أعمال واستثمار

رغم ذروة الموسم.. لماذا بقيت الفواكه بعيدة عن موائد الدمشقيين؟

بقلم: ريم ريّا

في مثل هذا الوقت من كل عام، ينتظر السوريون بفارغ الصبر ذروة موسم فاكهة الصيف، حيث تنخفض الأسعار ويتوفر للمستهلكين خيارات أوسع. إلا أن المشهد في أسواق دمشق هذا الصيف مختلف تماماً. فالحصاد الوفير لم يُترجم إلى انخفاض في الأسعار، وأصبحت أنواع كثيرة من الفاكهة باهظة الثمن بالنسبة لشريحة واسعة من السكان. لقد تحولت الفاكهة من كونها عنصراً أساسياً في النظام الغذائي اليومي إلى سلعة تُشترى فقط في المناسبات الخاصة أو بكميات محدودة.

على الرغم من وفرة الخوخ والعنب والتين والمشمش والعنب في أكشاك ومتاجر الفاكهة والخضراوات، إلا أن المبيعات لا تعكس هذا التنوع. يكتفي العديد من المتسوقين بالأسعار ويغادرون دون شراء شيء، أو يرضون بكميات قليلة لا تكفي حتى لعائلة ليوم واحد.

يشكو المواطنون من أسعار الفواكه قائلين: “نشتري بالقطعة، لا بالكيلو”.

يقول أحد المواطنين من حي المزة، إن شراء الفاكهة الآن يتطلب حسابات دقيقة. ويضيف: “أذهب إلى السوق لأشتري أنواعاً مختلفة من الفاكهة، لكنني لا أغادر إلا بكيلو أو أقل، لأن الأسعار لم تعد في متناول العائلات”. بدورها تؤكد أم محمد، من حي ركن الدين، أن أطفالها يطلبون الفاكهة يومياً، لكنها لم تعد قادرة على شرائها كما كانت تفعل سابقاً. وتشير إلى أنها تبحث الآن عن أنواع أرخص أو عن فاكهة انخفضت أسعارها مع اقترابها من التلف.

وفي حي التضامن، يقول أحد المواطنين وهو موظف حكومي، إن عائلته تعطي الأولوية الآن للضروريات الأساسية كالخبز والأرز والزيت، وتؤجل شراء الفاكهة إلى آخر قائمة احتياجاتها. ويضيف: “عندما يصل سعر الكيلو من الخوخ أو العنب إلى عشرات آلاف الليرات السورية، فمن الطبيعي أن نفكر أولاً فيما يُشبع جوعنا”. في الوقت نفسه، تعتقد أم لؤي، من مشروع دمر، أن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في أن دخل الأسر لم يعد يواكب هذا الارتفاع. وتضيف: “حتى مع موسم الحصاد والوفرة، لا نشعر بأي فرق حقيقي في السوق”.

كما يشكو الباعة أيضاً من الركود الاقتصادي. يبدو أن بائعي الفاكهة ليسوا أقل تأثراً من المستهلكين. يؤكد العديد منهم انخفاض المبيعات بشكل ملحوظ مقارنةً بالمواسم السابقة. يقول أبو يوسف، بائع فواكه في سوق باب سريجة، إن الزبائن يشترون الآن نصف كيلو فقط أو بضع حبات، بينما كانوا يشترون سابقاً عدة كيلوات في الزيارة الواحدة.

ويضيف أن ارتفاع الأسعار يبدأ من سوق الجملة، حيث تصل الفاكهة إلى المستهلك بأسعار مرتفعة بسبب تكاليف النقل والتبريد والمناولة. وهذا يترك هامش ربح ضئيلاً للبائع، الذي يتعرض أيضاً لخطر الفساد نتيجة ضعف الطلب.

اقرأ أيضاً: لماذا يطالب مزارعو القنيطرة بإنشاء «سوق هال»؟

لماذا لم تنخفض الأسعار رغم وفرة المحصول؟

يعتقد الخبراء أن هناك عدة عوامل وراء استمرار ارتفاع الأسعار، أهمها ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، وأسعار الوقود المستخدم في النقل والتبريد، وكثرة الوسطاء بين المزارعين والمستهلكين. كما ساهم توسع صادرات الأصناف عالية الجودة في انخفاض الكميات المتوفرة في السوق المحلية، مما أبقى الأسعار مرتفعة حتى في ذروة الموسم. بالإضافة إلى ذلك، يعتمد بعض التجار في تسعير منتجاتهم على توقعات أسعار الصرف بدلاً من التكاليف الفعلية.

يرى الاقتصاديون أن المشكلة لا تكمن في نقص الإنتاج، بل في طريقة إدارة سلاسل التسويق. فالأسعار ترتفع في كل مرحلة من مراحل النقل والبيع، دون أن يستفيد المزارع أو المستهلك. ويشير المراقبون إلى أن المشكلة الحقيقية لم تعد تقتصر على سعر الفاكهة فحسب، بل تتجلى في اتساع الفجوة بين دخل الأسر السورية وتكاليف المعيشة.

حتى لو استقرت الأسعار، فقد تراجعت القدرة الشرائية إلى درجة باتت معها العديد من الأسر تتخلى عن سلع كانت تعتبر أساسية في نظامها الغذائي. وينعكس هذا على أنماط التغذية والصحة، لا سيما بين الأطفال.

ما الحل.. لكساد الفواكه رغم توفرها؟

يرى الخبراء أن خفض الأسعار يتطلب معالجة جذور التضخم من خلال دعم المزارعين، وخفض تكاليف النقل والإنتاج، وتنظيم الصادرات لضمان تلبية احتياجات السوق المحلية أولاً. إضافةً إلى ذلك، من الضروري إنشاء أسواق مباشرة بين المنتجين والمستهلكين للحد من دور الوسطاء.

مع ارتفاع الأسعار باستمرار، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة لا يبدو أنها تتغير بسرعة. يقف كل يوم أمام أكشاك تعجّ بألوان الصيف، لكنه يغادرها بحقيبة صغيرة أو ربما بنظرة خاطفة على الفاكهة. أصبحت الفاكهة رفاهية مؤجلة لكثير من العائلات، وليست عادة يومية كما كانت في الماضي.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى