عن الأسد ورجاله واسترداد الأموال.. هل ينجو بعد الحكم عليه بالإعدام؟!

الكاتب: أحمد علي
يعرف السوريون اليوم أين يوجد عدد من أبرز رجال السلطة السابقة، لكن معرفة العنوان لا تعني القدرة على إحضار صاحبه إلى المحكمة. يعيش بشار الأسد في روسيا منذ سقوط سلطته في كانون الأول 2024، وتفيد تقارير موثقة بأن شقيقه ماهر وشخصيات من الدائرة الأمنية والاقتصادية السابقة موجودون هناك أيضاً. وكشف تحقيق لوكالة «رويترز Reuters» في كانون الأول 2025 أن رئيس الاستخبارات العسكرية السابق كمال حسن ورامي مخلوف، ابن خال الأسد، يقيمان في موسكو ويمولان شبكات متنافسة تسعى إلى استقطاب مقاتلين في الساحل ولبنان. والوكالة نسبت هذه المعلومات إلى مقابلات ووثائق ورسائل، ولم تقل إن موسكو ترعى تلك التحركات رسمياً.
أصدرت دمشق اليوم حكماً بالإعدام على بشار الأسد إلى جانب عدد من مسؤولي السلطة السابقة، وقبل ذلك كانت قد طالبت دمشق روسيا بتسليم بشار الأسد، ولم تنفذ موسكو الطلب. وفي الوقت نفسه تواصل الحكومتان التفاوض والتعاون في ملفات أخرى، ووصلتا في 9 آب 2026 إلى تفاهم جديد بشأن حميميم وطرطوس.
هذه العلاقة المتداخلة تضع ملف المطلوبين في مكان دقيق. لدى سوريا أدوات قانونية أكثر مما كان متاحاً لها في سنوات العزلة، وبعضها منصوص عليه في اتفاقات نافذة مع روسيا نفسها، لكن تنفيذها يحتاج إلى ملفات جنائية قابلة للاختبار أمام القضاء الروسي، وإلى قرار سياسي من موسكو لا تستطيع دمشق فرضه بمجرد إرسال قائمة أسماء.
رجال الأسد في موسكو والمسار القضائي
تبدأ الملاحقة من الداخل السوري. طلب التسليم الدولي يحتاج عادة إلى مذكرة توقيف أو حكم قضائي يحدد الشخص والوقائع والتهم والأدلة، لا إلى وصفه بأنه من «رجال النظام» أو خصم سياسي. ظهرت هذه الفجوة بوضوح في تعامل دمشق مع ضباط سابقين في لبنان. ففي كانون الثاني 2026 ذكرت «رويترز» أن مسؤولين سوريين سلموا الأجهزة اللبنانية قائمة تضم أكثر من مئتي ضابط مطلوب، لكن مسؤولاً قضائياً لبنانياً قال إن طلب تسليم رسمي لم يكن قد وصل عبر وزارتي العدل والخارجية، وإن القائمة الأمنية وحدها لا تقوم مقام ملف قضائي.
روسيا وسوريا تملكان أساساً قانونياً مباشراً للعمل. وقع البلدان في سان بطرسبورغ في 29 حزيران 2022 معاهدة لتسليم المطلوبين، وصدّقت عليها روسيا في نيسان 2023. وفي اليوم نفسه صدقت موسكو معاهدة منفصلة للمساعدة القانونية المتبادلة في القضايا الجنائية. وجود المعاهدتين يعني أن قناة رسمية موجودة لطلب التسليم، ولطلب الأدلة والمعلومات والإجراءات القضائية التي تدخل ضمن المساعدة القانونية. لكنه لا يجعل التسليم آلياً، لأن الدولة المطلوب منها التنفيذ تراجع شروط المعاهدة وقانونها الداخلي وأسباب الرفض المتاحة لها.
هذا يفسر الفارق بين قضية بشار الأسد وقضايا مسؤولين أقل رتبة. الأسد حصل على حماية روسية ورفضت موسكو في مناسبات سابقة فكرة تسليمه، ما يجعل العقبة سياسية وقانونية في آن واحد. أما ضابط أو رجل أعمال لا يحمل الوزن نفسه، فقد تكون فرص ملاحقته أعلى إذا وُجد ملف يتضمن جريمة محددة وأدلة يمكن الدفاع عنها. بناء عشرات الملفات القوية قد يكون أكثر فاعلية من إرسال طلب شامل يفترض أن جميع المنتمين إلى السلطة السابقة في وضع قانوني واحد.
يستطيع المكتب المركزي الوطني السوري لدى «الإنتربول Interpol» طلب نشرات حمراء بحق أشخاص صدرت بحقهم أوامر قبض في جرائم خطرة. النشرة الحمراء تطلب من أجهزة الشرطة في الدول الأعضاء تحديد مكان الشخص وتوقيفه مؤقتاً تمهيداً للتسليم، لكنها ليست مذكرة اعتقال دولية، ولا تستطيع المنظمة إجبار روسيا أو أي دولة على القبض عليه. وتراجع «الإنتربول» الطلبات لمنع استخدام نظامها في نزاعات سياسية بحتة، لذلك تصبح صياغة الاتهام حول جرائم عادية جسيمة ومثبتة، مثل القتل أو التعذيب أو الاحتيال وغسل الأموال، مهمة بقدر أهمية اسم المطلوب.
فائدة النشرة لا تنحصر في روسيا. إذا رفضت موسكو التسليم وبقي الشخص داخل أراضيها، يستطيع أن يعيش تحت الحماية الروسية. أما إذا سافر إلى دولة ثالثة، فقد تصبح النشرة وطلب التسليم السوري عاملين عمليين، بحسب قانون تلك الدولة واتفاقاتها مع دمشق. لذلك تعمل الملاحقة الدولية على تقليص المجال المتاح للمطلوب حتى عندما لا تستطيع الوصول إليه فوراً.
الأموال أصعب من الأشخاص
استرداد الأموال يحتاج إلى مسار مختلف جزئياً. الحكومة السورية قالت بعد سقوط الأسد إنها تبحث عن أموال وأصول نُقلت إلى الخارج، وطلبت في محادثاتها المبكرة مع موسكو إعادة أموال تعتقد أنها أودعت في روسيا. نقلت «رويترز» في آذار 2025 أن الوفد الروسي نفى وجود هذه الأموال. هذا الخلاف يبين المشكلة الأولى، فلا يكفي الاعتقاد بأن مالاً خرج من سوريا، بل يجب تحديد الحساب أو العقار أو الشركة وصاحبه الحقيقي وطريق انتقال المال وعلاقته بجريمة أو بأموال عامة.
المساعدة القانونية المتبادلة مع روسيا يمكن أن تستخدم لطلب سجلات مصرفية أو وثائق شركات وأدلة في تحقيق جنائي ضمن الحدود التي يسمح بها القانون الروسي والمعاهدة. وإذا أثبت القضاء السوري أن مالاً عاماً اختُلس أو أن عائدات جريمة حُولت إلى أصل محدد في الخارج، يمكن طلب تجميده ثم مصادرته أو تنفيذ حكم بشأنه. تتوقف النتيجة على اعتراف الدولة الأخرى بالحكم وعلى معيار الإثبات والضمانات الإجرائية لديها. الأموال المسجلة باسم شركات وسيطة أو أقارب أو وكلاء تجعل المهمة أطول، لأنها تتطلب إثبات الملكية المستفيدة لا مجرد الربط الاجتماعي بصاحبها.
توجد أصول أخرى خارج روسيا مجمدة منذ سنوات بموجب العقوبات الغربية. مدد الاتحاد الأوروبي في أيار 2026 إجراءاته الموجهة ضد أفراد وكيانات مرتبطة بالسلطة السابقة، بما يشمل تجميد الأصول وحظر السفر. كما أعلنت سويسرا بعد سقوط الأسد وجود أصول سورية مجمدة بقيمة تقارب 99 مليون فرنك سويسري في ذلك الوقت. التجميد يحول دون التصرف بالمال، لكنه لا ينقل ملكيته إلى الدولة السورية. إعادة أصل مجمد تتطلب مساراً قانونياً يثبت من يملكه ولماذا يحق لسوريا أو للضحايا استرداده.
لهذا تحتاج دمشق إلى وحدة متخصصة لاسترداد الأصول تجمع المحقق المالي والمدعي العام وخبراء الشركات والمصارف والتعاون الدولي. الملف المالي الجيد يعيد بناء حركة المال من مصدره إلى وجهته، ويطلب من الدول الأجنبية إجراءات محددة بدلاً من إرسال قوائم عامة. كما يمكن استخدام الدعاوى المدنية في حالات يكون إثبات ملكية الدولة للأصل أسهل من إثبات جريمة جنائية، مع اختلاف القانون والإجراءات من دولة إلى أخرى.
قضايا الجرائم الدولية تفتح مساراً موازياً. الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا جمعت وحللت كميات كبيرة من الأدلة لدعم المحاكم المختصة، كما شهدت دول أوروبية محاكمات بموجب الولاية القضائية العالمية بحق مسؤولين سابقين عند وجودهم على أراضيها. هذه الأدوات لا تعطي دمشق سلطة داخل روسيا، لكنها تمنع حصر العدالة في قدرة القضاء السوري وحده، وتتيح استمرار ملاحقة بعض الجرائم إذا تحرك المتهمون إلى دول تقبل الاختصاص.
روسيا تملك قرار التنفيذ
التحول الأخير في العلاقات السورية الروسية لا يلغي هذه الحدود. اتفاق آب بشأن القواعد أظهر أن دمشق تستطيع التفاوض على مصالح كانت تبدو ثابتة، وأن موسكو مستعدة إلى إعادة صياغة وجودها العسكري. لا توجد معلومات منشورة تربط الاتفاق بتسليم الأسد أو غيره، ولذلك لا يصح افتراض مقايضة غير معلنة. لكنه يثبت أن قناة سياسية عالية المستوى تعمل، ويمكن استخدامها لطرح الملفات القضائية إلى جانب الأدوات القانونية.
المصلحة الروسية قد تدفع في اتجاهين متعاكسين. حماية الأسد وشخصيات أخرى تحافظ على صورة موسكو كدولة لا تتخلى بسهولة عن حلفائها، وتسليمهم قد يخلق قلقاً لدى شركاء روس آخرين. وفي المقابل تحتاج روسيا إلى علاقة عملية مع السلطة السورية الحالية إذا أرادت الاحتفاظ بدور عسكري واقتصادي في البلاد. هذا التوازن قد يفتح تفاوضاً حول بعض المطلوبين أو الأموال، من دون أن يعني استعداداً لتسليم رأس النظام السابق.
تملك دمشق أيضاً ورقة بناء ملفات لا تعتمد على التفاوض السياسي. كل مذكرة توقيف مدعومة بأدلة، وكل طلب مساعدة قضائية محدد، وكل نشرة دولية مستوفية الشروط، تحول القضية من مطلب عام إلى التزام يمكن قياس رد الطرف الآخر عليه. إذا رفضت موسكو، يصبح الرفض موثقاً في مسار قانوني. وإذا تعاونت في ملف جزئي، يمكن اختبار حدود التعاون وتوسيعه.
الملاحقة الفعالة تحتاج إلى فصل ثلاثة أهداف كثيراً ما تُجمع في خطاب واحد. محاكمة المتهمين بجرائم ضد الأشخاص تتطلب أدلة جنائية ومسؤولية فردية. استرداد المال العام يحتاج إلى تتبع ملكية وحركة أموال وأحكام قابلة للتنفيذ. ومنع النشاط الذي يهدد الأمن السوري يحتاج إلى تعاون أمني ودبلوماسي مع الدولة المضيفة. قد ينجح مسار ويتعطل آخر، ولا توجد أداة واحدة تحلها جميعاً.
المشكلة الأساسية لم تعد غياب الوسيلة القانونية. بين معاهدة التسليم والمساعدة القضائية و«الإنتربول» والعقوبات والتعاون مع الدول التي تحتفظ بأصول مجمدة، توجد قنوات واضحة يمكن لدمشق استخدامها. العقبة هي تحويل إرث ضخم من الانتهاكات والفساد إلى ملفات فردية دقيقة، ثم الحصول على تعاون الدولة التي يوجد فيها الشخص أو المال. في موسكو تحديداً ستظل السياسة جزءاً من النتيجة. تستطيع سوريا أن تزيد كلفة الحماية وأن تضيق حركة المطلوبين وأن تثبت حقوقها أمام المحاكم، لكنها لا تستطيع إجبار روسيا على التسليم إذا قررت موسكو الرفض.
هل ينجو؟
صدر الحكم الغيابي بإعدام بشار الأسد في دمشق في 11 آب 2026، وهو تطور يضيف عقبة قانونية جديدة أمام تسليمه من روسيا، ولا يقربه بالضرورة. فمعاهدة تسليم المطلوبين الموقعة بين سوريا وروسيا عام 2022، والنافذة منذ حزيران 2023، تنص صراحة في المادة الخامسة على عدم تنفيذ التسليم إذا كانت الجريمة موضوع الطلب معاقباً عليها بالإعدام لدى الدولة الطالبة، إلا إذا قدمت تلك الدولة ضمانات تراها روسيا كافية بأن عقوبة الإعدام لن تُطبق على الشخص المطلوب. وبذلك تستطيع موسكو قانوناً تسليم الأسد رغم الحكم، لكن بشرط أن تلتزم دمشق رسمياً بعدم تنفيذ الإعدام بحقه، وهو ما قد يستدعي ضمانة سورية ملزمة أو معالجة الحكم بما يقنع الجانب الروسي.
أما إذا أصرت دمشق على تنفيذ حكم الإعدام، فتمنح المعاهدة روسيا أساساً واضحاً لرفض التسليم. وتوجد عقبة محتملة ثانية، إذ يمنع قانون الإجراءات الجنائية الروسي تسليم من مُنح اللجوء في روسيا بسبب خشية الاضطهاد السياسي، بينما أكدت مصادر روسية منذ كانون الأول 2024 أن الأسد مُنح اللجوء «لاعتبارات إنسانية». غير أن موسكو لم تنشر بالتفصيل الصفة القانونية الدقيقة لهذا اللجوء، ولذلك لا يمكن الجزم بأن مانع اللجوء المنصوص عليه في القانون ينطبق عليه تلقائياً.
عملياً، يضع الحكم دمشق أمام مفاضلة جديدة، فإذا كانت الأولوية لإحضار الأسد ومحاكمته حضورياً أو تنفيذ حكم قضائي بحقه، فقد تضطر إلى التخلي عن تنفيذ عقوبة الإعدام كجزء من طلب التسليم، بينما يبقى القرار النهائي في يد النيابة العامة والسلطات الروسية، ويظل البعد السياسي للعلاقة بين دمشق وموسكو عاملاً لا يقل وزناً عن النص القانوني.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: بشار يتعلم الروسية في موسكو!









