ثقافة وتراث

دير الزور تحرس ذاكرتها من جديد.. هل تنجح في ذلك؟

بقلم: ريم ريّا

لا يقتصر غنى محافظة دير الزور في سوريا على الموارد النفطية والغازية والزراعية فقط، بل تضم أيضاً بعضاً من أهم المواقع الأثرية في سوريا والشرق الأوسط. فمن مملكة ماري القديمة إلى دورا أوروبوس، ومن حلبية وزلبية إلى قلعة رحبة، تمتد آلاف السنين من التاريخ على ضفاف نهر الفرات، شاهدةً على حضارات متعاقبة تركت بصماتها على المنطقة. إلا أن هذا التراث الثقافي واجه إحدى أصعب فتراته في سنوات الحرب السورية الأخيرة، حيث تحولت العديد من المواقع الأثرية إلى ساحات للتنقيب غير القانوني والنهب والتدمير وسط الحرب والألغام وانعدام الأمن والمؤسسات الخدمية. أما الآن، فتبدأ مرحلة جديدة تركز على حماية ما تبقى من هذه الكنوز وإعادة هذه المواقع إلى سابق عهدها.

دير الزور تسجل انخفاضاً في التعديات… لكن الخطر لم ينتهِ بعد

تشير المؤشرات الحالية إلى انخفاض ملحوظ في التعديات والتنقيب غير القانوني مقارنة بالسنوات السابقة. يعزى هذا التحسن إلى تشديد الإجراءات الأمنية وملاحقة المتورطين في سرقة الآثار، مما ساهم في ردع العديد من المجرمين. ورغم هذا التحسن، يؤكد الخبراء أن حماية المواقع الأثرية لا يمكن تحقيقها بالإجراءات الأمنية وحدها، بل تتطلب وجوداً مستمراً لحراس متخصصين وكوادر فنية وهندسية قادرة على مراقبة المواقع وصيانتها وكشف أي تعديات جديدة.

كما تضم دير الزور عشرات المواقع ذات القيمة التاريخية العالمية، إلا أن الجهات المعنية تعمل بموارد محدودة للغاية، سواء من حيث المعدات أو النقل أو الكوادر. هذا الواقع يؤكد أن حماية الآثار لم تعد مجرد قضية ثقافية، بل أصبحت تحدياً يتطلب استثماراً في الموارد البشرية، وتوفير المعدات، وإعادة تأهيل مؤسسات التراث الثقافي.

اقرأ أيضاً: الآثار في إدلب… تاريخ يواجه خطر الضياع

في آثار دير الزور.. أضرار لا يمكن إصلاحها

خلال سنوات الحرب التي عصفت بالبلاد، تعرضت مواقع أثرية بارزة لعمليات تنقيب عشوائية ونهب منظم. كما تعرض متحف دير الزور لأضرار جسيمة نتيجة الاشتباكات، بينما هُرّبت آلاف القطع الأثرية خارج البلاد عبر شبكات تهريب استغلت حالة الفوضى. لم تقتصر الأضرار على سرقة الآثار، بل امتدت لتشمل تدمير أجزاء لا تُعوّض من المواقع التاريخية. فقيمة الموقع الأثري لا تكمن فقط في محتوياته، بل أيضاً في طبقاته التاريخية وتسلسله العلمي، والتي تتضرر جراء أي تنقيب غير سليم.

يرى الخبراء أن الحفاظ على المواقع الأثرية ليس مسؤولية ثقافية فحسب، بل هو أيضاً استثمار اقتصادي طويل الأجل. قبل سنوات، نشطت فرق تنقيب أجنبية في العديد من المواقع في دير الزور، موفرةً فرص عمل للسكان المحليين، بينما أنعشت السياحة الأسواق والخدمات المحيطة بالمواقع الأثرية. مع تحسن الأوضاع في المستقبل، يمكن لهذا القطاع استعادة بعض أدواره السابقة، سواء من خلال السياحة الثقافية أو استقطاب الوفود الأكاديمية. وهذا من شأنه أن يُدرّ دخلاً للمجتمعات المحلية ويجعل التراث عنصراً أساسياً في التنمية.

المجتمع الديري شريك في الحفاظ على التراث

إلى جانب الدور الرسمي، يضطلع المجتمع المحلي بدورٍ هام في حماية المواقع الأثرية من خلال التوعية بأهميتها والإبلاغ عن أي تعدٍّ عليها. كما يشارك وجهاء المجتمع الديري والسلطات والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام في ترسيخ ثقافة الحفاظ على التراث باعتباره إرثًا للأجيال القادمة. وقد بدأت المبادرات المحلية أيضاً في استخدام التقنيات الرقمية لتوثيق المواقع التاريخية وإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد لها، وذلك بهدف الحفاظ على الذاكرة المعمارية حتى في الأماكن المتضررة.

بالمحصلة، تكشف الآثار المتبقية في دير الزور عن سجلٍ واضحٍ لحضاراتٍ ازدهرت على ضفاف نهر الفرات لآلاف السنين. ويُعدّ الانخفاض الحالي في التعديات خطوةً إيجابية، ولكنه غير كافٍ وحده لضمان حمايتها. إذ تتطلب الخطوة التالية استكمال جهود إعادة التأهيل، وتوفير الكوادر المؤهلة والموارد اللازمة، وإطلاق مشاريع ترميم وصيانة تُعيد لهذه المواقع رونقها السابق. فالحفاظ على الآثار لا يقتصر على حماية الأحجار فحسب، بل يتعلق الأمر بحماية الهوية التاريخية والثقافية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة سوريا ومستقبلها.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى