رجع “أيلول” … شهرٌ بات يقلق السوريين

يصدح صوت فيروز كل صباح من شبابيك السوريين بـ “رجع أيلول”، لكن مع أيلول ونسماته المُعلنة بدء النهايات حكاية أخرى. بين أيلول وذاكرة السوريين قصص وحكايا تبدأ من الاستعداد للمدارس وصولاً لتحضير مونة الشتاء. منذ عقود لم يمرّ أيلول على السوريين دافئاً مثقلاً بالحنين كما عهدوه… ففي كل سنة يزداد قساوة حتى بات شهراً تُفرغ فيه الجيوب وتُثقل القلوب بالهموم لما يحمله من التزامات ضاغطة في ظلّ أوضاعٍ معيشية سيئة، فهل نلوم أيلول؟
لكن يبقى هذا الشهر وفيّاً للسوريين رغم ما يحمله من ضغوطات، إلاّ أنه شهرٌ لا يخلو من الحنين والعادات الجميلة المتأصلة في الثقافة السورية. في مقالنا هذا سنعرض وجوه هذا الشهر بحلوها ومرّها وانعكاسها على الواقع المعيشي للناس.
عادات السوريين في شهر أيلول
لأيلول نكهة خاصة في سوريا، إذ اعتاد السوريون في كل عام تحضير المؤن الغذائية التقليدية بالطرق المتوارثة عن أجدادهم، ويتربع على عرش التحضيرات “المكدوس” مَلك الطاولات السورية من عامٍ إلى آخر، فهو الطبق الرئيسي المُعلن لقدوم الشتاء.
تُحضّر العائلات السورية كميات من المونة المتنوعة تكفي لعام كامل، من المكدوس إلى دبس البندورة والفليفلة، حتى الكشك ودبس الرمان، وصولاً للزيتون إن أمكن قطافه.
هذا الشهر الخريفي الانتقالي، يجمع ما بين العمل الجماعي والاستعداد لقدوم الشتاء، فتتجلى به الروابط العائلية مع كل صنف يُحضر من المونة. إذ يتعاون الكبار والصغار بعملية التحضير وفق أجواء لا تخلو من الدعابة والمزاح.
طقس المونة فريد مع نسمات “أيلولية”، يتم تبادل الخبرات والحكايات في مشهد يعكس ترابط العائلات السورية وتماسكها وتَمسّكها بتراثها ونقله عبر الأجيال. تعقيباً على الإرث الثقافي العميق والمتوارث الذي يحمله هذا الشهر والذي يأخذ بُعداً أعمق من تحضير كميات من الغذاء للمونة، صرّح “عدنان تنبكجي” رئيس مجلس جمعية العادات الأصيلة للتراث: أن هذا الشهر ليس فقط لإعداد المونة بشكل تقليدي بل إحياء لعادات استمرت لقرون في سوريا.
رغم اختلاف الكمية المعدّة من منزل إلى آخر ومن محافظة إلى أخرى في عموم البلاد، إلاّ أن إعداد المونة يأخذ بعداً اقتصادياً، إذ تلجأ بعض العائلات لبيع جزء من المونة في الأسواق المحلية، وحديثاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ما يحولها من عادة تقليدية إلى مصدر ربح تجاري يدمج التراث بالمكسب المادي في ظل الظروف الاقتصادية المتقلبة حالياً.
اقرأ أيضاً: مبادرات مجتمعية في حماة لتخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين
طقوس العودة للمدارس في شهر العمل
اليوم 21 أيلول عادت المدارس السورية لتفتح أبوابها أمام الطلاب بعد إجازة صيفية دامت لثلاث أشهر. التحضير للمدارس طقس يرتبط بأيلول فمع تساقط أوراق الأشجار تتساقط أحلام الطلاب بساعات نومٍ إضافية، معلنين استعدادهم للاستيقاظ الباكر كل يوم… فالمدارس فتحت أبوابها لاستقبالهم.
القرطاسية ومستلزمات المدرسة والحاجيات…. كلها ترتبط بأيلول، وفي ذاكرة السوريين العديد من المحطات المرتبطة ببداية المدارس في هذا الشهر. تشهد مستلزمات المدارس ارتفاعاً نسبياً بين المحافظات السورية، ما يضع الاهالي بموقف حرج تحديداً أصحاب العائلات الكبيرة.
فقد توجه صباح اليوم أكثر من 4 ملايين طالب وطالبة من مختلف المراحل التعليمية إلى مدارسهم مع بدء العام الدراسي 2025-2026 في سوريا، موزعين على ما يقارب 12 ألف مدرسة بمختلف المحافظات. في حين أوضح المكتب الإعلامي في وزارة التربية والتعليم، أن العدد الإجمالي للطلاب وصل إلى 4 ملايين و200 ألف طالب وطالبة من مختلف المراحل التعليمية، بينما بلغ عدد المدارس الموضوعة بالخدمة 12 ألف مدرسة.
اقرأ أيضاً: وزارة التربية والتعليم تسهل اجراءات التسجيل في المدارس للعائدين من الخارج
الضغوطات الاقتصادية في شهر أيلول
الالتزامات العائلية والاقتصادية في هذا الشهر بالتزامن مع تَقلب الوضع الاقتصادي والتوترات الأمنية، كل تلك العوامل ساهمت في زيادة الضغوط على الشعب السوري في هذا الشهر بمختلف المحافظات السورية.
فضعف الإنتاج المحلي نتيجة الجفاف والهجرة من أماكن الريف إلى أماكن الحضر في المحافظات الشرقية على سبيل المثال، دفع العائلات نحو الأسواق لشراء كميات رمزية من المونة، فالعديد من العائلات تخلت عن تموين “دبس البندورة” و”المربيات” و”زيت الزيتون”، بسبب ارتفاع كلفة إنتاجها وضعف الموسم الزراعي، لصالح تموين “وورق العنب، والبازلاء، والفول”، كونها ضرورية وغير متوفرة في الشتاء.
أما في القنيطرة صرّح أحد المزارعين لوسائل إعلام محلية: ” إن ما زرعناه من باذنجان وجوز وفليفلة حمراء، اضطررنا إلى بيعه في أسواق دمشق، ولا مكدوس لأبناء القنيطرة هذا العام”.
في سياق متصل، قدّرت كلفة 10 كيلو من المكدوس بحوالي 150 ألف ليرة سورية، وهي كمية لا تكفي لمدة أسبوعين، إذ اعتاد الأهالي على تموين ما يقارب 30 إلى 60 كيلو من المكدوس للشتاء.
في الجنوب بشكل تقليدي يتم تخزين الحطب في بداية الخريف، وصيانة المدافئ، وتأمين المازوت، لكن الشتاء الحالي يقترب دون مؤشرات واضحة على قدرة الناس على الاستعداد له. ففي درعا والسويداء اعتاد الأهالي على تخزين الحطب، من اقتطاع بقايا الأشجار في المناطق الواقعة على الحدود الإدارية بين السويداء ودرعا، ومع تحول تلك القرى، إلى نقاط للتوتر الأمني بات من الصعب تأمين الحطب بشكل مجاني، ففي القنيطرة تحديداً ومع تجريف الاحتلال الإسرائيلي للأراضي وقطعه للأشجار تقلّصت قدرة السكان في الحصول على كميات الحطب اللازمة للتدفئة.
فوفقاً لنشرة أسعار شتاء عام 2024 2025 يبلغ سعر طن الحطب ما يقارب 1.5 مليون ليرة سورية، في حين لا توجد مؤشرات على توزيع مازوت مدعوم في فصل الشتاء لهذا العام، مع ارتفاع سعر المازوت في سوريا والذي يبلغ 11 ألف ليرة سورية للتر الواحد.
بالمحصلة، شهر أيلول شهر العمل والجد والعادات الجميلة، وتأمين الحاجيات…. ما قتل متعته في سوريا الظروف الاقتصادية القاسية والتوترات الأمنية التي تحدث بين الحين والآخر في البلاد، ما ينعكس على الوضع الاقتصادي بصورة مباشرة، ناهيك عن أن المدخول لا يتناسب مع الأسعار التي تحلّق كلما ارتفع الدولار… ليبقى المواطن يصدح مع فيروز “رجع أيلول” لكن بصوتٍ شجنْ مُنكسر لا بحنين دافق.









