أعمال واستثمار

رخصة جديدة وطرق رقمية: كيف تحاول وزارة الاتصالات إنقاذ القطاع؟

بقلم هلا يوسف

يعد قطاع الاتصالات من أكثر القطاعات ربحية في أي دولة بالعالم، لكن بالنظر إلى وضعه في سوريا، نجد أن الاحتكار كان العنوان الأبرز له. فقد بقي محصوراً في شركتين فقط هما “سيريتل” و”MTN”. وعلى الرغم من الحرب وأضرارها من عقوبات وتدمير، إلا أن تراجع الخدمة والإنترنت لم يكن بسبب ذلك فقط، بل بسبب تشابك هذا الملف مع الوضع السياسي من خلال المالكين ونفوذهم في النظام السابق. وبعد سقوط النظام السابق، بدأ الحديث عن دخول مشغل ثالث كحل لسوء الخدمات. وفي هذا المقال سنتناول طرح وزارة الاتصالات لحل مشكلة سوء الخدمات، والعقبات التي قد تنتج في حال دخول مشغل ثالث.

أعلنت الحكومة السورية عزمها طرح رخصة جديدة لتشغيل شبكة هاتف محمول عبر مزاد، ضمن خطة أوسع لإعادة هيكلة قطاع الاتصالات وجذب استثمارات دولية. وبموجب هذه الخطة، ستتولى الشركة الجديدة تشغيل إحدى الشبكتين القائمتين، بما يشمل إدارة البنية التحتية وقاعدة المشتركين، بدلاً من إنشاء شبكة ثالثة مستقلة، وهو خيار ينظر إليه كحل عملي في المرحلة الحالية.

ويأتي هذا التوجه في سوق ظل محتكراً لسنوات من قبل “سيريتل” و”MTN”، حيث عملت الحكومة خلال الأشهر الماضية على معالجة عوائق قانونية وتنظيمية حالت دون دخول مشغلين جدد. وبحسب فايننشال تايمز، تجري الحكومة محادثات مع عدد من شركات الاتصالات الإقليمية والدولية، من بينها “زين” الكويتية، و”أوريدو” القطرية، و“فودافون” البريطانية، التي تمتلك مجموعة “إي آند” الإماراتية حصة تبلغ 16.6% منها. ورغم عدم صدور أي تعليقات رسمية من هذه الشركات حتى الآن، إلا أن التوقعات تشير إلى منافسة محتملة بينها للفوز بالمناقصة.

تشمل الصفقة خطة لترخيص التشغيل يقدر بنحو 700 مليون دولار، إضافة إلى استثمارات جديدة بنحو 500 مليون دولار لتحديث الشبكة ورفع قدرتها على تلبية الطلب المتزايد على خدمات البيانات. كما تجري الحكومة مباحثات مع بنك قطر الوطني ومؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي لدعم الصفقة من الناحية التمويلية. وقد تم تحديد يوم 23 شباط المقبل موعداً نهائياً لتقديم طلبات المشاركة في المزاد.

وكان وزير الاتصالات قد أعلن في مقابلات سابقة نية الحكومة طرح رخص جديدة خلال الفترة المقبلة، مؤكداً أن الأولوية في المرحلة الراهنة هي إصلاح الرخص القائمة وإعادة هيكلة السوق، مع إمكانية طرح رخص إضافية في المستقبل بعد استقرار الوضع القانوني والتنظيمي.

لا ينفصل واقع قطاع الاتصالات الحالي عن الطريقة التي أدير بها خلال حقبة النظام السابق، حيث كان من بين القطاعات القليلة المربحة والخاضعة لنفوذ الدائرة الضيقة المحيطة بالسلطة. وبعد سقوط النظام، شملت عملية إعادة ترتيب السيطرة على عدد من الأصول الكبرى استحواذ الدولة على أصول تقدر قيمتها بما لا يقل عن 1.5 مليار دولار من ثلاثة رجال أعمال، من بينها أصول مشغل الاتصالات الرئيسي في البلاد، التي قدرت قيمتها بنحو 130 مليون دولار. وقد جرت هذه العمليات دون إعلان إطار قانوني نهائي، ما أبقى مسألة الملكية والحوكمة غير محسومة بالكامل حتى الآن.

في هذا السياق، تندرج رخصة الهاتف المحمول الجديدة ضمن خطة شاملة لتحديث البنية التحتية لقطاع الاتصالات، الذي تضرر بشدة خلال 14 عاماً من الحرب والعقوبات، ولا تزال خدماته تصنف من بين الأضعف عالمياً من حيث جودة الاتصال وسرعات الإنترنت. وتشمل هذه الخطة مشروع “Silk Link”، الذي يهدف إلى تطوير شبكة ألياف ضوئية وطنية بكلفة استثمارية تتراوح بين 900 مليون ومليار دولار.

يتضمن المشروع إنشاء محطة إنزال للكابلات البحرية على الساحل السوري، وربط سوريا بشبكات البيانات العالمية عبر مسار جنوبي يمر بالأردن والسعودية وصولاً إلى منظومات الكابلات في بحر العرب والخليج، إضافة إلى مسار شرقي محتمل عبر العراق. كما سيؤسس المشروع لما وصفه وزير الاتصالات “بالعمود الفقري الجديد للاتصالات في سوريا”، من خلال ربط المدن الرئيسية بحلقات اتصال داخلية، وتعزيز كفاءة نقل البيانات محلياً وإقليمياً، وتقليص زمن وكلفة نقل البيانات بين آسيا وأوروبا.

وبالتزامن مع ذلك، بدأت سوريا منذ حزيران من العام الماضي اختبار شبكة الجيل الخامس (5G) ضمن خطوات تمهيدية لتحديث القطاع، تزامناً مع رفع العقوبات الأميركية التي كانت تعيق جهود التعافي الاقتصادي. ويؤكد وزير الاتصالات أن جميع مشاريع القطاع ستنفذ بالشراكة مع القطاع الخاص، ضمن أطر تنظيمية واضحة، مع فتح الباب أمام مشغلين ومستثمرين جدد، مشدداً على أن الاتصالات لم تعد قطاعاً قائماً بذاته فحسب، بل أصبحت البنية التحتية للحياة الحديثة، من الخدمات الحكومية إلى التطبيقات الرقمية والاقتصاد الجديد.

لماذا تأخر إصلاح قطاع الاتصالات؟

طرح ملف دخول مشغل ثالث للهاتف المحمول منذ أشهر باعتباره حلاً لأزمة ضعف الخدمة وغياب المنافسة، إلا أن هذا الملف بقي مؤجلاً، ليس بسبب نقص الرغبة أو الجاهزية التقنية، بل نتيجة تعقيدات استثمارية وقانونية متراكمة. ويوضح وزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل أن المشكلة ليست تقنية ولا إدارية، بل تتعلق ببيئة الاستثمار نفسها، إذ لا يمكن لأي مستثمر أن يضخ أموالاً ضخمة في سوق لا تزال فيها أسئلة أساسية بلا إجابات واضحة.

وأكد في أحد تصريحاته أن أول ما يسأل عنه أي مستثمر محتمل هو مصير شركتي “سيريتل” و”MTN”، وهما المشغلان القائمان حالياً، ويمتلكان البنية التحتية الأساسية من أبراج وشبكات. ورغم التراجع الكبير في مستوى الخدمات، لا يمكن إيقاف عمل هاتين الشركتين أو تجاوزهما، لأن ذلك يعني عملياً شل الاتصالات في البلاد. ولهذا يرى أي مشغل جديد أن مستقبله مرتبط بشكل مباشر بمستقبل هاتين الشركتين، وليس منفصلاً عنهما.

والجدير بالذكر أن شركة “سيريتل” تعاني من تعقيدات قانونية تعود إلى ارتباط ملكيتها السابقة بشخصيات نافذة في النظام السابق، أبرزها رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد، الذي أسس الشركة عام 2001 قبل أن تسحب منه السيطرة عليها عام 2020 بعد خلاف مع القصر الرئاسي. وبعد التغييرات السياسية أصبحت الشركة تحت وصاية الصندوق السيادي إلى حين استكمال الإجراءات القانونية لنقل ملكيتها، ويتولى الصندوق إدارتها بوصفها أحد أصول الدولة، بهدف الحفاظ عليها وتنميتها.

أما شركة “MTN” فقد دخلت في نزاع طويل مع السلطات السورية قبل سقوط النظام، انتهى بوضع عملياتها في سوريا تحت الحراسة القضائية، مع احتفاظ المجموعة الأم بحق اللجوء إلى التحكيم الدولي. هذا النزاع ما زال قائماً، ويشكل عائقاً أمام أي تغيير جذري في هيكل الشركة أو ضخ استثمارات جديدة فيها. ويؤكد الوزير هيكل أن الأولوية اليوم ليست القفز نحو مشغل ثالث، بل معالجة هذه الملفات وضخ استثمارات جديدة في الشركتين القائمتين، بما يؤدي إلى تغييرهما بالكامل.

في النهاية، يريد المواطن السوري خدمة اتصالات جيدة، يستطيع من خلالها إنجاز كافة مهامه، ورهان الحكومة اليوم يقوم على أن الاتصالات لم تعد فقط قطاعاً خدمياً للمواطن فحسب، بل أصبحت إحدى دعائم قيام اقتصاد رقمي حديث، لذلك هذا القطاع أمام فرصة حقيقية لتحديث شبكته بما يتماشى مع متطلبات العصر الحالي، مع شرط وجود بيئة قانونية مستقرة وواضحة.

اقرأ أيضاً: أسعار باقات الإنترنت: هل حقاً تذهب لتحسين جودة الخدمات؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى