رفع الكهرباء جائر.. ما المقترح الذي قدمته لجان المزة؟!
عتمه: «في تمرد.. الناس عم تقول ما رح تدفع»

الكاتب: أحمد علي – حصري “سوريا اليوم 24”
البيوت الدمشقية تضيء بما تيسّر من مصابيح، بينما تتناوب الأسئلة الثقيلة على موائد الناس: كيف تُدفّئ الغرف؟ من أين تُدفع الفواتير؟ ومن الذي يضمن ألا يتحول الضوء إلى عبء يلتهم ما تبقّى من الدخل؟ من هنا تبدأ الحكاية؛ حكاية بيان صدر من لجان أحياء المزة، وتحققت منه «سوريا اليوم 24» ميدانياً، قبل أن يُستكمل بصوتٍ مباشر من رئيس لجنة حي مزة 86 محمد حكمت عتمه، الذي تحدّث لنا بصراحة عن «وجع الفاتورة» والاقتراحات التي وُضعت أمام المعنيين.
سردية الأزمة: كيف يطال رفع تسعيرة الكهرباء منازل المزة؟
أزمة الكهرباء ليست أرقاماً على فاتورة فقط، إنما أثر متسلسل يمتد من مصروف الأسرة إلى حركة السوق وثقة الناس بالمؤسسات. وحين يسمع سكان المزة عبارة رفع تسعيرة الكهرباء تتداعى أمامهم صور كثيرة: عائلة تُطفئ سخان الماء خشية تضخّم الفاتورة، عامل يُرجئ دفع المستحقات لأن دخله لا يكفي، وموظف يوازن بين دواء طفله وكلفة الإضاءة. وهنا تتجسد الأزمة في أكثر مشاهدها قرباً من الحياة اليومية، وهو بالضبط ما دفع لجان الأحياء إلى التحرّك وإصدار بيانها الذي أثار نقاشاً واسعاً داخل دمشق وخارجها.
تفاصيل البيان: رسالة تهدئة لا تصعيد
بحسب البيان الذي تحقّقت منه «سوريا اليوم 24» من خلال التواصل المباشر مع القائمين عليه، فإن اللجان رصدت آثار القرار على المواطنين، وسارعت إلى المطالبة بإلغائه أو تعديله وفقاً لمقتضيات العدالة الاجتماعية. وشدّد البيان على أن الهدف «الحفاظ على استقرار المجتمع ودعم الدولة» وأن المقصود هو «النصيحة الصادقة عند موضع الصواب» بعيداً عن التشنّج أو المزايدة.
وأكدت اللجان أنها تواصلت مع محافظة دمشق لعرض ملاحظاتها، وتوسّعت في الاتصالات لتشمل جهات «مسؤولة على مستوى الدولة»، وصولاً إلى وزارة الكهرباء، بما يضمن أن تصل المطالب إلى الجهات العليا المعنية.
البيان لفت أيضاً إلى أن التسعيرة الجديدة «غير متناسبة مع دخل المواطن»، وهو ما قد يفتح الباب على مشكلات اجتماعية واقتصادية واسعة؛ من اللجوء إلى الاستجرار غير المشروع، إلى تراكم المتأخرات وتعطل الثقة بين الجمهور والمؤسسات. كما أشار إلى امتلاك اللجان «مقترحات عملية لتخفيف العجز» وتوزيع العبء بصورة أكثر عدلاً، مع وعدٍ بمتابعة العمل «بكل الوسائل المشروعة» لحماية حق الناس في عيش كريم.
حديث حي مزة 86: رواية من الشارع ووجع الفواتير
حتى لا يبقى الكلام عاماً، طلبنا من رئيس لجنة حي مزة 86، محمد حكمت عتمه، أن يروي تفاصيل ما جرى. يقول عتمه لـ«سوريا اليوم 24»: «اجتمعنا رؤساء لجان الأحياء في المزة كاملة؛ المزة متصلة، المزة جبل، والشيخ سعد، مختار حي النازحين، مختار المزة الفيلات الغربية والشرقية… وشمل الاجتماع مخاتير من دمشق كلّها مع ممثل عن المحافظة وممثل عن مؤسسة الكهرباء».
ووصف عتمه القرار بأنه «جائر»، موضحاً لنا أن «أغلب الناس اليوم انخفضت قدرتها الشرائية: اللي كان دخله محدود صار معدوم، واللي كان متوسط صار تحت المتوسط… الرفع غير منطقي».
يشرح عتمه جوهر المقترح الذي رفعتْه اللجان: «طرحنا أن يصير الرفع الحالي للكهرباء ما بعد الـ 300 كيلوواط استهلاك عند الـ 600 كيلوواط»، مؤكدّاً أن أغلب أهل الحي – وأنا منهم – بخاف أشغّل السخان، والتدفئة عبر الكهرباء مانها بحساباتنا أصلاً». ثم يضيف بوضوح ما يلتقط نبض الشارع: «في تمرد… الناس عم تقول ما رح تدفع. وهي معضلة: الدولة بدها إيراد، والمواطن إله حق».
ويختم: «نحنا كلجنة حي المزة 86 ما عم نقصر، نحن نوصل الصوت للحكومة، لكن التجاوب ضعيف».
العتبة بين 300 و600 كيلوواط: أين تقف العدالة؟
في قلب النقاش التقني كلمة «العتبة». فالتسعير القائم يُحمّل المستهلك أعباء أعلى بعد تجاوز 300 كيلوواط شهرياً، بينما مقترح لجان المزة—كما أكده عتمه—يطلب نقل هذا الحد إلى 600 كيلوواط. والمنطق الذي يستند إليه المقترح بسيط ومباشر: لا تُعامِلوا الأسر الفقيرة كغيرها من الأسر المقتدرة. رفع العتبة إلى 600 كيلوواط يخلق مساحة أمان للشريحة الأكثر هشاشة، ويحوّل رفع تسعيرة الكهرباء إلى أداة ضبط رشيد للاستهلاك العالي، بدلاً من أن يكون سوطاً مسلطاً على الاستهلاك الضروري.
ما وراء الأرقام: تداعيات اجتماعية واقتصادية
حين تُصبح الفاتورة أكبر من القدرة على الدفع، تتسع الفجوة بين الناس والقوانين. وهذا ليس تبريراً للاستجرار غير المشروع، لكنه تفسيرٌ لتوسّع الظواهر الهامشية التي نبّه إليها البيان: رشى هنا وهناك، فواتير متأخرة، وضرر مباشر على الشبكة الوطنية. والأهم من ذلك أن رفع تسعيرة الكهرباء إذا لم يُصاحب بسياسات حماية، قد يضغط على قطاعات صغيرة مثل الورش المنزلية والمتاجر المحلية، فيرتد على فرص العمل والدخل. فالاقتصاد الأسري في دمشق اليوم هشّ إلى حدّ أن أي ليرة إضافية في فاتورة الطاقة يعني ليرة أقل في سلة الغذاء أو الدواء.
بين الدولة والمواطن: موازنة صعبة ولكن ممكنة
لا أحد يجادل في أن الدولة تحتاج إلى إيرادات لتشغيل قطاع الكهرباء وصيانته. لكن العدالة في التحميل هي ما يصنع الثقة، والثقة هي ما يضمن الامتثال. لهذا يكتسب مقترح حي مزة 86 وجاهةً خاصة: توجيه أثر رفع تسعيرة الكهرباء نحو الاستهلاك الأعلى، وإبقاء الاستهلاك الضروري ضمن شريحة مدعومة.
وذلك يمكن توسيعه بسياسات مكمّلة: «شريحة شتوية للحياة الكريمة» تمنح الأسر عتبة إضافية خلال أشهر البرد، وجدولة متسامحة للمتأخرات للأسر الأشد ضعفاً، مع برنامج وطني لاستبدال السخانات والإنارة القديمة بأخرى أكثر كفاءة عبر قروض متناهية الصِغر.
مسارات تفاوض واقعية: من المحافظَة إلى الوزارات
البيان يروي مساراً واضحاً: تواصلٌ مباشر مع محافظة دمشق، ثم توسيع دائرة الاتصالات لتشمل وزارة الكهرباء وأعضاء في مجلس الشعب والجهات العليا. وقد تأكّد لنا ذلك خلال التحقق والحديث مع رئيس لجنة حي مزة 86 محمد حكمت عتمه الذي قال إن اللجان «قدّمت مقترحات طويلة وأخرى إسعافية».
وهذه السلسلة الإجرائية مهمّة لسببين؛ أولاً لأنها تؤكد أن اللجان تتحرك ضمن الأطر القانونية، وثانياً لأنها تضع المقترح في موقع قابل للتطوير داخل المؤسسات، لا خارجه. ولعلّ أبرز مكسبٍ ممكن في المدى القصير هو وقف التطبيق بصيغته الحالية إلى حين مراجعة الأثر، أو اعتماد صيغة انتقالية تقي الأسر من «صدمة التسعير» ريثما تبرز حلولٌ مستدامة.
أصوات من الحي: من الخوف إلى المشاركة
في حديث عتمه تبرز جملة تعبّر عن المزاج العام: «أنا واحد من الناس بخاف أشغّل سخان الماء»، فهي ليست مجرد شكوى شخصية، بل تلخيص لانزياحٍ اجتماعي نحو «اقتصاد التقشّف القسري». لكن الصوت ذاته لا يكتفي بالتذمر؛ ثمة إصرار على «إيصال الصوت» وعلى البقاء ضمن الوسائل المشروعة. وهذا التحوّل من الخوف إلى المشاركة المدنية يستحق الدعم، لأنه يقدّم نموذجاً لأحياءٍ تتكلم بلغة الأرقام والاقتراحات، لا بلغة الصدام.
ضوءٌ ممكن عند نهاية النفق
الحوار حول رفع تسعيرة الكهرباء لن ينتهي اليوم، لكن ما بدأته لجان المزة يمنح النقاش أساساً أكثر واقعية. فالبيان يطلب عدلاً لا شعارات، والمقترح يضع إصبعه على الجرح: العتبة هي مفتاح إنصاف الاستهلاك الضروري. فإذا لبت الجهات المعنية دعوة المراجعة، وفُتح الباب أمام سياسات حماية ذكية وشفافية أعلى، يمكن للبيوت الدمشقية أن تستعيد نورها من دون أن تنطفئ خزائنها.
وبين الدولة التي تسعى لتأمين الإيراد والمواطن الذي يطلب حياة كريمة، توجد مساحة وسط عادلة، شرط أن يُصغى لصوت الأحياء وأن تُترجم المقترحات إلى قرارات.
اقرأ أيضاً: أسعار الكهرباء أثارت استياء المواطنين.. فهل يتم تخفيضها بعد الرفع؟








