رغم زيادة الرواتب.. سوريا تحافظ على “موقعها المتميز” في أواخر قائمة الدخل العالمي!

بقلم: ديانا الصالح
لم تعد سوريا تنافس جيرانها في الشرق الأوسط على مؤشرات النمو أو على مستويات الدخل، لأنها غادرت هذه القائمة منذ سنوات، ووجدت نفسها في سباق مختلف تماماً، وهو سباق المراتب الأخيرة عالمياً، وذلك رغم الآمال الكثيرة التي عقدها الناس بعد عدة مؤشرات إيجابية سابقة.
البنك الدولي أعلن عن قائمة الدخل العالمي الجديدة، وجاءت سوريا ضمن فئة الدول منخفضة الدخل، لتحتفظ بموقعها بين الاقتصادات الأضعف من حيث نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي، وفي الوقت الذي تواصل فيه اقتصادات الشرق الأوسط التحرك بين فئتي الدخل المتوسط والمرتفع، بدا وكأن سوريا انتقلت إلى جدول آخر، تُقاس فيه القدرة على البقاء أكثر مما تُقاس فيه معدلات النمو والتنمية.
مرتبة سوريا في قائمة الدخل العالمي
أدرج البنك الدولي سوريا ضمن الاقتصادات منخفضة الدخل للعام المالي 2026، وذلك بعد تسجيل دخل قومي إجمالي للفرد بلغ 770 دولاراً في 2024، لتحتل بذلك المرتبة 190 بين 201 اقتصاداً، وهذا الترتيب يعني أن هناك 11 اقتصاداً فقط سجل دخلاً قومياً إجمالياً للفرد وكان أدنى من سوريا.
ويعتمد البنك الدولي في تصنيفه السنوي للدول على معيار اقتصادي محدد، وهو نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي، بحيث يتم احتسابه من دخل الفرد السنوي بعد تحويله إلى الدولار الأمريكي، وذلك وفق منهجية أطلس التي يتبعها البنك الدولي، للتقليل من تأثير التقلبات في أسعار الصرف بين العملات المختلفة.
ويصنف البنك الدولي اقتصادات العالم إلى أربع فئات وهي: اقتصادات منخفضة الدخل، متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، متوسطة الدخل من الشريحة العليا، واقتصادات مرتفعة الدخل.
ويُستخدم هذا التصنيف كأداة إحصائية هامة، كما يدخل في تحديد قدرة الدول للحصول على التمويل الدولي والمساعدات التنموية، بالتالي فهو يعتبر مؤشراً على موقع وترتيب الدولة ضمن النظام الاقتصادي العالمي بشكل مباشر.
سوريا في تصنيف 2026.. ثبات “إيجابي” في النهايات
مجدداً وضمن الفئة الأدنى عالمياً التي تضم عدداً محدوداً من اقتصادات الدول تأتي سوريا، فحسب بيانات البنك فإن نصيب الفرد من الدخل القومي لا يزال في مستويات منخفضة، وهي أقل من 1000 دولار سنوياً في السنوات الأخيرة.
الجدير بالذكر، أن الموقع المتدني الذي احتلته سوريا، نتاج لسنوات طويلة من التراجع الاقتصادي، والذي تسبب بفقدان الاقتصاد السوري لجزء كبير من قدراته الإنتاجية، ما أدى إلى تراجع الناتج المحلي.
زيادة الرواتب لم تغيّر التصنيف
شهد السوريون خلال الفترة الأخيرة واحدة من أكبر زيادات الرواتب ووصلت إلى نسبة 200%، وذلك لتحسين القدرة الشرائية، إلا أن الأرقام الدولية أظهرت أنه وعلى الرغم من أهمية هذه الزيادة في تحسين المستوى المعيشي، إلا أنها ليست كافية لتغيير موقع سوريا ضمن قائمة الدخل العالمي.
تصنيف البنك الدولي لا يعتمد على الأجور أو الزيادات المعلنة، فجلّ اهتمامه يتمحور حول نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي وحجم الاقتصاد الكلي، ومن هذا المنطلق، تشير البيانات الدولية إلى أن الاقتصاد السوري فقد أكثر من نصف حجمه خلال سنوات الحرب، وذلك مقارنةً بما كان عليه قبل عام 2011.
ويأتي ذلك بسبب تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي وتضرر البنية التحتية، حيث خرجت أنشطة وفعاليات كثيرة من النشاط الاقتصادي، بالتالي انكمش إجمالي الناتج المحلي بشكل تراكمي بأكثر من 50% منذ عام 2010.
من التصنيف إلى التمويل الدولي
إن بقاء سوريا ضمن قائمة الاقتصادات منخفضة الدخل، يتزامن مع عودة البلاد للاستفادة من التمويل الدولي التابع للبنك الدولي بعد سنوات طويلة من التوقف، ففي الوقت الذي تستعد فيه سوريا لاستقبال أولى دفعات إعادة الإعمار والدعم منذ سنوات، لا تزال حصة الفرد أقل من الحد الأدنى للخروج من قائمة الدول منخفضة الدخل.
قبل أقل من شهرين حصلت سوريا على تمويل قيمته 225 مليون دولار على شكل منح من خلال المؤسسة الدولية للتنمية، وهذه المنح استهدفت قطاعي المياه بقيمة 150 مليون دولار والصحة بقيمة 75 مليون دولار.
ووفقاً للبنك الدولي، فإنه من المتوقع أن يستفيد قرابة 4.5 مليون شخص من المشروعين، وذلك دعماً لبرامج التعافي المبكر وتحسين الخدمات الأساسية في البلاد.
في سوريا حتى الأرقام نادرة
تواجه المؤسسات الدولية صعوبة كبيرة عند قياس حجم، وذلك يعود لندرة البيانات الرسمية والإحصائيات، فضلاً عن عدم صدورها بصورة منتظمة من هيئة أو جهة مختصة أو بشكل مفصل.
وتعليقاً على ذلك، ذكر المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي جان كريستوف كاريه: “إن البيانات الاقتصادية الخاصة بسوريا نادرةً للغاية، ويصعب الحصول عليها”.
لا يبدو أن تصنيف البنك الدولي لسوريا ضمن قائمة الدول منخفضة الدخل حدثاً مفاجئاً، فهو تأكيد على أزمات اقتصادية ممتدة منذ سنوات، وفي بلد تغيب فيه الأرقام المحلية الرسمية، تصبح الصورة العامة للاقتصاد السوري مُشكّلةً إلى حد كبير من الخارج أكثر مما يتم قياسها وفهمها من الداخل.
اقرأ أيضاً: فجوة الدخل تتزايد.. هل يستطيع محدودو الدخل في سوريا تحمل تكاليف البقاء!









