سياسة

رويترز ترصد من الميدان: سوريا على حافة مواجهة شاملة بين قسد والحكومة

إعداد: هلا يوسف

يعلم الكثير من السوريين أن الوضع العسكري متوتر بين قوات سوريا الديموقراطية “قسد” من جهة والحكومة السورية من جهة أُخرى، ومع تعثر المفاوضات والاتهامات المتبادلة بين الطرفين، كان لا بد من تسليط الضوء على اللاعبين الفاعلين على تلك الأرض، والوضع العسكري الحالي المتوقف على شرارة صغيرة لانهيار كامل في السلام، لذلك في هذا المقال سننقل لكم تقرير لرويترز تتحدث فيه حول مستجدات تلك المنطقة.

وقد شكّل نهر الفرات بداية هذا التقرير لاعتباره خط مواجهة رئيسي يحدد ملامح الصراع على مستقبل سوريا. فهو يقسم البلاد فعلياً بين أكبر معسكرين مسلحين نشآ بعد سقوط بشار الأسد. فبحسب رويترز تتمركز قوات الجيش التابعة للحكومة السورية غرب النهر. بينما تسيطر قوات سوريا الديموقراطية شرق النهر. وتفسر رويترز هذا الانقسام بأنه انعكاس لرؤيتين متناقضتين لمستقبل البلاد.

قامت رويترز ببناء تقريرها من خلال رحلة قام بها صحفيوها خلال هذا الصيف على طول خط نهر الفرات الممتد على  مسافة 1800، زاروا خلالها نقاط استراتيجية في الجانبين، وأجروا مقابلات مع عشرات القادة العسكريين، المدنيين، الناشطين والنازحين. وخلصوا إلى نتيجة تعكس التوترات التي تصلنا عبر تصريحات المسؤولين من الطرفين، فقد وصفت رويترز تلك المنطقة بأنها حدود غير مستقرة تسيطر عليها “جماعات مسلحة” لديها ثارات قديمة، بالإضافة إلى وجود توترات محلية تقوّض جهود الوحدة، ومقاتلون مستعدون للقتال قبل التراجع خطوة واحدة.

ففي دير الزور، وعند حدود لا تفصل القوى المتناحرة سوى 200 متر وجسر ترابي ضيق، تم إغلاق الطرقات أمام فريق رويترز من قبل مقاتلين وفق أوامر عسكرية، ولم يُسمح بالمرور إلا بعد تفتيش متكرر لبطاقات الصحافة. على الضفة الحكومية، وقفت مجموعة مسلحة بأسلحتها الموجهة، بينهم مقاتل متوتر، على حد وصف صحفيي رويترز، حاول منع حشد من السكان من العبور، فقد شهدت هذه المنطقة خلال الأسابيع السابقة تبادل إطلاق النار عبر النهر، أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من الجانبين، وكل طرف يتهم الآخر بالبدء.

معسكران متنازعان..الواقع العسكري على ضفتي الفرات

جلس أحمد الهايس، القائد في الجيش السوري الجديد، الذي يشرف من الضفة الغربية على أراضٍ كان يملكها أجداده شرق النهر محاطاً “بمقاتلين إسلاميين” على حد وصف رويترز، وقال: “في دمشق يتحدثون عن التحرير. أما هنا فما زلنا محتلين”.

على الجانب الأخر، كانت سوزدار ديريك، قائدة وحدات النساء الكرديات، تتنقل باستمرار لتجنب التعقب، ولا تحمل هاتفاً محمولاً، قالت لرويترز: “لن نهاجم، لكننا سندافع عن أنفسنا. نحن مستعدون للحرب”.

بهذا الكلام لخصت رويترز معسكران متنازعان على ضفتي نهر الفرات، ووصفت رويترز الحكومة السورية بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بأنها معسكر الإسلامي يسيطر على نحو ثلثي سوريا غرب الفرات، بما في ذلك دمشق، وأشارت أنه يحظى بدعم الولايات المتحدة وتركيا، بينما يسيطر المعسكر “الكردي” على نحو ثلث البلاد شرق الفرات، حيث تتركز السدود الكهرومائية والموارد النفطية، وتقوم قوات قسد بإدارة محلية خاصة لهذه الموارد، وتلقى دعماً أمريكياً لكنها في الوقت ذاته تخشى من تخلي حلفائها عنها.

وأشار تقرير رويترز إلى أن المؤشرات تميل نحو تقسيم طويل الأمد أو مواجهة مباشرة، ما يهدد الاستقرار الذي كان السوريون يأملون فيه، بعد تعثر المفاوضات حول دمج قوات سوريا الديموقراطية “قسد” ضمن الجيش السوري بقيادة الرئيس الشرع.

ووفقاً لمراسل رويترز، شهدت المنطقة على طول نهر الفرات اشتباكات مستمرة في كل موقع زاروه، ففي دير الزور، تبادل الطرفان إطلاق النار عبر النهر، بينما في مناطق أخرى، قُتل قريب لقائد سوري مدعوم من تركيا على يد قوات قسد، فرد القائد بإرسال تعزيزات، كما نفذت تركيا أولى غاراتها منذ أشهر ضد مواقع قسد الذين بدأوا بدورهم في حفر أنفاق دفاعية.

وقد نقلت رويترز تخوف السوريوون من أن تتحول مناوشات الفرات إلى حرب واسعة، إذ يقف على ضفتيه عشرات الآلاف من المقاتلين المدعومين بالسلاح والتدريب من الولايات المتحدة وحلفائها، وبالتالي الانجرار نحو أحداث دامية أخرى، مثل ما حصل في الساحل السوري والسويداء.

وللتعليق على ذلك تواصلت رويترز مع الحكومة، إلا أنها لم تُجب، وبذلك قامت رويترز بابتكار تعليقٍ للحكومة بالاعتماد على تصريحات الرئيس الشرع الذي قال في مقابلة تلفزيونية إن المفاوضات متوقفة بسبب تدخلات دولية، وأكد “أنهم لن يتخلوا عن شبر واحد من الأرض السورية”.

في المقابل، عبّر فرهاد شامي، المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية لرويترز، عن شكوكه في إمكانية تشكيل جيش سوري موحد.

الجبهة الشمالية: سد تشرين

رحلة رويترز بدأت من الشمال، حيث يقف سد تشرين على الفرات كنقطة مواجهة ضعيفة. النهر المعروف بحضاراته القديمة بات اليوم مصدراً للمياه والطاقة وورقة ضغط إقليمية.

فمع سقوط النظام السابق، اندفعت فصائل “مدعومة من تركيا” على حد وصف رويترز ضد قسد في الشمال، ونجحت في طردهم من مناطق غرب الفرات وصولاً إلى سد تشرين. منذ ذلك الحين، قُتل بحسب الإدارة الذاتية 418 مقاتلاً و57 مدني وثلاثة صحفيين، معظمهم في الأسابيع الأولى.

أحد القادة هناك، معتصم عباس، قائد مجموعة مدعومة من تركيا، ويقود 2000 مقاتل من مارع “قرب حلب” إلى الفرات. تمت ترقيته مؤخراً إلى قائد لواء في الفرقة 80 بالجيش السوري الجديد. قال لرويترز: “لم يبد الأكراد مقاومة كبيرة، وإذا زالت قوات سوريا الديمقراطية من الوجود، فيمكن لسوريا أن تبدأ في الانتعاش”، ويعتبر عباس، الذي يقاتل منذ 14 عاماً قسد اليوم خصمه الرئيسي بعد الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية.

اتهمت قسد قواته بقصف سد تشرين ست مرات، فيما أكد عباس أن الطرف الأخر يهاجمهم بطائرات مسيرة. خلال المقابلة مع رويترز، تحدث بحزن عن مقتل ابن عمه برصاص في ظهره خلال اشتباك مع قوات سوريا الديموقراطية التي نفت بدورها مسؤوليتها عن ذلك.

وصف مراسوا رويترز مقر عباس بأنه محاط بالأسلاك والشاحنات العسكرية، ويحمل صوراً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان واصفاً إياه بـ”الخليفة المسلم”. وقال مسؤولون أمنيون أن تركيا تدفع رواتب مقاتليه بحدود 3000 ليرة تركية (80 دولار)، بينما لم ترد أنقرة على طلبات رويترز للتعليق على الأمر بحسب التقرير.

على الجانب الأخر، قال القائد في قسد خليل قهرمان أنه مستعداً لأي هجوم، وأضاف لرويترز أنهم طوروا تكتيكات جديدة، ومن بينها استخدام الطائرات المسيرة لأول مرة في كانون الأول بمساعدة أمريكية. ووصف هذه الطائرات بأنها  “كانت كابوساً للعدو”. وأشارت رويترز أن قوات قسد تواصل حفر شبكة أنفاق بعمق 30 متر حول السد، وواسعة بما يكفي لعبور مقاتلين مجهزين.

الجبهة الشرقية: دير الزور

عند التوجه نحو الجنوب في دير الزور، يقف أحمد الهايس على الضفة الغربية، يراقب الأراضي التي تسيطر عليها قوات قسد شرق النهر. يقول لرويترز: “لطالما كان الرئيس الشرع يتطلع إلى دمشق. أما ناظري فهي على أرضي التي تحتلها قوات سوريا الديمقراطية. سأقاتل بقوة أكبر مئة مرة من أجل هذا”.

والجدير بالذكر أن الهايس تم تعيينه في أيار قائداً للفرقة 86 بالجيش السوري الجديد، ليدير 150 كيلومتراً من الفرات بين الرقة ودير الزور. وتتوافق رؤية دمشق وتركيا حول هذه المناطق بضرورة نزعها من يد قوات سوريا الديموقراطية.

نقلت رويترز رأي قوات قسد بالهايس، فهم يتهمونه بضم عناصر سابقين في تنظيم الدولة الإسلامية وبانتهاكات حقوقية. في المقابل أقر الهايس بذلك لكنه برر فعله بأنه جاء رداً على تجنيد التنظيم لأفراده في السابق، في حين نفى ارتكاب انتهاكات.

وبحسب التقرير الصادر عن رويترز، فخطة الهايس الآن تعتمد على إحداث انشقاقات داخل قوات قسد، خاصة بين مقاتليها العرب.

على الجانب القسدي، كانت ديريك تستعد بوسائل دفاعية مشابهة مثل حفر أنفاق جديدة واستخدام الطائرات المسيرة التي أثبتت فعاليتها. لكنها اعتبرت تعيين الهايس “استفزازاً”، وقالت لرويترز: “هناك عقوبات على هؤلاء الأشخاص. يجب محاكمتهم في محاكم دولية”.

رؤى متضاربة على الجبهة السياسية

بعيداً عن الجبهات، يحاول مفاوضون من الطرفين، أمثال السياسية في الإدارة الذاتية فوزة يوسف والمسؤول الحكومي مسعود بطال التوصل إلى صيغة واحدة، بضغط من الولايات المتحدة.

فقد قالت الخارجية الأمريكية لرويترز: “الولايات المتحدة مهتمة بمسار سلمي ومستقر ومزدهر في سوريا. لن يحدث هذا بدون وحدة سورية”.

لكن الخلافات عميقة بحسب رويترز، فبطال كردي من القامشلي، أصبح معارضاً للأكراد بعد أن اعتقلوه حسب روايته عام 2013. أما اليوم يدير منطقة عفرين ذات الغالبية “الكردية” بعد أن سيطرت عليها “الفصائل المدعومة من تركيا” على حد تعبير الوكالة، ويقول إن الأكراد يسعون لمشروع انفصالي، وينتقد تجنيدهم للنساء. بينما تؤمن فوزة يوسف السياسية في الإدارة الذاتية بالمساواة وحقوق الأقليات، وترى أن الحكومة الجديدة مجرد سلطة إسلامية مقربة من تركيا، وتؤكد: “في دمشق، انتهت الثورة. هنا، لم تنتهِ”.

كما أنّ هناك مشاكل داخلية يعاني منها الطرفين، في مناطق الإدارة الذاتية تنتشر البيروقراطية والرقابة الأمنية وتتوتر العلاقات مع العرب، بحسب تقرير رويترز، بينما في مناطق الحكومة الجديدة، تهيمن “الفصائل الإسلامية المحافظة” وتظهر رايات تركيا علناً، أما السوريون العاديون، فبين الركام والدمار، لا يعرفون بعد إن كانوا أكثر أماناً مع “الإسلاميين” أم مع “الأكراد”.

باختصار، أظهر تقرير رويترز تَوقع الطرفين للحرب خصوصاً بعد تعثر المفاوضات، كما أظهر الواقع العسكري والأمني الحقيقي لتلك المنطقة، بالإضافة إلى المنحى السياسي، وتبقى الحلول رهينة الأيام القادمة وما تتفق عليه الأطراف الإقليمية التي تعد اللاعب الأساسي في سوريا.

اقرأ أيضاً: هل ستشن أنقرة «حرباً ضروساً» ضد قسد وأكراد سوريا؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى