التوازنات في سوريا.. هل توحد روسيا وتركيا صفوفهما لكبح جماح إسرائيل؟

بقلم: علي مصلح
في خضم المشهد السوري المتغير، تبرز العودة الروسية إلى الواجهة، ليس كما كان في عهد النظام البائد، بل كمحاولة مدروسة لإعادة تموضع استراتيجي، تحكمها محددات جديدة وتوازنات دقيقة، ولاسيما مع الزيارة الأخيرة للوفد الروسي برئاسة نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك إلى دمشق، والتي تزامنت مع هجمات إسرائيلية على سوريا.
يحلل هذا المقال الأبعاد العميقة للدور الروسي المستجد، والذي يرتكز على قاعدتين أساسيتين: أولاً، ضرورة كبح النفوذ الإسرائيلي المتنامي الذي كاد أن يحول موسكو إلى لاعب ثانوي. وثانياً، تقاطع المصالح مع تركيا لتشكيل ضابط إيقاع إقليمي يمنع أي طرف من الانفراد برسم مستقبل سوريا.
ومن هذا المنطلق، سوف نستكشف طبيعة هذا التحالف غير المعلن بين روسيا وتركيا، وكيف تتلاقى حسابات أنقرة وموسكو لضبط المشهد السوري. كما يغوص في تعقيدات العلاقة بين روسيا وإسرائيل، متسائلاً عما إذا كانت قادرة على توفير ضمانة حقيقية لأمن الجنوب السوري أم أنها لا تتعدى كونها آلية هشة لإدارة التصعيد ومنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
ملامح الدور الروسي الجديد في سوريا
تُظهر التحركات الأخيرة أن عودة روسيا إلى الساحة السورية لا تمثل استنساخاً لدورها السابق، بل هي إعادة تموضع استراتيجي يقوم على أُسس جديدة، مدفوعاً بتقاطع مصالحها مع تركيا، وهادفاً بشكل أساسي إلى كبح النفوذ الإسرائيلي المتنامي. حيث يأتي هذا التحرك في سياق إدراك موسكو بأن الفراغ الذي خلّفه غيابها النسبي، خصوصاً في الجنوب السوري، سمح لإسرائيل بالتحول إلى اللاعب الأكثر حرية ونفوذاً، وهو ما يهدد بتحويل روسيا إلى طرف ثانوي في ملف كانت تتصدره.
ويعكس هذا التقارب بين روسيا وتركيا رغبة مشتركة في إعادة التوازن للملف السوري ومنع تل أبيب من رسم ملامحه منفردة. وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل اللقاءات الروسية مع المسؤولين في دمشق حول ملفات الطاقة والبنى التحتية والأمن عن شبكة المصالح التي تجعل من أنقرة طرفاً موازياً لا يمكن تجاوزه، وخصوصاً في ظل التعاونات الكبيرة بين موسكو وأنقرة والتي تتجاوز الملف السوري.
وعلى الصعيد الداخلي لسوريا، تتسم العودة الروسية بعباءة جديدة من التعاون مع حكومة دمشق، التي أبدت ترحيباً باستئناف الدوريات الروسية كوسيلة لمواجهة النفوذ الإسرائيلي. وبدلاً من إرث العلاقة مع النظام البائد، يقوم التعاون الجديد على أسس متوازنة، تتضمن إعادة تقييم الاتفاقيات السابقة، وسعي دمشق للحصول على مظلة توازن تحميها من الضغوط الإقليمية، مقابل تثبيت روسيا لقواعدها ومصالحها الاستراتيجية.
في النتيجة، يبدو أننا نشهد بداية تشكّل ضابط إيقاع روسي – تركي جديد، يسعى لإعادة توزيع الأوراق في سوريا وإدخالها في دائرة التفاهمات الإقليمية الواسعة.
كيف تتلاقى المصالح الروسية والتركية في سوريا؟
بعد أن أدى تراجع الحضور الروسي إلى انكشاف أمني استغلته إسرائيل لتوسيع عملياتها، باتت موسكو أمام خيار استراتيجي لتجنب الظهور بموقع العاجز، والبحث عن شريك إقليمي فاعل لإعادة ضبط المشهد. وهنا تبرز تركيا كحليف ظرفي مثالي، إذ تتلاقى حسابات أنقرة وموسكو عند نقطة رفض الانفراد الإسرائيلي بالقرار الميداني والسياسي في سوريا، فكلاهما يدرك أن سيطرة إسرائيل على الجنوب ستمنحها نفوذاً حاسماً في صياغة مستقبل الدولة السورية، وهو ما يتعارض مع مصالحهما.
ولا يتجسد هذا التفاهم بالضرورة في صيغة تحالف معلن، بل في ترتيبات سياسية وأمنية مرنة تخدم أهدافاً مشتركة. فمن جهة، تسعى روسيا لاستثمار قدراتها التفاوضية الفريدة لإعادة التوازن، مدركةً أن أي تماهٍ مع الأهداف الإسرائيلية الهادفة لتفكيك سوريا سيقوّض علاقتها المبنية على الثقة مع الإدارة السورية الجديدة، وهو ما أشار إليه الكاتب والباحث محمود علوش، خلال تصريحات إعلامية.
ومن جهة أخرى، تجد تركيا في هذا التنسيق فرصة لتعزيز موقعها التفاوضي ومنع أي ترتيبات مستقبلية لا تراعي مصالحها. ويعزز هذا التوجه العلاقة الثنائية القوية أساساً بين أنقرة وموسكو، والتي تتجاوز الملف السوري بكثير، مما يجعلهما موضوعياً في صف واحد ضد أي مشروع يهدف إلى إضعاف سوريا الموحدة.
هل تضمن العلاقات بين روسيا وتل أبيب سلامة الجنوب السوري؟
إن العلاقة بين موسكو وتل أبيب، بعيداً عن كونها ضمانة لأمن الجنوب السوري، تبدو أقرب إلى مسار مزدوج محفوف بالتعقيدات، مما يجعل أي استقرار مرهوناً بالتوازنات. فمن جهة، تتجنب روسيا الصدام المباشر مع إسرائيل لإدراكها ثقل الأخيرة الدولي وارتباطها بواشنطن، ومن جهة أخرى، تسعى جاهدة لتثبت لدمشق وأنقرة أنها قادرة على لعب دور الضامن الذي يضع حدوداً للتحركات الإسرائيلية. وهذا المأزق يضع موسكو في موقع من يحاول ضبط إيقاع اللعبة عبر التفاوض غير المباشر، لا عبر فرض الوقائع، وهو ما لا يرقى إلى مستوى ضمانة أمنية شاملة.
وتزداد هذه المعادلة تعقيداً بالنظر إلى أن المقاربة الإسرائيلية لم تتغير جوهرياً، فلا تزال تل أبيب تتعامل مع سوريا كساحة تهديد يجب ضبطها. فغاراتها امتدت لتشمل منع أي محاولة سورية لإعادة بناء منظومة دفاعية قد تحد من حريتها المطلقة في الأجواء.
وعليه، فإن الرهان الروسي على شبكة توازنات ثلاثية، تتضمن: التفاهم مع تركيا، والتنسيق مع إسرائيل، وإقناع دمشق، ما يبقى محفوفاً بالمخاطر، فأي فتور في علاقتها البراغماتية مع أنقرة أو أي انزلاق في التنسيق المحدود مع تل أبيب، قد ينسف هذه المعادلة الهشة.
وبالنتيجة، لا تقدم العلاقة بين روسيا واسرائيل سوى آلية لمنع التصعيد ومنع الانزلاق إلى خصومة مفتوحة، لكنها لا تضمن سلامة الجنوب السوري الذي يبقى ساحة اختبار مفتوحة، تفرض فيها إسرائيل سياستها الخاصة، بينما تحاول روسيا صياغة دور الوسيط المتوازن في بيئة لا يبدو فيها أي شيء ثابتاً، سوى أن العلاقات بين روسيا وتركيا تفوق الملف السوري حتى من قبل سقوط النظام البائد، وذلك نظراً للمصالح العالمية المشتركة بين البلدين، مما يجعل التعاون بينهما لحماية سوريا من التفكك هو شيء بديهي.
اقرأ أيضاً: سوريا وروسيا.. ما جديد العقود المبرمة بين البلدين؟!
في الختام، يبدو أن روسيا تخوض رهاناً معقداً في سوريا، حيث تسعى للتحول من مجرد طرف عسكري فاعل إلى مهندس للتوازنات الإقليمية. وإن نجاح استراتيجيتها الجديدة لا يتوقف فقط على مدى صلابة تفاهماتها مع أنقرة، بل يعتمد بشكل حاسم على قدرتها على ترجمة دور الوسيط مع إسرائيل إلى نفوذ حقيقي يضع حداً للانتهاكات المتكررة للسيادة السورية.
وما لم تتمكن موسكو من تحقيق هذه المعادلة الصعبة، فإن دورها سيبقى محصوراً في إدارة الأزمات لا حلها، وستبقى سوريا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، حيث الكلمة الفصل للقوة على الأرض، لا للتفاهمات الهشة التي قد تنهار عند أول اختبار حقيقي للمصالح المتضاربة.









