تطبيقات ذكية لموائد فارغة .. هل تجد رقمنة التغذية ضالّتها في سوريا؟

بقلم: ديانا الصالح
يتصاعد توجه اختصاصيّي التغذية في سوريا نحو رقمنة الوعي الصحي، لمواكبة التغييرات العالمية والتحول الرقمي الذي بات لغة العصر الحديث، بوصفه الرافعة الرئيسية لتحسين جودة الحياة.
وبين المساعي الحثيثة من قبل الخبراء لتمكين الفرد من اختيار أنظمته الغذائية بوعي تقني، وتدهور الواقع المعيشي السوري، يثور تساؤل هام: ماذا تعني رقمنة التغذية؟ وهل يملك مواطنٌ أنهكته سنوات الحرب، ويصارع لتأمين لقمة عيشه، رفاهية الاختيار بين البدائل الرقمية، أم أن أولويته لا تزال تنحصر في تأمين الغذاء لا في كيفية انتقائه؟
للتفاصيل، تابع مقالنا التالي..
رقمنة التغذية في سوريا
بدايةً لا بد من الفصل بين مسارين يخلط الحديث بينهما: الأول وهو التغذية الرقمية، ويُعنى بالاستهلاك البشري لمحتوى الشاشات الرقمية وأثره النفسي، أما الثاني وهو “صلب موضوعنا” فيسمى بمصطلح “رقمنة التغذية” ، يتمحور حول تسخير الأدوات التكنولوجية لهندسة الأنظمة الغذائية، بما يخدم الأمن الغذائي عبر قدرتها على جمع وتحليل بيانات الأغذية، ونشر المحتوى الصحي للوقاية من الأمراض أو التحكم بها وتدريب الكوادر الطبية إلى جانب نشر البروتوكولات السريرية.
وفي هذا الصدد، أشار معاون مدير صحة دمشق، أحمد حباس، إلى أهمية “رقمنة التغذية” كركيزة رئيسية لا غنى عنها في رفع المستوى التوعوي المجتمعي إلى جانب تحسين الصحة العامة، موضحاً مساهمتها الفعالة في تبسيط المحتوى العلمي وتطبيقه بشكل عملي وسط التدفق الهائل للمعلومات الصحية.
وأكد حباس ضرورة التزام المنصات الرقمية بالمصادر الموثوقة، لنشر المعلومات الصحيحة ومواجهة التضليل الغذائي، مشيراً في الوقت ذاته إلى عدم اقتصار فوائد “رقمنة التغذية” على العامة فحسب، بل تشمل أيضاً عدة جوانب مهنية تتعلق بتدريب وتأهيل الكوادر الطبية، إضافة إلى تعميم البروتوكولات السريرية الحديثة من خلال مجموعات تواصل خاصة تضمن جودة المعرفة والممارسة التطبيقية.
تحديات فعلية
على الرغم من أهمية رقمنة التغذية وما تحققه من مزايا، إلا أن تطبيق التقنيات الرقمية، يواجه عدة عقبات ضمن المجتمع السوري، وما يعانيه من أزمات تجعل جُلّ اهتمامه يصبّ على تأمين لقمة عيشه لا الاختيار المتوازن، وهذا ما يؤكده برنامج الأغذية العالمي ضمن تقريره في أواخر عام 2024، الذي أشار إلى وقوع أكثر من نصف سكان سوريا في بؤرة انعدام الأمن الغذائي، منهم 3.1 مليون سوري يقعون في خانة الجوع الشديد، كما وصلت نسبة سوء التغذية لدى الرضع والأمهات إلى مستويات طارئة عالمياً.
كما يشير البرنامج إلى التدهور الاقتصادي السوري الحاد، الذي أفرز ارتفاعاً مضاعفاً للتكاليف المعيشية ثلاث مرات متتالية خلال الأعوام الماضية، الأمر الذي أدى إلى تدهور القدرة الشرائية لدى المواطنين السوريين، حيث بات الحد الأدنى للراتب عاجزاً عن شراء أكثر من خُمس الاحتياجات الغذائية الرئيسية للأسرة (20% فقط)، وعُشر الاحتياجات الأساسية ككل، أي أن المواطن السوري بحاجة لأضعاف راتبه حتى يتمكن من تأمين احتياجات أسرته الغذائية.
أنظمة التغذية على رفّ الإهمال
ويرى مراقبون أنه في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة في سوريا، تبقى متابعة النظام الغذائي “مصمودة” على رفّ الإهمال، بالتالي تطبيقاتها الرقمية لن تحقق الغاية المرجوة منها حالياً رغم أهميتها الواعدة في المستقبل، مشيرين إلى ضعف البنية التحتية الرقمية التي تشكل الهاجس الأكبر لتعميم استخدام التقنيات الرقمية الجديدة.
هذا الواقع يختصره المواطن عبدالله شلهوب، المصاب بمرضي القلب والسكري، لسوريا اليوم24، بقوله: “المثاليات التقنية بعيدة عن واقعنا، فأقصى ما يمكنني فعله لحماية صحتي هو محاولة تجنب السكر، لأن قدرتي الشرائية لا تسمح بأكثر من ذلك” ويضيف بمرارة: “أنا مشغول بكسب لقمة العيش لأولادي دون مفاضلة، فالمهم هو تأمين قوت اليوم”.
وعن النصائح الطبية والأنظمة الغذائية الحديثة، يحكي شلهوب تجربته: “يحدثونني عن أهمية تناول الأسماك لسلامة قلبي، لكنها تظل رفاهية بعيدة المنال أمام تكاليف إبر الأنسولين وأدوية الضغط التي ترهق كاهلي”.
تبقى مسألة تطبيق “رقمنة التغذية” المعنية بتحقيق أفضل معايير الجودة للأنظمة الغذائية وتحسين جودة الحياة، معلقةً بمدى قدرة الجهات المعنية على سد الفجوة بين التقدم التقني والتدهور المعيشي للأفراد، فبينما ينعم العالم بهندسةٍ تصميمية لصحةٍ أكثر إشراقاً، تُشكل الموائد السورية بهندسة البقاء.
اقرأ أيضاً: بعد حرائق غابات اللاذقية.. ما هي خطة وزارة الزراعة لتعويض الغطاء النباتي؟









