سياسة

روسيا وسوريا.. سياسات جديدة تُنسج على بقايا العلاقات القديمة؟

بقلم: هلا يوسف

شكلت العلاقات الروسية السورية نموذجاً استثنائياً في العلاقات الاستراتيجية، فبعد سقوط الاتحاد السوفييتي، حافظت روسيا لنفسها على منفذٍ نحو الشرق الأوسط عبر سوريا، في المقابل كانت موسكو مصدر التسليح لسوريا لعقود من الزمن حتى قبل أن يأتي النظام السوري حتّى. هذه العلاقات يبدو أنه لا يمكن قطعها، لكن الأكيد أنّها ستخضع لإعادة صياغة بطريقة تختلف عن الدور الذي كانت تلعبه روسيا وقت وجود النظام، وهذا ما تسعى إليه الحكومة السورية.

من ناحية أخرى عملت روسيا على تشبيك علاقات استراتيجية جعلت العديد من الدول المعنية بما يجري في سوريا، ترى أنه من مصلحتها بقاء الوجود الروسي هنا. هذه الأدوار المتشابكة والمعقدة سنستعرضها في هذا المقال، بالإضافة إلى محاولة معرفة دور روسيا في سقوط الأسد، وتحليل الدور الذي من الممكن أن تلعبه في سوريا الجديدة.

هل تم فتح صفحة جديدة؟

شهدت العاصمة السورية دمشق زيارة دبلوماسية روسية رفيعة المستوى برئاسة نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، وكان في استقبالهم الرئيس السوري أحمد الشرع. اللقاء، الذي تخلله بحث سبل تعزيز التعاون الثنائي في مجالات متعددة، يعكس بداية مرحلة مختلفة في العلاقات السورية الروسية بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024.

فتصريحات نوفاك سواء عقب لقائه وزير الخارجية أسعد الشيباني أو خلال محادثاته مع الرئيس الشرع، ركزت على رغبة موسكو في “فتح صفحة جديدة” مع دمشق، وعلى أهمية القمة الروسية العربية المقررة في تشرين الأول المقبل بمشاركة الرئيس السوري، يوضح هذا السياق: أن روسيا تمضي بخطى ثابتة للانتقال من دورها السابق كحليف عسكري مباشر للأسد إلى شريك سياسي واقتصادي للسلطات السورية الجديدة.

هذا بالمناسبة يتسق مع حاولت موسكو مراراً، وعلى لسان جميع مسؤوليها من الدرجة الأولى، أن تقوله حتّى أثناء ذروة الحرب السورية: «لست حليفة للأسد، بل للدولة السورية». وهي اليوم مُطالبة بأن تثبت بأنّها تريد علاقات طبيعية مع الدولة السورية الوليدة، وأن تسعى لعلاقات الربح-ربح معها.

في هذا السياق، أكد نوفاك أن بلاده على تواصل مع الكثير من اللاعبين في الملف السوري، بمن فيهم إسرائيل، ما يوضح كما يبدو رغبة موسكو في لعب دور الوسيط الإقليمي، وتثبيت موقعها كفاعل رئيسي في مسار الاستقرار السوري. كما أشار إلى مشاورات مع شركاء إقليميين، بينهم قطر، بشأن المساعدات الإنسانية وإعادة بناء قطاع الطاقة في سوريا، ما يفتح الباب أمام تعاون متعدد الأطراف تشارك فيه موسكو من موقع مؤثر.

من جهته، شدد وزير الخارجية أسعد الشيباني على أن أي وجود أجنبي في سوريا يجب أن يكون “من أجل مساعدة السوريين في بناء مستقبلهم”، في إشارة واضحة إلى رغبة دمشق في إعادة تشكيل قواعد التعاون مع موسكو. فالعلاقة مع روسيا لم تعد محكومة بمعادلة “الداعم العسكري والسلطة المحتاجة”، بل يجب أن ترتكز على تقارب سياسي واقتصادي يراعي مبدأ السيادة الوطنية.

تبدو روسيا اليوم أمام تحديات كثيرة أبرزها الحفاظ على مكتسباتها الاستراتيجية، وهي بالنسبة لبعض المعلقين: قاعدتا طرطوس البحرية وحميميم الجوية، وبالنسبة لآخرين الحفاظ على وجود استراتيجي في المنطقة، بل وتعزيز هذا الوجود، بغض النظر عن المكتسبات الآنية مثل القاعدة الجوية والبحرية رغم أهميتهما.

يعني هذا أنّ على روسيا التكيف مع واقع سياسي جديد في دمشق، قد لا يتيح لها نفس مستوى النفوذ المباشر كما في حالة السلطة السابقة. يستشهد كثيرون بأنّ الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس فلاديمير بوتين مع الشرع في شباط الماضي، وتأكيده دعم وحدة سوريا وسيادتها، يعكس محاولة سريعة لتأمين موقع لها في مرحلة ما بعد الأسد.

من خلال رصد التحركات الأخيرة، يمكننا استشعار مرحلة إعادة تموضع في العلاقات السورية الروسية. فبينما تسعى دمشق إلى تنويع خياراتها في ظل الانفتاح الاقتصادي الذي تشهده، وتوافد عدد من الدول للاستثمار فيها ومنها موسكو. الوضع الحالي يعكس بناء شراكة أكثر توازناً، تحاول فيها سوريا فرض شروطها كدولة ذات سيادة، بينما تعمل موسكو على إعادة صياغة دورها بما يتناسب مع واقع سياسي مختلف تماماً عن السنوات السابقة.

الدور الذي من الممكن أن تلعبه روسيا في استقرار سوريا

بالرغم من وجود أطراف كثيرة فاعلة في الملف السوري حتى بعد سقوط النظام السوري، إلا أنّه يبقى لروسيا مساحة واسعة للعب أحد الأدوار الكبرى في تحقيق الاستقرار على الساحة السورية.

أحد التيارات التي تتعامل مع الحضور الروسي في سوريا، يعبّر عنها  الصحفي السوري حنا حوشان. حسب ما قال حوشان لـ”بي بي سي”، فالاتصال الهاتفي السابق بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كان بمثابة الشرارة التي أعادت فتح قنوات التواصل بين الأطراف المعنية بالملف السوري. يرى حوشان أنّ هذه المكالمة “حرّكت المياه الراكدة”، خصوصاً بعد أن أكد بوتين على وحدة الأراضي السورية، في وقت دفعت فيه التوترات الطائفية في الجنوب إسرائيل للتدخل المباشر.

يرى حوشان أن الثقة بين موسكو وتل أبيب تعززت منذ سقوط النظام السابق، لافتاً إلى أن لروسيا دوراً محورياً فيما شهدته سوريا من تحولات. واليوم يبدو أنها تسعى لتثبيت حضورها في ملف الجنوب السوري وقضية الدروز بشكل خاص. أما في ما يتعلق بمصير بشار الأسد، فيشير حوشان إلى أن موسكو قد لا تتمسك به إن وجدت مصالحها مع السلطة الجديدة، مستشهداً بسوابق روسية في التخلي عن حلفاء سياسيين ودكتاتوريين.

الغرب، من جانبه، رأى أن سقوط الأسد يمثل ضربة قاضية للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط. ويمكن أن نرى ذلك في مقالات صحف غربية، أبرزها ما نشرته “وول ستريت جورنال” بعنوان “إذلال بوتين في سوريا يتردد صداه في روسيا”. لكن التطورات اللاحقة أظهرت عكس ذلك. ففي أول مقابلة له مع “بي بي سي” بتاريخ 18 كانون الأول 2024، وصف الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع العلاقات مع موسكو بأنها “استراتيجية”.

إلا أن التصريح لم يمر مرور الكرام في موسكو، إذ سارع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى التمسك به، مؤكداً أن علاقات بلاده مع سوريا “قديمة واستراتيجية”، وأن الطرفين يتقاسمان الكثير من المصالح المشتركة.

هكذا، يتضح أن سقوط الأسد لم ينهِ الدور الروسي في سوريا، بل أعاد تشكيله ضمن معادلة جديدة، تجمع بين مصالح موسكو واحتياجات الداخل السوري للاستقرار، إلى جانب توازنات إقليمية معقدة تشمل إسرائيل بشكل كبير.

اقرأ أيضاً: هل انتهت أيام روسيا في سوريا؟

دور روسيا في سقوط الأسد وتحالفات جاءت لمصلحتها

بدأ التنسيق الروسي التركي في سوريا منذ عام 2016، ما سمح بتجاوز أزمة إسقاط الطائرة الروسية في أجواء أنقرة عام 2015، وتعزز لاحقاً في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري في تركيا، وهو الذي – وفقاً لأردوغان نفسه – لعبت فيه روسيا بلعب دور المؤيد للحكومة التركية وعدم السماح للانقلابيين بالانتصار عليها.

وقد شكل مسار أستانا واقع عملي لهذا التعاون في سوريا، لكنه اكتسب أشكالاً جديدة خلال المعارك الأخيرة التي انتهت بسقوط نظام الأسد. فالأداء الروسي في الدفاع عن السلطة في دمشق كان محدوداً، بل معدوماً وفقاً للكثير من المطلعين، ما دفع محللين كثر إلى الوصول لاستنتاج بأن الروس كانوا على علم مسبق بالمعركة، وكان بينهم وبين تركيا وأطراف أخرى غير معروفة اتفاقات تقضي بعدم تدخلهم.

ووفق تصريحات رسمية وتحليلات تركية، فإن أنقرة نجحت بالتنسيق مع روسيا بإقناع طهران بعدم القتال دفاعاً عن الأسد “حتى آخر جندي”. وبالفعل أُجبر الرئيس السابق على مغادرة دمشق باتجاه قاعدة حميميم الروسية، ومنها نُقل لاحقاً في ظروف غامضة. وقد أقر الأسد نفسه عبر بيان مزعوم على صفحته بأن الروس هم من طلبوا منه المغادرة.

دور قاعدة حميميم لم يقتصر على إجلاء الأسد، إذ تشير تقارير إلى أنها أصبحت ملجأ لشخصيات من النظام السابق، بالإضافة إلى استخدامها لتأمين خطوط إمداد للقوات الروسية. كما شهدت القاعدة هجوم محدود من مجموعة مسلحة مجهولة في وقت سابق، تمّ اعتبارها بأنها رسالة احتجاج على استمرار موسكو في التعامل مع “فلول” النظام. ومع ذلك، ظهر أن التفاهم مع القيادة السورية الجديدة هو الخيار الأكثر منطقية بالنسبة لروسيا للحفاظ على مصالحها.

عملت روسيا على تشكيل مجموعة من العلاقات مع دول داعمة للحكومة السورية الحالية وأخرى مناهضة لها مما جعلها تحتفظ بدورها، فالعديد من الدول ترى أن الوجود الروسي لصالحها، فقد احتفظت موسكو بعلاقة متينة مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” منذ عام 2019، عقب الانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية. وبعد سقوط الأسد، ازداد هذا التنسيق خصوصاً في محيط القامشلي، حيث تشير بعض التقارير إلى تحول المطار هناك عملياً إلى قاعدة روسية. وقد لوحظت رحلات جوية منتظمة بين مطاري القامشلي وحميميم، بما يعكس تكامل جغرافي بين الشمال الشرقي والساحل السوري.

والدعم الروسي لـ”قسد” لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى ملفات سياسية وأمنية، حيث يرى بعض المحللين بأنّ موسكو تريد دعم مطلب “اللامركزية” الذي ترفعه “قسد” باحثة عن أداة نفوذ طويلة الأمد مختلفة عن دمشق، مع التأكيد في الوقت نفسه على وحدة الأراضي السورية. كما يقول أصحاب هذا الرأي بأنّ روسيا تبرر وجودها شرق الفرات بذريعة محاربة تنظيم “داعش”، ما يمنحها مبرر لاستمرار وجودها.

وتأكيداً على الكلام السابق، نلاحظ أن اللاعبين المحليين بمن فيهم دمشق وأنقرة، لا يعارضون علناً بقاء الروس في قواعدهم، رغم اعتراضات من دول مثل أوكرانيا التي طالبت بطردهم. أما إسرائيل، وفقاً لبعض المراقبين الذين يدّعون الاطلاع على بواطن ما يجري ودواخل المطابخ السياسية، فقد أرسلت رسائل لواشنطن بعدم الضغط على موسكو لإخلاء قواعدها، معتبرة أن الحضور الروسي يشكل توازناً ضرورياً مع النفوذ التركي في سوريا.

بذلك تبدو موسكو وكأنها أعادت تموضعها بعد سقوط الأسد، بالانتقال من موقع “المدافع عن النظام” إلى موقع “الشريك الإقليمي”، توظف فيه تحالفاتها مع تركيا و”قسد” وقواعدها العسكرية للحفاظ على أوراق ضغط إقليمية ودولية.

تاريخ العلاقة بين موسكو ودمشق

يرى المحلل العسكري السوري واللواء المتقاعد تركي الحسن أن إعادة بناء الجيش السوري بعد التحولات الأخيرة تتطلب خيارين أساسيين إما إعادة تسليح شاملة من مصادر جديدة، أو الاستمرار في الاعتماد على الإمدادات الروسية، وهو ما قد يفرض بحدّ ذاته بقاء علاقة وثيقة بين دمشق وموسكو.

والتاريخ يؤكد هذا الارتباط، فبعد نشأته بوقت قصير، اعتمد الجيش السوري على التسليح من الاتحاد السوفييتي. فبين عامي 1956 و1991، حصلت سوريا على نحو خمسة آلاف دبابة، وأكثر من 1200 طائرة مقاتلة، وسبعين سفينة، إلى جانب أنظمة تسليح أخرى، بقيمة تجاوزت 26 مليار دولار وفق التقديرات الروسية. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، لم تسدد دمشق أكثر من نصف هذا المبلغ، لكن الرئيس فلاديمير بوتين قام في عام 2005 بشطب 73% من الديون السورية، ما سمح باستمرار التعاون العسكري.

لم يقتصر الدور الروسي على التسليح فقط بل تجاوزه للوجود الحقيقي على الأرض، فقد عززت موسكو وجودها الميداني عبر قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية، المستأجرتين بموجب عقود طويلة الأمد لمدة 49 عاماً. ويعتبر محللون أن هاتين القاعدتين لا تقتصر أهميتهما على سوريا فحسب، بل هما عبارة عن محاور استراتيجية بالنسبة لروسيا التي تحاول الحفاظ على مصالحها المتجهة نحو أفريقيا والشرق الأوسط.

وفي هذا السياق أشار نيكيتا سماغين خبير شؤون روسيا في الشرق الأوسط لدى “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”، إلى أن موسكو سارعت إلى إقامة اتصالات مع الحكومة الحالية بعد انهيار النظام السابق، بهدف حماية قواعدها وضمان استمرار وجودها على المستوى الإقليمي. ويرى سماغين أن الوجود الروسي في سوريا يتجاوز البعد العسكري، إذ يمثل ورقة مساومة في علاقاتها مع الولايات المتحدة، وأداة ضغط تجاه تركيا وإسرائيل، بالإضافة إلى تعزيز نفوذها العام في المنطقة.

وكان أول اختبار لهذه السياسة في آذار الماضي، حين واجهت دمشق أعمال تمرّد في الساحل، أدّت لاستشهاد عناصر من الأمن العام على يد مجموعات مسلحة يُعتقد بأنّها مرتبطة بالنظام السابق، تلاها انفلات ومجازر في القرى والمناطق المدنية للمكون العلوي على يد مجموعات وميليشيات محسوبة على السلطة وحلفائها. ورغم أن موسكو لم تتدخل علناً، إلا أنها سمحت لبعض السكان المحليين باللجوء إلى قواعدها، في خطوة فُسّرت على أنها محاولة لتحقيق توازن حساس، وهو ما قوبل بتفهم من القيادة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

في النهاية لا يبدو أن روسيا خاسرة بسقوط النظام السابق، بل على العكس تخلصت من دعم نظام شبه ميت من ناحية كان لها كمرساة الغرق، وانفتحت على علاقات مبنية على شراكات اقتصادية وإقليمية جديدة، لذلك من المحتمل أن نشهد المزيد من التطورات في العلاقات بين الدولتين.

اقرأ أيضاً: سوريا وروسيا تشكلان لجنة مشتركة.. والشيباني: نمد أيدينا للعالم

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى