أعمال واستثمار

رغم إلغاء المزايدة فازت الشركة الإماراتية! كيف وصلت «فليك» إلى إعلانات مطار دمشق؟

نُشر إعلان رسمي لاستثمار اللوحات الإعلانية في مطار دمشق الدولي، ثم قبل موعد المزايدة بيومين، طُوي الإعلان. وبعد 58 يوماً، ظهرت شركة «فليك» الإماراتية في حفل توقيع عقد لخمس سنوات، بوصفها الفائزة بمزايدة قالت هيئة الطيران المدني إنها أُجريت وفق الأصول. لكن أين الإعلان وبقية الإجراءات الأصولية التي قادت إلى هذه النتيجة؟

وصلتنا معلومات من داخل قطاع الإعلان تتحدث عن شبهة تحيط بآلية إرساء العقد، وعن صفقة لم تمر، وفق ما ادعته تلك المصادر، عبر منافسة معلنة وواضحة كما ينبغي.

بدأنا التحري من أول ورقة يفترض أن تقود إلى العقد: إعلان المزايدة.

راجعنا جميع أعداد نشرة الإعلانات الرسمية الواقعة ضمن الفترة ذات الصلة، من العدد 15537 الصادر في 18 أيار 2025 حتى العدد 15587 الصادر في 30 تموز من العام نفسه، وهو يوم توقيع الاتفاقية مع «فليك».

شمل البحث 51 عدداً متتالياً و428 صفحة. ما وجدناه كان إعلاناً عن مزايدة، ثم قراراً بطيّه، وبعد ذلك 39 نشرة رسمية متتالية لا يظهر فيها أي إعلان بديل، قبل أن تعلن هيئة الطيران أن الشركة فازت بالمزايدة.

الإعلان الذي لم يصل إلى موعده

نشرت المؤسسة العامة للطيران المدني في العدد 15537 من نشرة الإعلانات الرسمية، الصادر في 18 أيار 2025، إعلاناً عن «مزايدة علنية لاستثمار اللوحات الإعلانية في مطار دمشق الدولي».

حمل الإعلان الرقم «1/239» وتاريخ 14 أيار 2025، وحدد الساعة الحادية عشرة من يوم الأربعاء 4 حزيران 2025 موعداً لإجراء المزايدة. كما حدد التأمينات الأولية بمبلغ 100 مليون ليرة سورية، وأحال مدة العقد وبقية التفاصيل إلى دفتر الشروط الفني والمالي والحقوقي.

نُشر الإعلان أيضاً في صحيفة «الثورة السورية» بالعدد 1388 الصادر في 15 أيار 2025، ما أتاح للمستثمرين المحتملين معرفة المشروع وشراء دفتر شروطه والاستعداد للمشاركة فيه.

لكن المزايدة لم تصل، وفق التسلسل المنشور، إلى موعدها المحدد.

ففي 2 حزيران 2025، أي قبل موعد الجلسة بيومين، نشرت المؤسسة العامة للطيران المدني في العدد 15548 من النشرة الرسمية إعلاناً مقتضباً بعنوان «طي إعلان»، جاء فيه:

«يطوى الإعلان رقم 1/239 تاريخ 14/5/2025 الخاص بالمزايدة العلنية لمشروع استثمار اللوحات الإعلانية في مطار دمشق الدولي».

وأشار قرار الطي إلى نشر الإعلان الأصلي في صحيفة «الثورة السورية» ونشرة الإعلانات الرسمية. ونُشر قرار الطي نفسه في صحيفة «الثورة السورية»، بما يعني أن الهيئة لم تكتفِ بإجراء داخلي، بل أبلغت الراغبين بالمشاركة، عبر القنوات نفسها، بأن الإعلان السابق لم يعد قائماً.

لم يذكر قرار الطي سبب الإلغاء، ولم يقل إن المزايدة أُجّلت إلى موعد آخر، كما لم يحدد موعداً بديلاً أو يشر إلى بقاء دفتر الشروط السابق سارياً.

وبحسب مصدر من داخل القطاع، كانت بعض الشركات قد دفعت بالفعل التأمينات المطلوبة، وعندما قامت بمراجعة الجهة المعنية للاستفسار عما جرى، تم إبلاغها بأن المزايدة أُلغيت وأن «هذه هي التوجيهات». وأضاف المصدر أن ممثلي الشركات طلبوا الاطلاع على قرار الإلغاء الرسمي، لكن طلبهم رُفض وأُخرجوا من المكان بشكل غير ودود.

39 نشرة رسمية بلا إعلان بديل

منذ اليوم التالي لقرار الطي، راجعنا جميع أعداد نشرة الإعلانات الرسمية من العدد 15549 الصادرة في 3 حزيران 2025 حتى العدد 15587 الصادرة في 30 تموز 2025.

خلال هذه الفترة صدرت 39 نشرة متتالية. لم يظهر فيها إعلان جديد عن استثمار إعلانات مطار دمشق، ولا إعادة نشر للمزايدة المطوية، ولا تمديد أو تعديل للإعلان السابق، ولا إعلان إحالة أو نتيجة يحمل اسم «فليك».

ولا يمكن تفسير ذلك بتوقف هيئة الطيران المدني عن استخدام النشرة الرسمية.

ففي 25 حزيران 2025، نشرت الهيئة في الصفحات 5 و6 و7 من العدد 15563 ست مزايدات استثمارية تخص مطار حلب الدولي: استثمار خدمة تغليف الحقائب، وعربات نقل حقائب المسافرين، وكافتيريا، وكونتوار لبيع المواد الغذائية، ومطعم، وكوة لتقديم خدمات الصرافة والحوالات المالية.

كان اثنان من هذه الإعلانات منشورين «للمرة الثانية»، وتضمن كل إعلان موعد المزايدة وتأميناتها ومكان انعقادها وطريقة الحصول على دفتر الشروط.

وفي 10 تموز 2025، نشرت الهيئة في العدد 15573 مناقصة لاستئجار آليتين لنقل العاملين من مبنى الطيران المدني عند مدخل مطار دمشق الدولي. كما نشرت لاحقاً إعلانات أخرى تخص نقل العاملين في مطار حلب وصيانة ساحات وقوف الطائرات فيه.

هذا يشير إلى أن هيئة الطيران المدني كانت تستخدم نشرة الإعلانات الرسمية خلال الفترة نفسها لنشر مناقصات ومزايدات، بعضها يتعلق باستثمارات داخل المطارات وبعضها بمطار دمشق نفسه. 

وحده الإعلان البديل عن استثمار لوحات مطار دمشق لم يظهر في الأعداد التي فصلت بين الطي والفوز بالمزايدة.

«فليك» تفوز بمزايدة لا يظهر إعلانها

في 30 تموز 2025، أي بعد 58 يوماً من طي الإعلان، أعلنت وكالة «سانا» توقيع اتفاقية استثمار إعلانات مطار دمشق الدولي مع شركة «فليك» الإماراتية للإعلان الطرقي.

وقّع الاتفاقية معاون رئيس هيئة الطيران المدني أمجد نخال، والرئيس التنفيذي للشركة محمد المارديني.

لم يقتصر الإعلان الرسمي على وصف ما جرى بأنه اتفاقية استثمار. فقد أكّد مدير الشؤون القانونية في الهيئة هادي قسّام إن توقيع الاتفاقية جاء بعد فوز «فليك» في مزايدة «أُجريت وفق الأصول»، وإن مدة التعاقد خمس سنوات.

هنا تظهر الحلقة المفقودة التي نبحث عنها.

إذا كان المقصود هو المزايدة المحددة في 4 حزيران 2025، فكيف أُجريت بعد صدور قرار رسمي بطي إعلانها قبل موعدها؟ وهل أُلغي قرار الطي أو سُحب لاحقاً؟ وأين نُشر قرار إعادة العمل بالإعلان؟

أما إذا أُجريت مزايدة جديدة، فما رقم إعلانها وتاريخه؟ وأين نُشرت؟ وما الموعد الذي مُنح للشركات الراغبة في شراء دفتر الشروط والاستعداد للمشاركة؟

لا تجيب المادة المنشورة في «سانا» عن هذه الأسئلة. كما لا تذكر عدد المشاركين، ولا قيمة الإحالة، ولا أسماء الشركات المنافسة، ولا الاسم القانوني الكامل للكيان الذي وقّع العقد من جانب «فليك».

ماذا يقول نظام العقود؟

استند الإعلان الأصلي إلى نظام العقود الموحد الصادر بالقانون رقم 51 لعام 2004، وحدد طريقة التعاقد بوصفها مزايدة علنية وفق الفقرة «ب» من المادة 80.

تنص المادة 83 من القانون ذاته على أن المزايدة العلنية يجب أن تُجرى في جلسة علنية يشترك فيها الراغبون الذين تتوافر فيهم الشروط، وأن يحدد إعلان المزايدة يوم الجلسة وساعتها ومكانها. كما تقضي المادة 85 بتطبيق الأحكام الأخرى الخاصة بالمناقصات على المزايدات، ما لم تتعارض مع أحكامها.

وتنص المادتان 9 و10 من نظام العقود الموحد على نشر الإعلانات في نشرة الإعلانات الرسمية وفي صحيفة يومية، إضافة إلى لصقها على لوحة إعلانات الجهة العامة. ويحدد القانون مهلة لا تقل عن 15 يوماً للمناقصة الداخلية و50 يوماً للخارجية، مع إمكان اختصارها عند إعلان «السرعة الكلية» إلى خمسة أيام و25 يوماً على التوالي.

لا تسمح الوثائق المتاحة بالجزم بحكم قانوني نهائي على العقد. لكن قرار طي الإعلان يعني أن الدعوة الأصلية سُحبت علناً، ولذلك تحتاج أي مزايدة جرت بعد ذلك إلى سند إجرائي واضح: إعلان جديد، أو قرار يعيد تفعيل الإعلان السابق، أو تفسير قانوني من الهيئة يوضح كيف أُجريت المنافسة بعد الطي.

صحفي بدأ التحقيق ثم توقف

ضمن الاتصالات التي أجريناها أثناء العمل على هذا المقال، تحدثنا إلى صحفي أثبت لنا بأنّه حاول في تشرين الأول 2025 إعداد مادة حول الشكاوى المرتبطة بعقد إعلانات المطار.

تواصل الصحفي مع المسؤول الإعلامي في مطار دمشق الدولي، وقدم له اسم الوسيلة التي يعمل لديها ومعرفاتها الرسمية، ثم أرسل مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالعقد وآلية إحالته.

وعده المسؤول الإعلامي بتحويل الأسئلة إلى إدارة الاستثمار للحصول على الإجابات. لكن الرد لم يصل. ولم يفصح الصحفي عن السبب الذي دفعه إلى إنهاء التحقيق وعدم نشر المادة التي كان يعمل عليها.

لا يمكننا إطلاق حكم نهائي بناءً على هذه الشهادة وحدها. لكن أن يتوقف الرد بعد طلب الوثائق والتأكد من هوية الصحفي وأهلية وسيلته، ثم ينتهي التحقيق من دون نشر أو تفسير، أمر يضيف مزيداً من الريبة إلى ملف يعاني أساساً من فجوة واضحة في المعلومات المنشورة.

ما الذي استثمرته الشركة؟

لا تتعلق المسألة بالإجراء وحده، بل بنطاق الحقوق التي حصلت عليها الشركة أيضاً.

تعرض «فليك» حالياً على موقعها التجاري مساحات إعلانية موزعة على مداخل المغادرة والوصول ومنطقة الترانزيت والجوازات واستلام الحقائب وبوابات الوصول ومدخل المطار.

وبجمع الأرقام التي تعرضها الشركة، يصل الجرد المنشور إلى 147 وجهاً إعلانياً على الأقل، بأحجام ومواقع مختلفة. لكن لا تتوافر وثيقة رسمية منشورة تسمح بمقارنة هذا العدد بالجرد الذي طُرح في دفتر الشروط، أو بمعرفة إن كانت جميع المساحات الحالية داخلة في العقد الأصلي أم أضيفت لاحقاً.

شبهة تستحق جواباً

يقود تسلسل الوقائع إلى أسئلة يصعب اعتبارها تفصيلاً عابراً. فهناك إعلان رسمي طُوي قبل موعد المزايدة، ثم غاب أي إعلان بديل عن 39 نشرة متتالية، قبل أن تظهر شركة إماراتية بوصفها الفائزة بعقد يمتد خمس سنوات.

تتحدث مصادر تواصلت معنا عن إجراءات وترتيبات غير معلنة سمحت للشركة الإماراتية بالحصول على العقد، وتدعي أن المنافسة لم تكن متاحة أمام جميع الجهات التي كان يمكن أن تتقدم إليه. 

لا نملك حتى الآن الوثائق التي تسمح بتثبيت هذه الادعاءات أو نفيها، لكن اجتماعها مع ما وجدناه في النشرات الرسمية يرفع مستوى الشبهة ويجعل البحث في الملف ضرورياً، لا سيما أن الهيئة لم تنشر عدد المتنافسين أو قيمة الإحالة أو محضر الجلسة أو دفتر الشروط والعقد والجرد الذي بُني عليه.

إذا كانت لدى هيئة الطيران المدني إجابات أو وثائق توضح سبب طي الإعلان الأول، ورقم الإعلان الذي استندت إليه المزايدة الفائزة، وموعدها وعدد المشاركين فيها وقيمة الإحالة، فنحن نرغب في تلقي ردها ونشره كاملاً. فالوثائق التي ستقدمها الهيئة قد تبدد الشبهات، أو تكشف أين تقع الحلقة التي ما زالت مفقودة بين إعلان طُوي وعقد ظهر بعد 58 يوماً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى