رابح-رابح بين تركيا وسوريا: حديث دبلوماسي أم طريق واقعي؟

الكاتب: أحمد علي
لا تكفي العبارة وحدها لتفسير العلاقة بين دولتين خرجتا من سنوات ثقيلة. «رابح-رابح» تبدو، في ظاهرها، صيغة دبلوماسية مريحة. لا تُغضب أحداً، ولا تُلزم أحداً كثيراً. لكنها حين تُقال عن تركيا وسوريا، وعن غازي عنتاب وحلب، وعن إعادة الإعمار والتجارة والحدود، تصبح أكثر من مجاملة. تصبح سؤالاً عن شكل الربح، وعن الجهة التي ستدفع الكلفة، وعن الشروط التي تجعل التعاون مصلحة مشتركة لا علاقة غير متوازنة بين اقتصاد قوي وسوق متعبة.
حديث السفير التركي في دمشق، نوح يلماز، جاء خلال «قمة الأناضول لاقتصادات المدن» في غازي عنتاب. قال إن علاقات تركيا وسوريا في المرحلة الجديدة تقوم على مبدأ «رابح-رابح»، وربط الاستقرار الدائم في سوريا بإعادة الازدهار الاقتصادي. وذهب أبعد من ذلك حين وصف تركيا بأنها بوابة سوريا إلى الأسواق العالمية وأوروبا، وسوريا بأنها ممر لوجستي استراتيجي لتركيا نحو الشرق الأوسط والخليج.
الكلام واضح في لغته، وهو دبلوماسي بلا شك، لكنه لا يتحرك في الفراغ. وراءه جغرافيا، وحدود، ومصالح، ودمار واسع يحتاج إلى إعادة بناء، وشركات تركية تبحث عن أسواق، واقتصاد سوري يحتاج إلى تشغيل واستيراد وتمويل وخبرة.
تركيا وسوريا: من اللغة الهادئة إلى الجغرافيا الصلبة
استعاد يلماز العلاقة بين غازي عنتاب وحلب بوصفها علاقة مدينتين متكاملتين أبعد من الحدود المرسومة. وهذه في الحقيقة ليست صورة رومانسية فقط. فقبل الحرب، كانت حلب مركزاً صناعياً وتجارياً أساسياً في سوريا، وكانت غازي عنتاب إحدى أهم القواعد الصناعية في جنوب تركيا. وبين المدينتين نشأت حركة تجارة وصناعة ونقل وعائلات وشبكات أعمال. لكن لاحقاً الحرب قطعت هذه الحركة، لكنها لم تلغِ أسبابها.
من هنا تأتي واقعية جزء من الخطاب التركي. فسوريا تحتاج إلى مواد بناء، طاقة، بنى تحتية، نقل، معدات، خدمات هندسية، واستثمارات. وتركيا تملك قدرة سريعة على توريد كثير من ذلك، بحكم القرب البري والخبرة الصناعية وعلاقات التجار في الشمال السوري. البنك الدولي قدّر كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، بينها 82 مليار دولار للبنية التحتية و75 مليار دولار للمباني السكنية و59 مليار دولار للمباني غير السكنية. كما قدّر الأضرار المباشرة بنحو 108 مليارات دولار، وذكر أن حلب وريف دمشق وحمص من أكثر المحافظات تضرراً.
هذه الأرقام لا تترك مجالاً واسعاً للإنكار. السوق السورية ستكون، لسنوات طويلة، سوق إعادة بناء. والسؤال ليس هل ستدخلها تركيا، بل كيف ستدخلها، وبأي قواعد، ولحساب من.
أين يقع الربح؟
الأرقام التجارية تعطي إشارة أولى إلى طبيعة العلاقة. قال وزير التجارة التركي عمر بولاط مطلع 2025 إن صادرات تركيا إلى سوريا بلغت 2.2 مليار دولار في 2024، مقابل واردات من سوريا بقيمة 438 مليون دولار. وذكّر بأن التجارة في 2011 كانت عند 1.8 مليار دولار صادرات تركية إلى سوريا و660 مليون دولار واردات تركية منها. وفي قمة غازي عنتاب الأخيرة، نُقل عن بولاط أن حجم التجارة بين البلدين تجاوز 3 مليارات دولار، وأن الهدف التالي هو بلوغ 5 مليارات دولار.
هذا المسار يعني أن تركيا تبيع لسوريا أكثر بكثير مما تشتري منها. والأمر مفهوم جزئياً، فالإنتاج السوري تضرر، وسلاسل التوريد ضعفت، والكهرباء والبنية التحتية لا تسمحان بعودة صناعية سريعة. لكن الفارق الكبير في الميزان التجاري يطرح جوهر المسألة. إذا بقيت العلاقة مجرد تدفق بضائع تركية إلى سوق سورية بحاجة إلى كل شيء، فستكون معادلة «رابح-رابح» عنواناً واسعاً لحقيقة أضيق.
الربح المتبادل لا يتحقق بمجرد فتح المعابر. يتحقق عندما تتحول التجارة إلى إنتاج، وعندما تدخل الاستثمارات في الداخل السوري لا في خطوط التوريد فقط، وعندما يعمل السوريون في منشآت تنتج وتصدّر، لا في أسواق تستهلك. يتحقق حين تستطيع حلب أن تستعيد جزءاً من دورها الصناعي، لا أن تتحول إلى محطة أخيرة لبضائع قادمة من غازي عنتاب.
يلماز دعا رجال الأعمال إلى عدم الاكتفاء بالتجارة قصيرة الأجل، والتوجه نحو شراكات استراتيجية طويلة المدى، خاصة في البنية التحتية ومواد البناء والطاقة. كما تحدثت تقارير سورية عن إمكان إنشاء مناطق إنتاج وتجارة منظمة بين غازي عنتاب وحلب. هنا يقع الامتحان. المنطقة المنظمة قد تكون أداة لإعادة تشغيل الصناعة السورية، وقد تكون ممرّاً لتوسيع نفوذ الشركات التركية. الفرق بين الأمرين لا تحدده النيات، بل القوانين والعقود ونسب العمالة وشروط التملك والتصدير وحماية المنتج المحلي.
متى تصبح الدبلوماسية واقعاً؟
البيئة السورية لا تزال صعبة، فالكهرباء ضعيفة، التمويل محدود، البنية التحتية متضررة، والقوانين الجمركية والاستثمارية في حالة تغير سريع. يلماز نفسه أشار إلى هذه التغيرات. وقد تكون مفيدة إذا كانت واضحة ومستقرة. لكنها قد تتحول إلى عبء إذا شعر المستثمر والمنتج والعامل بأن القاعدة تتبدل كل شهر.
ثم إن اللوجستيات لا تخص تركيا وحدها. توقيع سوريا اتفاقاً مع شركة CMA CGM لتشغيل ميناءين جافين في عدرا وحلب، وإطلاق قطار شحن تجريبي بين مرفأ اللاذقية وعدرا بعد توقف دام 14 عاماً، يوضحان أن دمشق تحتاج إلى شبكة أوسع من منفذ واحد. هذا مهم. لأن الشراكة المتوازنة لا تقوم على اعتماد أحادي، بل على تعدد المسارات.
لذلك تبدو عبارة «رابح-رابح» أقرب إلى دبلوماسية واقعية منها إلى دبلوماسية فارغة. هي تزيّن المصالح، لكنها لا تخترعها. توجد مصلحة تركية واضحة في إعادة الإعمار والتجارة واللوجستيات. وتوجد مصلحة سورية محتملة في التمويل والخبرة والتشغيل وفتح الأسواق. غير أن الاحتمال لا يصبح حقيقة من تلقاء نفسه.
حتى يكون الربح متبادلاً فعلاً، تحتاج سوريا إلى سياسة واضحة تجاه الاستثمار التركي. لا رفضاً مسبقاً، ولا انفتاحاً بلا شروط. المطلوب عقود شفافة، رقابة على الامتيازات، حماية للمنتج المحلي الناشئ، وتشغيل واسع للعمالة السورية، مع مسارات تسمح بتصدير منتجات سورية عبر تركيا لا باستيراد كل شيء منها.
الخلاصة بسيطة. كلام يلماز دبلوماسي، لكنه ليس كلاماً بلا أرض. الجغرافيا تمنحه بعض الواقعية، وحجم الدمار السوري يمنحه فرصة كبيرة، والتجارة القائمة تمنحه طريقاً مفتوحاً. لكن الطريق قد يسير باتجاهين، وقد يصبح باتجاه واحد. بين حلب وغازي عنتاب يمكن أن يولد تعاون نافع، ويمكن أن يولد اختلال جديد. الفارق تصنعه السياسة، لا العبارة.
فإذا كانت «رابح-رابح» تعني شراكة إنتاجية تعيد العمل إلى الداخل السوري، وتفتح منفذاً للصناعة السورية، وتوزع الفائدة بين الدولة والمنتج والعامل، فهي فكرة قابلة للتحقق. أما إذا كانت تعني سوقاً سورية أوسع للسلع التركية، مع فتات من الوظائف والخدمات، فستبقى صيغة أنيقة لميزان غير متوازن. هنا فقط يُختبر الكلام. لا في القمة، بل في المعبر والمصنع والعقد والأجر.
اقرأ أيضاً: أول مشاركة خارجية للجيش السوري الجديد: ما دلالات مناورات “إيفيس 2026” في تركيا؟









