ثقافة وتراث

رأس السنة.. احتفالات إنسانية تعود إلى ما قبل الميلاد!

بقلم هلا يوسف

لم تكن فكرة الاحتفال برأس السنة وليدة مناسبة دينية أو سياسية. بل هي فكرة عرفت منذ أن عرف الإنسان الزراعة، وتأمل الشمس والقمر، وتبدل الفصول. بمعنى آخر منذ أن انتبه إلى وجود قوانين تخضع لها الطبيعة. وبذلك خرجت فكرة تقسيم الزمن وتسميته وربطه بحياة الإنسان المختلفة اليومية والدينية. وعلى الرغم من أن العالم يكاد يجتمع على الاحتفال برأس السنة في الأول من كانون الثاني وفق التقويم الميلادي، إلا أن هذا التاريخ ليس سوى توقيت متأخر تابع لسلسلة طويلة من التقاويم والاحتفالات التي عرفتها الحضارات الإنسانية منذ آلاف السنين. وفي هذا المقال سنأخذكم في رحلة حول هذه التقاويم.

الاحتفال برأس السنة… فكرة أقدم من الأديان

على عكس الاعتقاد الشائع فإن الاحتفال برأس السنة لا يرتبط في أصله لا بالمسيحية ولا بالثقافة الغربية. فقبل نزول الديانات السماوية بقرون طويلة، كانت الحضارات القديمة تحتفل ببداية السنة بوصفها بداية مرتبطة بالطبيعة، وحركة الشمس، ونمو الزرع، وفيضان الأنهار.

وقد نشأت التقاويم الأولى في المناطق الزراعية الكبرى، حيث كان نجاح المحاصيل مرتبطاً بمدى الدقة في معرفة الفصول. ومن هنا، أصبحت بداية السنة حدثاً مصيرياً، تقام له الطقوس وتقدم فيه القرابين، ويعاد فيه تنظيم الزمن والحياة الاجتماعية.

التقويم البابلي… أول رأس سنة في التاريخ

يعد التقويم البابلي أقدم تقويم معروف ارتبط بفكرة الاحتفال الجماعي برأس السنة. فقد نظر البابليون إلى بداية السنة بوصفها عبوراً زمنياً من حالة إلى أخرى، وليس مجرد تغيير في العد الرقمي للأيام.

وكان رأس السنة البابلية يتزامن مع الاعتدال الربيعي، حين تتساوى ساعات الليل والنهار، وتبدأ الأرض في الإخضرار، ويعود النشاط الزراعي من جديد. وكانت تستمر احتفالات رأس السنة البابلية عدة أيام، وشملت طقوساً دينية تعكس فكرة تطهير الماضي، واسترضاء الآلهة، وضمان عام خصب وآمن.

ومن ثم انتقلت هذه الفكرة العميقة لرأس السنة فيما بعد إلى حضارات أخرى في الشرق القديم، وأثر بشكل مباشر في نشوء تقاويم لاحقة أبرزها التقويم الآشوري.

التقويم الآشوري… من أكيتو إلى النيروز

يعد التقويم الآشوري من أقدم التقاويم التي ما تزال حاضرة إلى اليوم. ويحتفل الآشوريون والسريان والكلدان برأس سنتهم في الأول من نيسان، من خلال عيد يُعرف باسم “أكيتو”، وتستمر طقوسه اثني عشر يوماً.

ويمثل عيد أكيتو بداية دورة حياة جديدة، إذ يرتبط بالأرض والزرع والربيع. وقد انتقل هذا العيد من بابل إلى آشور، ثم إلى شعوب أخرى، ما جعله أحد أكثر الأعياد تأثيراً في المنطقة.

ومع حلول عام 2026 ميلادياً، يدخل التقويم الآشوري عامه 6776، مما يعكس قِدم هذا التقويم. ويرى أنصاره أنه التقويم الشرقي الأصلي، لأنه يعتمد على حركة الشمس والاعتدال الربيعي، ويرتبط مباشرة بالطبيعة، وليس بالأحداث السياسية أو الدينية فقط.

مع توسع الإمبراطوريات وتداخل الشعوب، انتقل احتفال أكيتو إلى الفرس والكرد والآراميين وغيرهم، ليتحول مع الزمن إلى عيد الربيع المعروف باسم النيروز أو النوروز، والذي يُحتفل به في 21 آذار. ويعد هذا التاريخ هو نفسه بداية السنة في التقويم البابلي القديم، ما يعكس استمرارية الفكرة نفسها عبر آلاف السنين، رغم تغير الأسماء والثقافات.

التقويم القبطي

في مصر، نشأ التقويم القبطي بوصفه امتداداً مباشراً للتقويم المصري القديم، الذي يعد من أقدم التقاويم التي عرفتها البشرية. ويبدأ رأس السنة القبطية في 12 أيلول، ويُعرف باسم “النيروز” أي الأنهار، في إشارة إلى اكتمال فيضان نهر النيل.

وقد اعتمد المصريون القدماء في حساب سنتهم على ظهور نجم الشعرى اليمانية (سيريوس)، الذي كان ظهوره في فجر يوم معين إيذاناً ببدء الفيضان. وقسمت السنة إلى 13 شهراً، 12 شهراً كاملة، وشهر قصير من 5 أو 6 أيام.

ولا يزال هذا التقويم موجوداً في الحياة الزراعية المصرية، حيث يعتمد الفلاحون عليه في تنظيم مواسم الزراعة، ما يجعل رأس السنة القبطية بداية حقيقية لدورة العمل في الأرض.

إثيوبيا… تقويم مستقل ورؤية لاهوتية مختلفة

في إثيوبيا، يحتفل الناس برأس السنة الميلادية في الموعد نفسه تقريباً، غير أن تقويمهم يختلف عن الميلادي بنحو سبع أو ثماني سنوات. ويعود ذلك إلى اختلاف الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية مع الكنيسة الغربية حول تاريخ ميلاد المسيح عليه السلام.

وتعد إثيوبيا الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك تقويماً وطنياً مستقلاً من حيث عدد الشهور والأيام، ويكتسي الاحتفال بطابع ديني وشعبي واضح، حيث يرتدي الناس الملابس البيضاء، وتقام الولائم، في أجواء تفاؤل وبداية جديدة.

التقويم الصيني

يعتمد الصينيون تقويماً شمسياً قمرياً يعود تاريخه إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. وقد وضع أساساً لخدمة الزراعة، ومساعدة الفلاحين على معرفة مواسم الزرع والحصاد.

وتسمى كل سنة باسم أحد الحيوانات الاثني عشر، مثل التنين، والحصان، والقرد. وفي 25 كانون الثاني 2026، تستقبل الصين سنة الحصان الناري، التي توافق العام 4724 في تقويمها.

وتتميز احتفالات رأس السنة الصينية بطقوس خاصة، مثل تنظيف المنازل لطرد الحظ السيئ، وإطلاق الألعاب النارية، ورقصة التنين المرتبطة بأسطورة الوحش “نيان”، إضافة إلى التجمع العائلي وتبادل الهدايا.

رأس السنة الأمازيغية… الأرض والتاريخ معاً

في شمال أفريقيا، يحتفل الأمازيغ برأس سنتهم في 12 كانون الثاني، والذي يوافق عام 2976 في 2026 ميلادياً. ويتبادل الناس التهاني بعبارة “أسكاس أمباركي”.

ويختلف المؤرخون حول أصل هذا الاحتفال، فبعضهم يراه عيداً زراعياً مرتبطاً بالأرض والفلاحة، بينما يربطه آخرون بذكرى انتصار الملك الأمازيغي شيشناق على الفرعون رمسيس الثاني عام 950 قبل الميلاد. وتنعكس هذه الصلة بالأرض في الطقوس الغذائية، مثل إعداد أطباق تراثية وطبخ اللحم وتوزيع الحلويات. وقد اعترفت الجزائر بهذا اليوم عطلة رسمية منذ عام 2018.

التقويم الهجري

يعد التقويم الهجري المرجع الزمني لأكثر من مليار ونصف مليار مسلم. وهو تقويم قمري، ما يجعل سنته أقصر من السنة الميلادية بنحو 11 يوماً.

وقد اعتمد المسلمون الهجرة النبوية بداية للتقويم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعد الحاجة إلى توحيد التأريخ في المراسلات والمعاملات. ورغم اختلاف الآراء حول الاحتفال برأس السنة الهجرية، فإنه يظل مناسبة للتأمل واستحضار المعاني والدروس.

رأس السنة الميلادية… توحيد الزمن عالمياً

على الرغم من هذا التنوع الكبير في التقاويم، أصبح الأول من كانون الثاني رأس السنة الأكثر انتشاراً في العالم، وفق التقويم الغريغوري. وقد أُقر هذا التاريخ رسمياً في روما عام 45 قبل الميلاد بأمر من يوليوس قيصر، ثم انتشر في أوروبا خلال القرن السادس عشر، قبل أن يصبح المرجع الزمني العالمي.

وتؤكد المصادر التاريخية أن المصريين القدماء كانوا أول من احتفل ببداية العام الجديد منذ أكثر من 7500 سنة، ما يوضح أن الاحتفال برأس السنة ليس تقليداً حديثاً، بل مناسبة إنسانية نابعة من الحاجة العميقة للتجدد.

وعلى الرغم من اعتماد التاريخ الغريغوري للاحتفال برأس السنة، إلا أن هناك عدد محدود من الدول والمجتمعات التي ما تزال تعتمد التقاويم القمرية في تنظيم زمنها واحتفالاتها.

ويبدأ هذا العيد عالمياً من أقصى شرق الكرة الأرضية، حيث تكون جمهورية كيريباتي في المحيط الهادئ أول دولة تستقبل العام الجديد، قبل أن ينتقل الاحتفال تدريجياً غرباً مع تعاقب المناطق الزمنية. وعلى الطرف الآخر من العالم، يكون آخر من يودع العام القديم ويستقبل الجديد سكان ساموا الأمريكية وجزيرة الميدواي، وهما منطقتان تابعتان للولايات المتحدة، إضافة إلى نييوي، الكيان الذاتي الحكم المتحالف مع نيوزيلندا، وجميعها تقع في المحيط الهادئ.

أما في العالم العربي، فيصل موعد رأس السنة أولاً إلى سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، ثم يمتد الاحتفال تباعاً إلى باقي الدول العربية، ليكون آخرها موريتانيا، مما يعكس وحدة الزمن رغم اختلاف الجغرافيا واتساعها.

باختصار، يبقى احتفال رأس السنة مناسبة إنسانية أكثر من كونه مرتبطاً بدين أو منطقة بعينها. فكما يبيّن ما سبق، فإن فكرة بداية عام جديد قديمة قِدم الحضارات نفسها، رغم اختلاف مواعيدها وتقاويمها. ومع ذلك يبقى معناها واحداً، بوصفها لحظة للانتقال من زمن مضى إلى آخر جديد، وحصاد لما تحقق خلال عام كامل. ولا يقتصر هذا المعنى على الجانب الرمزي، بل يمتد إلى الواقع العملي، حيث تُربط نهاية العام وبدايته بالاتفاقيات السياسية والخطط المستقبلية، كما في اتفاق العاشر من آذار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، إضافة إلى البرامج التي يطلقها المسؤولون لتُنفذ مع حلول العام الجديد.

اقرأ أيضاً: عيد الميلاد في سوريا: من بهجة الفعاليات إلى دفء التقاليد المتوارثة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى