ثقافة وتراث

“ديون النوم” تلاحق السوريين.. دراسة علمية تكشف الحقيقة!

بقلم هلا يوسف

لا يمكن أن تسأل سوري اليوم عن نومه ويقول لك أنه ينام بانتظام، ويأخذ حاجته من النوم بشكل طبيعي. بل كل من تسأله يقول لك أنه مصاب بالقلق، ولا يكاد ينام خمس ساعات حتى يستيقظ، عدا عن النوم المتقطع. كل ذلك له أسباب وسط أزمات يعيشها السوريون، من ارتفاع المعيشة، والديون المتراكمة عليه، والأمراض النفسية التي تخلف وراءها أمراض متعلقة باضرابات النوم. ومع كل هذه المصائب، يظهر مفهوم “ديون النوم”، فتخيل عزيزي القارئ أن هذا المفهوم يلاحقك كما تلاحقك ديونك، لكن الثمن تدفعه من صحتك!

تشير مؤسسة النوم الأمريكية “National Sleep Foundation” إلى أن أكثر من ثلثي الأشخاص يعانون من اضطرابات في النوم تمتد لأشهر أو حتى سنوات، ويظهر هذا الرقم أن المشكلة لا تخص أفراد معينين، بل أصبحت تخص مجتمعات كاملة، وهذا ما جعلها مشكلة شائعة جداً. كما أن بيانات من أكثر من 160 ألف شخص أظهرت أن قلة النوم أصبحت نمط حياة عند الكثيرين دون الشعور بمدى خطورة هذا الأمر.

ما هو نقص النوم ولماذا يتراكم دون أن نشعر؟

حتى نكون قريبين من الفكرة بشكل بسيط، يمكن أن نعرّف نقص النوم بأنه الفرق بين ما يحتاجه جسمنا من نوم، وما نحصل عليه فعلياً. فإذا كان جسمك يحتاج 8 ساعات، وأنت تنام 6 فقط، فبذلك تخلق أنت كل ليلة “دين نوم” بمقدار ساعتين. ومع مرور الوقت، يتراكم هذا الدين حتى يصبح تأثيره على جسمك وعقلك ظاهراً بشكل واضح.

قد تقول أنك تنام لأربع ساعات وتستيقظ بكامل نشاطك. لكن الحقيقة أن جسمك يخدعك! فقد يتكيف ظاهرياً مع قلة النوم، لكن هذا لا يعني أنه بخير. فكثير من الدراسات تشير إلى أن الإنسان قد لا يشعر بتعب شديد، لكنه في الواقع يعاني من انخفاض في التركيز والأداء.

وقد أظهرت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أن أكثر من ثلث البالغين في الولايات المتحدة يحصلون على أقل من 7 ساعات نوم يومياً، وهو أقل من الحد الأدنى الذي توصي به أغلب الجهات الصحية.

ماذا تفعل قلة النوم في جسمك وعقلك؟

قد تعرف الكثير من تأثيرات قلة النوم على عقلك وجسدك لأنك مررت بها. فعندما يستمر الحرمان من النوم، يرتفع خطر الإصابة بأمراض مثل ارتفاع ضغط الدم، والسكري، وأمراض القلب، والسكتة الدماغية. كما له تأثير في إضعاف جهاز المناعة وزيادة الوزن واضطراب التمثيل الغذائي.

وتشير أبحاث منشورة في مجلة طب النوم “Journal of Sleep Medicine” إلى أن قلة النوم الشديد يعد العامل الأبرز لظهور الأمراض السابقة، ولا يمكن اعتبار أن تأثيره جانبي فقط.

أما على مستوى الدماغ، فالتأثير لا يقل أهمية. إذ أن النوم ضروري لتقوية الذاكرة وتنظيم التفكير. وعند نقصه، يضعف التركيز ويصبح اتخاذ القرار أصعب، حتى لو لم يشعر الشخص بذلك بوضوح.

وهنا لا بد من الحديث عن نقطة مهمة، وهي أن معظم الأشخاص يعوضون قلة النوم في عطلة نهاية الأسبوع. لكن الدراسات توضح عكس ذلك. فبحسب دراسة منشورة في مجلة “Current Biology” أن الأشخاص الذين ينامون أقل خلال الأسبوع ثم يحاولون تعويض النوم في عطلة نهاية الأسبوع، لا يتخلصون من الأثر السلبي بالكامل. بل ظهرت لديهم تغييرات في الوزن، وزيادة في الشهية، واضطراب في عمل الأنسولين بالجسم، وكأن هذا التعويض لا يكفي لسلامة الجسم.

كيف نتعامل مع نقص النوم ونحمي أنفسنا منه؟

بعد ذكر المعلومات السابقة قد يتساءل البعض ما الحل؟ الحقيقة أن الحل ليس معقداً، لكنه يحتاج إلى انتظام ووعي يومي. فأول خطوة هي أن تعرف عدد ساعات النوم التي تحتاجها. فأغلب البالغين يحتاجون ما بين 7 إلى 9 ساعات يومياً حسب توصيات National Sleep Foundation، بينما الأطفال والمراهقون يحتاجون أكثر من ذلك لأن أجسامهم ما زالت في مرحلة النمو.

بعد ذلك، تأتي العادات اليومية لتلعب دور في التنظيم، وذلك عبر الحفاظ على موعد نوم واستيقاظ ثابت، لأن هذا يساعد على ضبط “الساعة البيولوجية” للجسم. وإذا احتاج الشخص لتغيير وقت النوم، فعليه فعل ذلك تدريجياً وليس بشكل مفاجئ.

وقبل النوم بوقت قصير، من الأفضل عدم استخدام الهاتف أو الشاشات، لأن الضوء يؤثر على إفراز هرمون النوم “الميلاتونين”. بدل ذلك، يمكن اتباع روتين بسيط مثل القراءة أو تقليل الإضاءة أو الاسترخاء.

كما أن بيئة النوم تلعب دوراً كبيراً، فوجود غرفة هادئة، وإضاءة خافتة، ودرجة حرارة مناسبة تساعد الجسم على الدخول في نوم عميق.

وأما إذا كنت قد دخلت في دوامة “ديون النوم”، ومر وقت طويل وأنت محروم من النوم الجيد، فالحل ليس في السهر أكثر أو النوم لساعات طويلة في نهاية الأسبوع فقط. بل يمكن لقيلولة قصيرة (10 إلى 20 دقيقة) أن تساعدك مؤقتاً في تحسين التركيز، لكن التعافي الحقيقي يحتاج عدة أيام من النوم المنتظم.

بعض الدراسات تشير إلى أن التعافي الكامل من نقص نوم بسيط قد يستغرق عدة أيام، بينما الديون الكبيرة من النوم قد تحتاج إلى أكثر من أسبوع حتى تعود وظائف الجسم إلى طبيعتها.

في النهاية، جميعنا نعرف حجم الضغوط اليومية التي يمر بها السوريين، لكن يجب التذكير بأن النوم ليس رفاهية، بل ضرورة مثل الأكل والشرب. وصحيح أنه يمكننا سرقة كم ساعة في نهاية الأسبوع لاستعادة التركيز، إلا أن “ديون النوم” لا يمكن التخلص منها بهذه الطريقة، لأن الجسم يحتاج إلى نوم منتظم، وحتى أشغالنا وأعمالنا تحتاج إلى هذا النوم.

اقرأ أيضاً: دراسة علمية حول أسباب قلق الامتحانات وطرق التعامل معه لدى الطلاب

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى