رغم فتح الاستيراد: لماذا لا يزال الفروج غائباً عن موائد السوريين؟

بقلم: ديانا الصالح
رغم فتح باب استيراد الفروج الحي خلال الشهر الفضيل، إلا أنه لا يزال غائباً عن الموائد السورية نتيجة لتحليق أسعاره بشكل غير مسبوق، مما يثير عدة تساؤلات حول سبب الخلل وراء تلك الموجة من الغلاء، ولماذا لم ينجح الاستيراد في كبح جماح ارتفاع الأسعار أو استقرارها؟
سنتناول في مقالنا الأسباب الحقيقية لأزمة الدواجن، وسر عدم تأثير الاستيراد على أسعار الفروج في سوريا رغم مرور أسبوع على فتحه، مع اقتراح عدة حلول من شأنها النهوض بالقطاع مما يخفض من الأسعار وفقاً للتجارب الخارجية، للمزيد من التفاصيل تابع معنا..
أسعار الفروج في سوريا تحلّق
لا تزال أسعار الفروج في سوريا تواصل تحليقها رغم السماح باستيراد الفروج الحي في شهر رمضان، حيث وصلت نسبة ارتفاع منتجات الدواجن منذ بداية السنة إلى حوالي 30% مقارنة بأسعارها في العام الماضي، وفقاً لما يشير إليه رئيس لجنة مربي الدواجن في اتحاد الغرف الزراعية، نزار سعد الدين.
ويبلغ سعر كيلو الفروج الحي في الوقت الحالي ضمن أسواق العاصمة دمشق نحو 34 ألف ليرة سورية تقريباً، حسبما أكد “سعد الدين”، مشيراً إلى أنه كان يسجل حوالي 22 ألف في الفترة السابقة، بينما تخطى كيلو الشرحات حاجز 55 ألف ليرة، منوهاً إلى أن الزيادة طالت عدة منتجات.
كما لحق الارتفاع الجنوني بالأسعار مختلف قطع الفروج، حيث سجل سعر كيلو الوردة نحو 53 ألف ليرة سورية، والكاستا 57 ألف ليرة، فيما وصل سعر كيلو الدبوس إلى 50 ألف ليرة سورية قديمة، علماً أن هذه الأسعار تختلف من منطقة إلى أخرى.
بنية متهالكة وارتفاع طلب موسمي
يؤكد معاون وزير الزراعة لشؤون الثروة الحيوانية أيهم عبد القادر، أن ارتفاع أسعار الفروج في سوريا حالياً، يعود إلى نمط سوق التجزئة، إلى جانب ذروة الطلب خلال شهر رمضان، مشيراً إلى أن زيادة الاستهلاك تسجل نسبة 35% وأحياناً تصل إلى 100% في بعض الدول، وهذا ما يجد فيه التجار فرصة لزيادة المكاسب والأرباح.
أما بالنسبة لنتيجة الدراسات التي يقوم بها قطاع الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة السورية، فيبين عبد القادر أن الزيادة تكون بعد عملية الذبح أي خلال سلسلة التوزيع أو ما يمكن تسميته بسلسلة القيمة، وهذا ما يحتاج ضبطاً، موضحاً بأن هناك عدة عوامل تؤثر في سعر الدواجن، منها العرض والطلب إلى جانب رغبة العاملين ضمن هذا القطاع في تعويض الخسائر التي تعرضوا لها.
أما عن التحديات، فيبين معاون وزير الزراعة إلى وجود عدة عقبات، أبرزها تدمير بنية قطاع الدواجن نتيجة لسنوات الحرب الطويلة، فقد خرجت عدة مزارع من الخدمة مع اضطراب إمدادات السوق، والسياسات غير المنضبطة في التسعير، ونتيجة لوضع التموين أسعاراً لا تتناسب مع ارتفاع الكلف أدى ذلك إلى خروج جزء كبير من المنتجين من العمل في هذا المجال.
وعلى الرغم من فتح باب الاستيراد، إلا أن الأسعار لم تهدأ وذلك نتيجة لاستمرار زيادة الطلب مقابل العرض، وفقاً لما يوضحه رئيس لجنة مربي الدواجن، سعد الدين، مشيراً إلى إحداث خطوة الاستيراد نوعاً من التوازن في السوق، ولكن الأثر يحتاج وقتاً للظهور، متوقعاً الاستقرار خلال 20 يوماً.
كما يلفت سعد الدين إلى وجود عدة أسباب ترفع من الأسعار، منها الخسائر الكبيرة لقطعان الدواجن خلال الفترة الماضية، إلى جانب عزوف العديد من المربين عن العمل منذ بداية العام الحالي فحوالي 40% منهم قد خرجوا من المجال، الأمر الذي أفضى إلى تراجع الإنتاج بالتزامن مع زيادة الطلب، مسلطاً الضوء على ارتفاع تكاليف الإنتاج التي تتطلب التوجه الجدي نحو دعم المربين والوقوف عند مشكلاتهم وحلها.
وفي تصريح سابق لرئيس لجنة الدواجن، أكد ارتفاع تكاليف التشغيل في قطاع الدواجن بمعدل 300% خلال العام الماضي، نتيجة لزيادة أسعار الأعلاف والطاقة، فيما تشير البيانات التقديرية لعام 2025 إلى أن إنتاج نحو 1000 فروج بوزن 2.5 طن، يبلغ تكلفته نحو 4275 دولاراً أي حوالي 1.71 دولاراً للكيلو.
ثغرات تنظيمية سابقة
ينتقد خبراء اقتصاديون ما وصفوه بالسياسات الاقتصادية المتقلّبة، مستحضرين قرار السماح باستيراد الدواجن للتصنيع فقط، الذي شابته عدة ثغرات أبرزها ضعف التطبيق الذي أدى إلى تسرب الدجاج المجمد نحو أسواق التجزئة بكميات كبيرة، مما دفع الأسعار حينها للانخفاض بشكل حاد، معرضين حوالي 15 ألف مربٍّ للإفلاس، وهذا ما ينمّ عن انعدام الرقابة الفعلية المؤثرة بشكل مباشر على الإنتاج المحلي وفقاً لرأيهم.
وهذا ما يؤكده الخبير الاقتصادي مازن ديروان، مشيراً إلى أن كميات كبيرة من الدجاج المستورد متوفر ضمن الأسواق المحلية قبل السماح باستيراده مجدداً، وتحرير السوق بالكامل أفضل من التدابير التقييدية الفاشلة وفقاً لرأيه.
الاستيراد لا يكفي
بالنسبة للتساؤل الشعبي حول عدم تأثير قرار السماح بالاستيراد في أسعار الفروج في سوريا، فيشير خبراء اقتصاديون، إلى أن الاستيراد ليس إلا أداة مؤقتة لإدارة أزمة على المدى القصير، بغية ضبط السوق في حال حصول اختلال توازن حاد، ولكنه لا يرقى إلى الحلول الدائمة.
وبما أن قرار الاستيراد لم يُرفق بسياسات داعمة للإنتاج الوطني أو تخفيض تكاليفه، فإن فعاليته تبقى متذبذبة، لا سيما بعد الجائحة الأخيرة التي ضربت قطاع الدواجن في الفترة الأخيرة، وارتفاع أسعار الطاقة والكهرباء وغيرها، إلى جانب إضراب مسالخ ومحلات، جميعها تشكل خطراً محدقاً على مستقبل القطاع، مشددين على ضرورة ربط أي قرار بإجراءات رقابية فعلية قادرة على ضبط الاحتكار والمضاربة، منعاً من التلاعب السعري وضماناً لوصول التخفيضات إلى المستهلك.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي مازن ديروان، أن الحل لا يكمن في تقييد السوق أو تحريره، وإنما في معالجة جذور الأزمة المتمثلة بارتفاع التكاليف التشغيلية التي أرهقت كاهل المربين المحليين، (كهرباء، محروقات، أعلاف….).
الحلول المقترحة تبدأ من الواقع
عدة دول واجهت أزمات تتعلق بقطاع الدواجن وارتفاع أسعار الفروج، ولكن بفضل سياساتها الداعمة للمربين والعاملين ضمن المجال، تمكنت من التغلّب على مشكلاتها، أبرزها مصر التي عانت من أزمة الأعلاف وزيادة الأسعار خلال عام 2022-2023.
وفي التفاصيل، نجحت مصر في الوصول إلى الاكتفاء الذاتي في قطاع الدواجن مع تخفيض الأسعار بشكل ملحوظ وفقاً لما صرح به مسؤولون في وزارة الزراعة خلال 2024، بعد حل مشكلة نقص الأعلاف بالإفراج عن شحنات الأعلاف في الموانئ، إلى جانب تقديم تسهيلات للمربين من خلال توفير أسعار مستقرة للمادة عبر السماح باستيراد مكوناتها، فضلاً عن التوجه نحو تشجيع الاستثمار في مزارع ومصانع الأعلاف، مع التوجه نحو زراعة الصويا والذرة الصفراء لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
كما ساهم أيضاً التدخل الحكومي في توفير الصويا والذرة بتخفيض أسعار الأعلاف بشكل لافت، فقد وصل إلى النصف تقريباً خلال عام 2025، الأمر الذي خفف الضغط على المربين، وزاد من إنتاجيتهم، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار السوق المحلي.
بالتالي حلّ جذور المشكلة هو أساس الخروج من الأزمة، فهناك حق مشروع للمربي والمواطن على حدّ سواء، وبما أن قطاع الدواجن ركيزة للأمن الغذائي السوري المتدهور أصلاً، فمن الضروري مراجعة السياسات الاقتصادية وتوجيهها نحو استراتيجيات تدمج بين الحلول قصيرة وبعيدة المدى، لإنقاذ ما تبقى من الإنتاج قبل انعدامه، وذلك من خلال دعم المربين مالياً إلى جانب تفعيل الرقابة الصارمة على السوق، مع دعم الطاقة للمسالخ والمزارع، وتأمين الأعلاف، إضافة إلى تشجيع الاستثمار وتطوير إنتاج الأعلاف محلياً، وتعزيز الخدمات البيطرية والرعاية الصحية، مع إعادة تأهيل المزارع المتضررة.
وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار القدرة الشرائية للمواطنين، فهناك فجوة ملحوظة بين الدخل وأسعار المواد الغذائية بشكل عام وليس فقط الفروج، بالتالي لا بد من إيجاد خطة استراتيجية تنبع من سياسة اقتصادية رشيدة توازن بين دعم الإنتاج المحلي وحق المستهلك في تأمين احتياجاته الغذائية بأسعار مقبولة.
استراتيجية خمسية دون أرقام تمويل
الشيء بالشيء يُذكر، بالفعل تضمنت استراتيجية وزارة الزراعة السورية الخمسية 2026-2030 عدة بنود تتعلق بتوسيع المزارع وزيادة الإنتاج، إضافة إلى تطوير البنية التحتية الزراعية ومصانع الأعلاف، مع تحسين الخدمات البيطرية.
إلا أن تلك الخطة لاقت عدة انتقادات نتيجة لغياب التوضيح الكافي حول الأهداف الرقمية الملزمة لتحقيقها، مع ضبابية آليات التمويل، إلى جانب اتباعها سياسة تقليص الإنفاق الحكومي وفقاً لما يراه باحثون اقتصاديون.
أخيراً، يبدو أن ارتفاع أسعار الفروج لا يرتبط بفتح الاستيراد أو إغلاقه، بقدر ارتباطه بالبنية المتهالكة لقطاع الدواجن، الذي لم يلقَ الاهتمام المطلوب حتى الآن، على أمل أن تتحول الاستراتيجية الخمسية التي أطلقتها وزارة الزراعة السورية إلى حبل إنقاذ حقيقي للقطاع الزراعي والثروة الحيوانية، وما بين الأمل المعلّق بالوعود النظرية وغياب الأرقام والشفافية، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف والخاسر الأكبر ضمن تلك الدائرة.
اقرأ أيضاً: بعد حرائق غابات اللاذقية.. ما هي خطة وزارة الزراعة لتعويض الغطاء النباتي؟









