سياسة

رواتب الأطباء المقيمين: أين بدأ الصرف ولماذا تأخر؟

الكاتب: أحمد علي

يتقدّم الطبيب المقيم إلى مناوبته وهو يعرف أن ساعات العمل قد تمتد إلى ما بعد منتصف الليل، وأن قراراً صغيراً في الإسعاف يمكن أن يغيّر مصير مريض، لذلك تتحول رواتب الأطباء المقيمين من تفصيل مالي إلى عنصر من عناصر أمان المستشفى، فالمقيمون هم الكتلة الأكثر التصاقاً بالعمل اليومي في أقسام الطوارئ والعناية، وعندما يتعثر صرف الراتب يتعثر معه شعور الاستقرار ويجد الأطباء نفسهم بين خيار الاستمرار بلا مقابل وخيار البحث عن بديل.

رواتب الأطباء المقيمين على الطاولة

المقصود بالطبيب المقيم هو طبيب تخرّج وبدأ برنامج الإقامة التخصصية، وهي مرحلة تدريب عملي تمتد سنوات بحسب الاختصاص، يجمع فيها الطبيب بين التعلم السريري والعمل اليومي والمناوبات ضمن المستشفى تحت إشراف الاختصاصيين. لذلك لا تبدو رواتب الأطباء المقيمين مجرد مكافأة على التدريب، بل سنداً لمرحلة تتحول فيها المسؤوليات بسرعة من متابعة بسيطة إلى مساهمة يومية في تشغيل أقسام كاملة، بينما تبقى قدرة الطبيب على ترتيب مصادر دخل بديلة محدودة بسبب كثافة الدوام ومتطلبات البرنامج.

الخصوصية السورية أن مسار رواتب الأطباء المقيمين ليس واحداً دائماً، فهناك من يتبعون لمشافي الدراسات العليا التابعة للجامعات، وهناك من يعملون ضمن مشافي وزارة الصحة ومديرياتها، كما ظهرت بعد التحولات السياسية والإدارية قرارات تكليف وتنقّل أعادت توزيع أطباء على مديريات ومحافظات مختلفة، ثم قرارات إعادة إلى المحافظات الأصلية في الجزيرة لضمان استمرار الخدمات، وفي الخلفية بقيت حالات لمقيمين كانت مرجعيتهم السابقة مختلفة ثم استمروا بالعمل لدى وزارة الصحة مع تعقيدات في الرواتب والأوراق.

إعلان تجديد العقود وما بعده

في ملفات الرواتب، كلمة العقود ليست تفصيلاً قانونياً، بل هي بوابة إجرائية تفتح الصرف أو تؤجله، وفي هذا السياق أصدرت وزارة الصحة السورية تعميماً موجهاً إلى مديريات الصحة والهيئة السورية للاختصاصات الطبية يستثني الأطباء المقيمين للاختصاص من أحكام في كتاب الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، ومنها قيود تتعلق بعدم تجديد العقود المؤقتة، إضافة إلى قيود على قرارات النقل والندب والتكليف، مع التأكيد على استمرار التنسيق المباشر مع الهيئة السورية للاختصاصات الطبية في كل ما يخص المقيمين.

وهذه الصيغة تعطي مؤشراً إلى أن انتظام عقود المقيمين يُنظر إليه كضرورة تشغيلية، وأن أي تعثر فيه قد ينعكس مباشرة على رواتب الأطباء المقيمين.

على مستوى المديريات تظهر أحياناً إشارات إلى اختلاف المسارات، فمثلاً نُقل عن مديرية صحة حمص فتح باب تجديد عقود المتعاقدين لعام 2026 مع استثناء الأطباء المقيمين، وهو مؤشر إلى أن المقيمين يخضعون غالباً لإجراءات مختلفة تتقاطع مع جهة التدريب والاعتماد. لذلك حين يُقال إن بدء الصرف حصل في المديريات المستكملة فإن المعنى الأقرب هو اكتمال حلقة البيانات والعقد والتدقيق ثم رفع الجداول، لا أن كل المحافظات تسير على إيقاع واحد في لحظة واحدة.

أين بدأ الصرف فعلياً

في جواب أين بدأ الصرف فعلياً، تظهر صورة جزئية من مشافي الدراسات العليا في دمشق، إذ نقلت صحيفة محلية عن أطباء مقيمين أنهم قبضوا راتب شهر كانون الأول فقط من دون بدل طبيعة العمل، وأن راتب الشهر الأول من العام التالي وبدل طبيعة العمل المرتبط به لم يُصرف حتى تاريخ النشر، مع إشارة إلى تطمينات رسمية بأن صرف المستحقات لجميع الأطباء المقيمين سيتم خلال مدة لا تتجاوز أسبوعاً.

وفي تقرير آخر عن مستشفى المواساة الجامعي بدمشق ورد أن جزءاً من المستحقات صُرف مؤخراً مع تأكيد متابعة الملف مع الجهات المعنية، وهو ما يعكس أن آلية الدفع في بعض المؤسسات الجامعية تتشابك مع موازنات وإجراءات لا تملك الإدارة المحلية حرية كاملة في تجاوزها.

وعندما ننظر إلى طريقة صرف رواتب العاملين في مؤسسات عامة أخرى نفهم فكرة الصرف المتدرج، فقد ربطت مديرية صحة طرطوس التأخير بسلسلة إجراءات تشمل إعادة توثيق بيانات واسعة وتبدل محاسبين ثم إرسال القوائم للمالية بانتظار التحويل، كما أعلن محافظ السويداء بدء الصرف في المديريات بعد استكمال الإجراءات ورفع الجداول، وهذه أمثلة تشرح منطق المديريات المستكملة من دون أن تثبت تطابق كل تفاصيلها مع ملف رواتب الأطباء المقيمين.

لماذا تأخر الصرف وسبله

أسباب تأخر رواتب الأطباء المقيمين لا يمكن اختصارها في تفسير واحد، لأن جزءاً منها يرتبط بتبدل المرجعيات، فقد تحدثت تقارير وشهادات عن مقيمين نُقلوا من مشافي وزارة الدفاع السابقة إلى مشافي وزارة الصحة ثم استمروا بالدوام والمناوبات من دون وضوح كاف حول الجهة التي تتحمل الرواتب، ورافق ذلك حديث عن صعوبات في العقود والتراخيص والأوراق التي تحدد الوضع القانوني للطبيب أثناء تدريبه. في مثل هذه الحالات يصبح تأخير الراتب نتيجة لسؤال إداري أكبر، من يدفع ولأي أساس قانوني.

عامل آخر يتصل بحجم إعادة ترتيب الهياكل في محافظات عدة، فسانا نقلت قراراً بدمج كوادر صحية وطبية كانت تعمل في شمال شرق سوريا ضمن ملاك مديريات الصحة في دير الزور والرقة والحسكة، مع تكليف مديري الصحة بإبرام العقود اللازمة، وهو مسار يعني عقوداً وجداول جديدة قبل أن تستقر دورة الرواتب.

بالتوازي، تداولت قنوات مهنية تعليمات منسوبة لوزارة الصحة تطلب إنشاء حسابات عبر تطبيقات محددة لاعتمادها في تنزيل الرواتب، وهذا تحول تقني قد يضيف خطوة إجرائية قبل الصرف، ومع ارتفاع التوتر انتشرت شائعات عن رواتب بالدولار قبل أن تدقق منصة تحقق وتنفيها، ما يوضح أن إدارة التوقعات جزء من إدارة الأزمة.

توقعات الأسبوع القادم وأسئلة

الأسابيع القريبة ستبقى محكاً لملف رواتب الأطباء المقيمين، لأن بعض المعطيات الصحفية تحدثت عن وعود بصرف المستحقات خلال أسبوع، بينما تُظهر التجربة الإدارية في ملفات رواتب أخرى أن سرعة الإنجاز ترتبط باستكمال الجداول وتدقيق البيانات وتحويل الاعتمادات.

لكن ما هو ضروري للمعرفة والقياس ليس مجرد خبر عن بدء الصرف، بل خريطة زمنية توضّح ما الذي صُرف وما الذي لم يُصرف، ومن يملك الصلاحية المالية في كل نوع من المشافي، مع توضيح أثر قرارات إعادة توزيع المقيمين بين المحافظات على مرجعيات الدفع. فحين تُنشر هذه الخريطة بوضوح، يصبح سؤال أين بدأ الصرف ولماذا تأخر سؤالاً قابلاً للتحقق، لا همساً يتكرر في غرف المناوبة.

اقرأ أيضاً: الأطباء السوريون بين البقاء والرحيل: هل ما زالت ألمانيا الوجهة الأولى؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى