رحلة خطاب الكراهية.. تبدأ بكلمة وتنتهي برصاصة

إعداد: ريم ريا
منذ اندلاع الحرب وصراعها، لم يكن السلاح وحده من قتل السوريين، بل دويّ الكلمة سبق صوت المدافع، وصداها كان أكبر من أزيز الرصاص.. هشّم النفوس قبل أن تُهشّم الرصاصة جمجمة أحد أو زجاج المنازل. عندما تتحول الكراهية من شعور مُخزّن قابع تحت جلد الإنسان إلى منبر يوميّ يمزق النفوس ويرقص فوق الأجساد مِداده الدم لا المشاعر، يعتاش على التناحر ويستنشق الخراب ليَطرح فاجعة تَبتلع من أطلقها قبل أي شيء آخر.
قُتِلَ السوريون بالكراهية، وتناحروا فوق مذبحها عندما زُرعت في عقولهم وتُرجمت في دمائهم، كيف لشعور أن يَقتل شعب! ويمزق بلاد ويُدمي قلوب، هل الحرب كانت حرب سلاح أم حرب شعور؟
في مقالنا هذا نحاول تفنيد خطاب الكراهية وسبر أغواره لتفكيكه وكشف من يعتاش عليه ويغذيه، ما الذي يمكننا فعله لوقف رحى الكراهية؟ أين الإعلام من كل هذا؟ هل هو لاعب وساحة لبث السموم أم مُسعف يحاول إنقاذ النَفس الأخير؟ أين يقف المجتمع المدني من مذبحة الشعور هذه التي تتحول بإيقاع سريع لمذبحة وطن؟
من يصنع العدو؟ كيف ظهرت الكراهية وأيّ سياقات أنجبتها؟
طفت الكراهية فجأة على سطح الجسد السوري كقيح قابعٍ تحت الجلد وطَفَحَ لينسال بغيظ ممزقاً التلاحم والتراحم الذي لطالما تغنى به السوريون فهو” أصلهم”، كيف ينسى بعض الأفراد أصلهم!، في الحالة السورية جاءت صدمة الكراهية مدّويه لدرجة لا يمكن استيعاب مصدرها، المرء في هذه الحالة لا يقوى على جمع الأنفاس فكيف يجمع الشتات الذي انتشر حوله على حين غره.
تشهد سوريا اليوم إحدى أعنف موجات بث الشقاق في العصر الحديث، لتسطر في نفوس السوريين فاجعة القرن الواحد والعشرين، الكراهية فاجعة حقيقية، فاجعة أخلاقية تفتك بالمجتمع وتدّمر قيمه. عند النظر في الحالة السورية محاولين معرفه أسباب ظهور هذا الشرخ المجتمعي القائم على الجهل، نلمس العديد من الأسباب المساعدة، منها الأسباب السياسية التي كانت ترمي لاستمالة الحواضن الشعبية إلى طرفها، وتشتيت الرأي العام وتوجيهه ليصب في بوتقة مصالحها. في خضم ذلك تبرز لدينا أسباب اجتماعية فغياب العدل ونمو الجهل وتراكم الصراعات الاجتماعية مع النشأة غير السليمة التي تقوم على رفض الآخر بدءاً من المنزل حتى الشارع، فمن السهل لتلك البيئات تبرير القتل والتحريض وصنع دوائر من العنف لا تنتهي.
هذه مكونات الشتات السوري من الداخل، لكن ما الإضافات الخارجية ليجهز “طبق الكراهية” الذي يتجرعه السوريون كل يوم. لطالما كانت سوريا مَطمعاً للعديد من المتربصين الخارجيين القريبين والبعيدين فموقعها الاستراتيجي الهام وغناها الحضاري وثرواتها المكنونة مقومات جذب أي قوة غاشمة تريد احتلالها والعبث باستقرارها، لكن كيف تَدخل إلا بشق النفوس وتكبير الصدع، فإن لم تستطع الوقوف في وجه القطار “فككه من الداخل”.
لم يسبق خطاب الكراهية في سوريا أن كان بهذا الحجم من قبل، ولم تنخرط فيه شرائح من الشعب بهذا الاتساع كما يحدث الآن، وكأنه بركان خامد أو قنبلة موقوته زُرعت وآن ميعاد انفجارها الآن، فسرعان ما عادت بعض الجهات لتأجيج خطاب الكراهية من جديد بوتيره متسارعة دموية تحريضية غير مسبوقة، بعد كل حدثٍ سوري لا تهدئة بل تأجيج معظم الوقت، وهكذا حتى انفجر هذا الخطاب من بعض المنابر المتخفية وراء عباءات دينية أو مذهبية، مُدّرعة بالقومية أو القبلية.
وكأن عهداً من الشماتة قد بدأ، فباتت الدعوات إلى قتل الأبرباء من النساء والأطفال والشيوخ كالدعوة لاحتساء القهوة، يعتلي شخص ما المنبر يظهر “فجأة” يحشد يجيش يتفوه بالجهل يُجمله بالعصب الطائفي ليشد ضعاف النفوس وصغار العقول ويوجهه تارةً ببوصلة القَبلية التي لا يمكن لها أن تشير إلاّ للخراب.
أيّ قعرٍ وصلته سوريا اليوم، كيف انحدرت إلى هنا، ومن سمح للحرب بأن تصل إلى دواخلنا على هذه الشاكلة؟ منذ متى يفرز السوري بلغة قميئة حسب انتمائه الطائفي أو العرقي وتصنّف آدميته من عدمها بناء عليه، ألا يجب أن يعرّف السوري ويُصنّف على أنه الطبيب والمهندس والمحامي والصحفي والمخترع؟ أين ذهب كل هذا؟ من صَنع هذا العدو؟ وكيف تم الانسلاخ من كينونة السوري الصَرف، إلى التحجيم “بالآخر المعادي”؟
اقرأ أيضاً: وزير العدل مظهر الويس: تعزيز الروح الوطنية ومواجهة العصبيات أولوية هذه المرحلة
منابر الإعلام في سوريا لدرء الفتنة أم تأجيجها
منذ اندلاع الصراع السوي انقسم الإعلام المحلي والعالمي وكلٌّ تشاطر موقفاً واصطف في صَف ربما يخدم توّجه القناة والبلد الراعي لها أو توجهات شخصية نابعة من مكنونات ذاتية، فكان للكراهية أشكال تتبلور على المنابر الإعلامية تارةً تتجسد بالإقصاء وتبني وجهات نظر والتعامي عن أخرى رغم أنه في كل منهما جزء من الحقيقة، التي من “المفترض” أنها بوصلة الإعلام.
فبمجرد أن يتم إقصاء طرف أو وجهة نظر مُعارضة أو مُخالفة من الظهور ومن التعبير عن رأيها في وسائل إعلام محلية أو عمومية، فإننا نكون بصدد توجيه خطاب إقصائي ضمني مُولّد للعنف والكُره.
أغلب وسائل الإعلام تبنت التعصب الفكري واللغوي والنظرة الاستعلائية على الآخر “المختلف” في الخطاب الإعلامي الذي وُجه للرأي العام السوري، لذلك فإن خطاب الكراهية عبر وسائل الإعلام كان ذو الكفة الغالبة في ميزان التحريض، أُنشأت منصات إعلامية وفتحت قنوات تلفزيونية فقط لبث التفرقة وخرق صفوف الشعب السوري.
كان للإعلام دور سلبي كبير ومضلل في الشأن السوري، فكل قناة كانت تتبنى ملف معين وتقصي ملفات أخرى وتشدّ البساط نحوها متجاهلةً أن هناك أبرياء يكتم صوتهم وتصادر حقوقهم وتُسلب كراماتهم فقط بسبب هذه التحزبات التي انتقلت من سراديب السياسة في غرفها المغلقة، لتظهر على الإعلام وتشق الشارع السوري وتعزز انقساماته. لم تلتزم أيّ وسيلة إعلامية معنية بالشأن السوري ومهتمة فيه الحياد، بل كلّها كانت تبث أخبارها بناء على أجندات امتهنت خطاب الكراهية ومَزقت خطاب الوطنية، اختارت التضليل على الحقيقة، والتستر على المهنية، وأي محاولة لبث الحقيقة والمصداقية والحياد كانت تقابل “ببلبلات” إعلامية للتغطية عليها وتعتيمها وتنفيذ الأجندات المطروحة، ومع الأسف هذه المهزلة الإعلامية ممتدة حتى اليوم. فالإعلام كان سُوطاً على أعناق السوريين أكثر ما كان مخلصاً لها.
والفاعل السياسي نجح باصطياد هذه السقطات الإعلامية بالدرجة الأولى وتطويعها لمصالحه، وخدمة مشروعات مراد تنفيذها ولو على حساب الشرف المهني ودماء الأبرياء. فكان الإعلام المُوجه حيال الشأن السوري إعلام مُسيس تحركه الأموال المتدفقة من المحيط إلى الصحراء، فكانت التقارير المضللة الإخبارية والكيدية تكتب حروفها “بالعملة الصعبة” وتُبث بلهجة صفراء مقيتة تَشحن المرء وتَسلخ الهوية، وتُعد كائناً عنفي يقتات على الحقد والشماتة والإقصاء.
ضِعف الإعلام السوري وتجنيده والقيود المفروضة عليه ساهمت بتجييش الشارع، فحتى الإعلام الرسمي تم تسيسه، وكان خطاب المواطنة فيه مجرد “كلشيه”. الآن منابر سوريّة ترقى لأن تكون “رسمية” تتبنى الخطاب التحريضي وتفرز المواطنين السوريين طائفياً وعلى الهواء مباشر، ولا تتحدث عن آلامهم “كسوريين” بل تتحيز لآلامهم وتتاجر بها على أسس عرقية بحته، وتروي الحكايات وتتبنى الآراء وتقدمها بأساس تفريقي مقيت وكأن البلاد كلها لم تعش ذات المأساة وذات القيود.
ثقافة الحوار والقبول بالرأي المخالف في إعلامنا والإعلام العربي مُغيبة، والمصداقية في الطَرح ممنوعة لغايات سياسية صَرفة، الأمر الذي سيصبح معه التسامح كمبدأ مجتمعي معدوم، بدل أن يكون مساعداً على تطوير المفاهيم والرؤى الفكرية، وقائم على نبذ العنف المؤدي إلى البغضاء والانقسام.
لا يمكن أن نلتفت إلى وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي بمنصاته المختلفة إلاّ ونجد أن خطاب التعصب صار “ثقافة وحق”، بل والأنكى من ذلك، بتنا أمام شَرعنه لخطاب الإقصاء وتسابق نحو تفجير الدماء وإراقتها لا حقنها وكَبح جماح النفوس وإيجاد صيغ للتفاهم وإحقاق الحق، فلا حق مع كراهية ولا عدل مع شماتة، ولا سلام وسكينة مع حقد.
الخطاب الإقصائي أصبح يشكل تعبيراً ومتنفساً للعديد من الفئات الاجتماعية بمختلف ميولاتها واتجاهاتها الإيديولوجية، وصار المجتمع غالباً ما يُرَوض ويُصوب نحو تربية يغذيها الإعلام أولاً، فتنتج لنا ظواهر اجتماعية، على ما يبدو مع كل هذا الضخ التحريضي، يصعب تطويقها.
لا جدال أن خطاب الكراهية في مختلف وسائل الإعلام تَشعّب أكثر، وأصبح يهدّد السلم والأمان وسط المجتمع السوري، بل صار أداة للتحريض في غياب للضوابط القانونية والمهنية، الأمر الذي يعيد التساؤل حول الوظائف “التقليدية” للإعلام من إخبار و”توعية” وتثقيف وتعليم وتبني للحقيقة وفقط الحقيقة.
اقرأ أيضاً: وزير الإعلام مع المنتدى السوري: خطاب الكراهية والشائعات أكبر التحديات
أين المجتمع المدني من “حمام الدم” السوري.. تصريحات السلطات وحدها لا تكفي
السلطة الجديدة في سوريا صرحت على لسان مسؤوليها مراراً وتكراراً حول أهمية نبذ خطاب الكراهية ومحاربة الشائعات للنهوض بسوريا الجديدة، في تغريدة له على “موقع x” أكد وزير الإعلام السوري “حمزة المصطفى” حاجة البلاد إلى مدونة أخلاقيات إعلامية موسعة، وأضاف “المصطفى” في منشور له (إن مواجهة خطاب والكراهية والاستقطاب المجتمعي هي مسؤولية الجميع في مرحلة بناء الدولة)، مشدداً أن وزارة الإعلام سوف تضطلع بدورها في هذا الصدد عبر استراتيجيات وأدوات مختلفة سترى النور قريباً.
من جانبه أكدّ وزير العدل “مظهر الويس” على الضرورة الوطنية لإعادة تفعيل القوانين التي تجرّم الطائفية والتحريض، وذلك استجابة لمطالب غالبية السوريين بوضع حد لخطاب الكراهية الذي تسبب في توترات أمنية ومجازر. في السياق ذاته، كان قد أصدر وزير التعليم العالي والبحث العلمي في سوريا، الدكتور “مروان الحلبي”، قراراً يحظر نشر أو تداول أي محتوى يتضمن تحريضاً على الكراهية أو الطائفية أو العنصرية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية والسلم الأهلي داخل الجامعات السورية، تحت طائلة المحاسبة القانونية.
صرّح مسؤولو البلاد وأكدّوا على ضرورة نبذ خطاب الاقصاء، لكن لماذا تترك هذ التصريحات وحيدة دون أذن صاغية، لماذا لا يمتثل الكثير من الناس لها، وأين المجتمع المدني من كل ما حصل ويحصل؟
مفهوم المجتمع المدني في سوريا مُغيّب بفعل ممارسات السلطة السابقة القمعية وتكبيلها لحرية الرأي، لكن الآن هو غائب عن المشهد. هل يعقل أن لا أحد في سوريا ممّن يتبنى خطاباً وطنياً جامعاً ينطلق من قلب المجتمع السوري قبل أن تصدح به المنابر السياسية، قادرٌ على تصدّر وسائل الإعلام؟.
يبدو أن هناك مفاهيم وتَحركات مُعَطلة لدى الشارع السوري، فلا أحد يمكنه إنقاذ ما تبقى سوى المجتمع المدني الذي يمثل خليطاً سياسياً وحزبيّاً متنوعاً من حيث الأفكار والآراء، لكنّه متبني لإيديولوجية “وطنية جامعة” لا يحيد ولا يتنازل عنها تحت أي ظرف ولا يتحزب لأي عرق أو مذهب أو قومية أو يجاري سلطة، لا ينتمي سوى للوطن، وينشط هذا المجتمع المدني في القضايا الحساسة والمصيرية للبلاد، ويكون هو “المنعطف” التي تتشكل الأمور فيما بعد تبعاً له.
تُعتبر منظمات المجتمع المدني شريكاً أساسياً في مُعالجة خطاب الكراهية، فهي حلقة الوصل بين الناس وبين السلطة. لذلك يجب أن تظهر هذه المنظمات وتمارس دورها في مراقبة ومواجهة خطاب الإقصاء والعنف، عبر تنظيم حملات التوعية وورش العمل والمبادرات المجتمعية التي تُعزّز قيم التسامح والحوار. كما يمكن للمجتمع المدني إطلاق برامج مصالحة مجتمعية تُساهم في تضميد جراح الماضي وبناء الثقة بين المكونات المختلفة للمجتمع، وتوفر هذه المبادرات مساحات للحوار والتواصل والتعاون بين أبناء المجتمع، ما يعزز التّعايش السلمي والتّضامن الاجتماعي.
مؤخراً أطلقت مجموعة من الناشطين السوريين يوم الثلاثاء 5 آب 2025، حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت وسم “السويداء في قلب سوريا” لمواجهة حملات التحريض الطائفي والتجييش وخطاب الكراهية في سوريا، ويشارك في الحملة ناشطون إعلاميون وسياسيون من درعا والقنيطرة والسويداء، إلى جانب ناشطين من محافظات حمص واللاذقية وطرطوس ودمشق.
تنشط الحملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما يخطط القائمون على الحملة لتنفيذ عدة خطوات ميدانية مستقبلية، وفي تصريح للناشط السياسي وأحد منظمي الحملة “جبير السكري”، لوسائل إعلام محلية: “إن الهدف من الحملة هو كسر الجمود بين المجتمع السوري وتخفيف الاحتقان الحاصل خلال الفترة الأخيرة، إضافة إلى مواجهة حملات التحريض الطائفي والتجييش، ودعم سوريا موحدة بعيداً عن المشاريع الخارجية التي تهدف إلى هدم العيش المشترك”، مضيفاً أن الحملة جاءت في توقيت (حساس)، نتيجة اتساع الشرخ بين مكونات المجتمع السوري بسبب التحريض الطائفي والتجييش، مؤكداً أن هذا الدور يقع على عاتق الناشطين الإعلاميين والسياسيين.
ختاماً، الكراهية ليست “قدر”، وإن كانت فبالرحمة نستطيع تغييره. يتحتم على التراشق “التخويني والإقصائي” السوري أن يتوقف حالاً، فسوريا ليست بلد عادي بل هي حضارة حيّة وعراقة متجذرة وأصالة نابضة لا تختزل بفترات زمنية حُكمت فيها من قبل “حضارة معينة أو رجل سياسي أو حزب محدد” سوريا أكبر من الجميع.. سوريا لكل السوريين.









