من التفاصيل ولم ترد على طلبات التوضيح.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية إن العقوبات الأمريكية التي ما زالت مفروضة تهدف إلى تعزيز المساءلة.
وأضاف المسؤول: «إن تحقيق استقرار واسع ودائم في سوريا يعتمد على إحراز تقدم في العدالة والمساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف خلال السنوات الأربع عشرة الماضية».
قالت ثلاثة مصادر مطلعة ووثيقة راجعتها رويترز إن بعض أكبر شركات «المجموعة» استأنفت نشاطها تحت أسماء جديدة.
من بين هذه الشركات: «أجنحة الشام»، وهي شركة الطيران الخاصة الوحيدة في سوريا.
فقد تحوّلت «أجنحة الشام» إلى شركة جديدة تُدعى «فلاي شام» (Fly Cham)، في إطار تسوية مع مالكها عصام شموط، وفقاً لثلاثة مصادر في قطاع الطيران، وموظف في «أجنحة الشام»، وسجل تجاري اطّلعت عليه رويترز.
وتخضع شركة «أجنحة الشام» وشموط لعقوبات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بتهم تتعلق بنقل مرتزقة إلى ليبيا ومهاجرين غير شرعيين إلى بيلاروسيا، فضلاً عن نقل أسلحة والاتجار بمخدر الكبتاغون.
وبموجب التسوية، تخلّى شموط عن 45 بالمئة من الشركة، وفقاً للوثيقة. كما دفع 50 مليون دولار، وتنازل عن طائرتين مملوكتين للشركة لصالح الخطوط الجوية السورية المملوكة للدولة، بحسب مصادر الطيران الثلاثة.
أما الطائرات الثلاث المتبقية، وجميعها من طراز إيرباص A320، فقد أُعيد طلاؤها بألوان «فلاي شام» مع الاحتفاظ بأرقام تسجيلها الأصلية.
وذكر المصدر أن شموط احتفظ بوكالته للسيارات، «شموط أوتو».
رفض متحدّث باسم «أجنحة الشام» التعليق، فيما قال متحدّث باسم «فلاي شام»: «شركة أجنحة الشام مغلقة. فلاي شام شركة جديدة بالكامل». ثم أضاف لاحقاً أن على رويترز التواصل مباشرة مع اللجنة الاقتصادية.
وكان سامح عرابي، المدير العام للخطوط الجوية السورية، قد صرّح لوكالة «سانا» الرسمية في أيار أن طائرتين جديدتين ستنضمان إلى الأسطول الوطني، من دون ذكر التفاصيل. وبعد أيام، ظهرت طائرة A320 من طائرات أجنحة الشام وتحمل رقم التسجيل YK-BAG مطلية بألوان الخطوط الجوية السورية.
رجال أعمال آخرون
كما أبرم عدد من كبار رجال الأعمال السوريين تسويات مشابهة.
فقد تخلّى سامر فوز، الذي فرضت عليه واشنطن عقوبات في عام 2019 بتهمة جني أرباح من إعادة إعمار سوريا خلال الحرب، عن نحو 80 بالمئة من أصوله التجارية، والتي تُقدّر قيمتها بين 800 مليون ومليار دولار، وفقاً لشخص مطّلع على تفاصيل الصفقة.
وشملت الصفقة واحدة من أكبر مصافي السكر في الشرق الأوسط، إضافةً إلى معمل لصهر الحديد وعدد من المصانع الأخرى، بحسب المصدر نفسه.
أما محمد حمشو، الذي تشمل مؤسسات عائلته إنتاج الكابلات، والصناعات المعدنية، والإلكترونيات، والاستوديوهات السينمائية، فقد تخلّى عن حوالي 80 بالمئة من أصوله التجارية أيضاً، بقيمة تزيد عن 640 مليون دولار، وفقاً لثلاثة أشخاص مقرّبين من الاتفاق.
وبعد التسوية، احتفظ حمشو بما يقارب 150 مليون دولار، كما احتفظ بعض أفراد أسرته بشركاتهم، بحسب المصادر ذاتها.
وشملت الصفقة تنازله عن معمل لمعالجة الصلب، كان قد خضع جزئياً لسيطرة «المجموعة» سابقاً.
وقد اتّهمت جماعات معارضة وحقوقية سورية، بالإضافة إلى رجال أعمال، حمشو باستخدام المعمل لمعالجة معادن مأخوذة من أحياء دُمّرت على يد قوات الأسد.
وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إن حمشو راكم ثروته عبر علاقات حكومية واستخدم كواجهة لأعمال شقيق الأسد، ماهر الأسد، الذي كان يقود الفرقة الرابعة في الجيش السوري. وقد ربطت حكومات غربية الفرقة الرابعة بالإنتاج غير المشروع والاتجار بمخدّر الكبتاغون.
عاد حمشو إلى سوريا في كانون الثاني، ويعيش الآن تحت حماية الدولة في شقة فاخرة في حي المالكي الراقي بدمشق. وقد رصد صحفيو رويترز وجود رجال مسلحين يرتدون الزي العسكري عند مدخل المبنى الذي يقطنه.
غضب شعبي
أثار هذا النمط من التسويات غضب العديد من السوريين الذين كانوا يأملون بمحاسبة شخصيات بارزة مرتبطة بنظام الأسد، لا أن يُعاد دمجهم في الحياة الاقتصادية. وقد شهد شهر حزيران احتجاجين صغيرين عبّرا عن هذا الاستياء.
وقال عبد الحميد العساف، وهو ناشط شارك في احتجاج أمام منزل حمشو: «إنه أمر مهين للسوريين. هناك نقمة في الشارع السوري تجاه عودة رجال أعمال الأسد أو أي شخص عمل يداً بيد مع نظامه».
وعندما تواصلت معه رويترز، أكد حمشو أنه أجرى محادثات مع اللجنة، لكنه فضّل الامتناع عن الإدلاء بأي تعليق إضافي قبل الإعلان عن التسوية. وقال:
«أشجع رجال الأعمال والمستثمرين على التوجّه نحو سوريا. البلاد تعتمد اقتصاد السوق الحر وتوفر أرضاً خصبة لفرص استثمارية متنوعة وواعدة».
وقد تمكّنت سوريا بالفعل من جمع تعهدات استثمارية بوتيرة سريعة. ففي 23 تموز، قاد وزير الاستثمار السعودي وفداً تجارياً في زيارة استمرت يومين إلى سوريا للمشاركة في مؤتمر اقتصادي، وُضعت خلاله على الطاولة مشاريع محتملة تصل قيمتها إلى 6 مليارات دولار في قطاعات اقتصادية رئيسية.
ومع انتهاء عدد من التسويات، بدأ بعض أعضاء اللجنة الاقتصادية بتولي مناصب عامة. فقد تم تعيين اثنين على الأقل ضمن لجنة رسمية شكّلها الرئيس أحمد الشرع في أيار، لتتولى إدارة بعض الأصول التي استُرجعت من النظام السابق.
وقال أحد أعضاء اللجنة إن هذه الخطوة تأتي في سياق سعيهم إلى «إضفاء الطابع الرسمي على ما كانوا يقومون به في الخفاء حتى الآن».
وأضاف: «إنه إعادة تسويق شاملة، من الداخل والخارج».
وأشار العضو إلى أن استخدام أعضاء اللجنة للقب «شيخ» بدأ يتراجع، ليُستبدل بكلمة «سيد». ورغم أن الاجتماعات ما زالت تُعقد في ساعات متأخرة من الليل، فإن الأعمال الورقية باتت تُنجز خلال ساعات العمل الرسمية.
كما طُلب من أعضاء اللجنة ارتداء البزّات الرسمية بدلاً من الكاكي أو الملابس غير الرسمية، وفقاً لما ذكره المصدر، كما صدرت تعليمات لهم بإبقاء مسدساتهم بعيدة عن الأنظار.
اقرأ أيضاً: لماذا تحتاج بيئة الأعمال في سوريا إلى مركز تحكيم تجاري؟
اقرأ أيضاً: إعادة بناء القوة العسكرية السورية ما بعد الحرب.. دراسة شاملة!









