دون نمو وعدالة.. الاقتصاد السوري عجين جديد بطحين قديم!
الشراكة لا الخصخصة.. هكذا يقال لكن ما حقيقة الأمر؟

الكاتب: أحمد علي
للوهلة الأولى تبدو الكلمة مطمئنة، فعندما يسمع المواطن السوري عبارة «الشراكة لا الخصخصة» في الحديث عن علاقة القطاع العام بالخاص يهدأ قليلاً، أي لا بيع مباشر لأصول الدولة، ولا إعلان صريح عن انسحاب القطاع العام من ميادينه القديمة. لكن لا يمكن التماس هوية الاقتصاد وقراءته من الكلمات وحدها والعبارات الطنانة، فالفصل للعقود ونوعها وما ستتضمن، ولطبيعة الملكية، ومدة التشغيل، والجهة التي تتحمل الخسارة، والجهة التي تحصل على الربح.
لهذا يصبح السؤال السوري اليوم أعمق من عنوان اقتصادي عابر في نشرات الأخبار أو أحاديث المسؤولين، فهل تتجه الدولة إلى نموذج شراكة يفتح باب الاستثمار ويحافظ في الوقت نفسه على دورها كضامن للمصلحة العامة؟ أم أن الشراكة قد تتحول، من دون رقابة وشفافية، إلى خصخصة معلنة أو غير معلنة تطيح بمكتسبات الشعب السوري؟
الشراكة لا الخصخصة؟ أين يبدأ الفرق؟
وضعت الوقائع الأخيرة هذا السؤال في واجهة الحدث الاقتصادي السوري. في الأول من حزيران 2026، أطلقت وزارة الاقتصاد والصناعة في دمشق المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبشراكة مع حكومة اليابان. والهدف المعلن من المؤتمر كان تمكين القطاع الخاص من الإسهام في صياغة رؤية مشتركة لمستقبل الاقتصاد السوري، وتحديد أولويات التعافي، وبناء اقتصاد تنافسي ومستدام قائم على شراكة فعالة بين القطاعين العام والخاص.
وفي حديث له، قال وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار في الافتتاح إن سوريا تمر بمرحلة تاريخية يتساءل فيها الخبراء والمستثمرون عن النموذج الاقتصادي الذي ستتبعه الدولة الجديدة. لم يقدّم الأمر بوصفه بحثاً في فرصة استثمارية محددة، بل بوصفه نقاشاً في مستقبل اقتصادي كامل.
ومن جانبه، تحدث وزير المالية محمد يسر برنية، وفي المؤتمر نفسه، عن تحول استراتيجي من نموذج الدولة الراعية إلى دولة تعتمد في تحقيق التنمية والنمو على مساهمة القطاع الخاص بوصفه المحرك الرئيسي للاقتصاد.
وهنا يدخل المعنى الحقيقي للعبارة، فإذا كان القطاع الخاص محركاً للنمو، فما دور الدولة؟ هل تصبح ناظماً وضامناً ومراقباً، أم تتحول إلى مالك قديم يسلّم الأصول لمن يديرها؟ الفرق بين الحالتين كبير، في الأولى تكون الشراكة أداة لتعويض نقص التمويل والخبرة، وفي الثانية تصبح الخصخصة اسماً آخر، أقل استفزازاً.
الدولة تنظّم أم تنسحب؟
لا يمكن فهم اندفاع دمشق نحو الشراكة من دون حجم الخراب، قدّر البنك الدولي في تشرين الأول 2025 كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. وقدّر الأضرار المادية المباشرة بنحو 108 مليارات دولار، منها 52 ملياراً في البنية التحتية، و33 ملياراً في المباني السكنية، و23 ملياراً في المباني غير السكنية، فالرقم الأكبر ليس 216 ملياراً فقط، بل أن الكلفة تقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي المتوقع لعام 2024.
هذه أرقام لا تستطيع الخزينة وحدها حملها، وحتى لو توفرت إرادة سياسية كاملة، فإن تمويل الكهرباء والنقل والمياه والسكن والزراعة والصناعة يحتاج إلى مصادر أكبر من قدرة الدولة الحالية، لذلك يصبح استدعاء القطاع الخاص مفهوماً.
قال صندوق النقد الدولي، بعد زيارة فريقه إلى دمشق بين 15 و19 شباط 2026، إن الاقتصاد السوري يواصل التعافي، وإن النشاط تحسن بدعم من زيادة ثقة المستهلكين والمستثمرين، وعودة اللاجئين، وتحسن إمدادات الكهرباء، والأمطار، وعودة الاندماج الإقليمي التدريجي. لكنه تحدث أيضاً عن دعم فني واسع لوزارة المالية والمصرف المركزي وتحسين الإحصاءات.
في اليوم الثاني من مؤتمر القطاع الخاص، ظهرت أمثلة عملية.. وزير النقل يعرب بدر قال إن قطاع النقل يحتاج إلى هيئة ناظمة تضبطه، وتضع المعايير، وتنظم الشراكة مع القطاع الخاص. وذكر أن أكثر من نصف شبكة السكك الحديدية خارج الخدمة، ودعا إلى مساهمة القطاع الخاص في إعادة تشغيل الخطوط. هذا مثال واضح.
لكن وجود الحاجة لا يلغي السؤال، من يملك الخط بعد إعادة تشغيله؟ من يحدد التعرفة؟ من يراقب جودة الخدمة؟ ماذا يحدث إذا فشل المستثمر؟ هل يحصل المواطن على خدمة أرخص وأفضل، أم يدفع كلفة أعلى باسم التعافي؟
الزراعة تطرح السؤال نفسه. تحدث وزير الزراعة باسل السويدان عن فرص كبيرة للاستثمار الزراعي، وعن توجه لإطلاق الشركة السورية القابضة للاستثمارات الزراعية، حيث ستُنقل المنشآت الإنتاجية إليها بهدف تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص وتحقيق التكامل مع المزارعين. الصيغة تبدو عملية، لكنها تحتاج إلى وضوح. نقل المنشآت إلى شركة قابضة قد يكون أداة إدارة حديثة، وقد يصبح باباً لإعادة توزيع السيطرة الاقتصادية إذا غابت القواعد العلنية.
السياحة أيضاً حضرت في الصورة، تحدثت وزارة السياحة عن إعادة تفعيل فنادق ومنشآت متوقفة منذ عام 2006، وعن دورات مجانية في المعهد الفندقي وتخصيص ألف منحة لتأهيل الكوادر. وهذا النوع من الملفات يُظهر أن الاقتصاد الجديد لا يتعلق بالمشاريع الضخمة وحدها، بل بإعادة تشغيل أصول معطلة منذ سنوات. غير أن تشغيل الأصل العام لا يكفي، يجب أن يُعرف لمن يذهب العائد، ومن يحمي العمال، ومن يمنع تحويل الخدمة العامة إلى فرصة احتكارية.
الاختبار في العقود لا في الشعار
تاريخ الشراكة في سوريا لا يبدأ اليوم، فقبل الحرب وخلالها طُرحت صيغ مختلفة من الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وكتب باحثون عن أنها، في بعض التجارب، أزاحت الدور المركزي للقطاع العام في مشاريع كبرى كالكهرباء والنقل، وجعلت الدولة أقرب إلى ميسّر للأرض والإعفاءات والتحويلات منه إلى شريك متكافئ. لذلك لا يكفي أن تقول الدولة إن المسار ليس خصخصة، بل عليها أن تثبت ذلك في الوثائق.
والمعيار بسيط نسبياً، الشراكة لا تعني بيع الأصل، ولا تعني تسليم القرار الاقتصادي بالكامل، ولا تعني أن يتحمل المجتمع الخسارة بينما يحتكر المستثمر الربح. الشراكة التي تستحق اسمها يجب أن تجعل الدولة قادرة على الرقابة، والمواطن قادراً على المساءلة، والعقد قابلاً للفهم، والعائد قابلاً للقياس.
وذهبت تحذيرات مراكز بحثية حول موجة المشاريع الضخمة في سوريا إلى نقطة مشابهة. فبعض التقارير أشارت إلى أن الإعلانات الاستثمارية الكبيرة، ومنها مذكرات التفاهم بمليارات الدولارات، لا تكشف دائماً طريقة اختيار الشركاء، ولا تفاصيل الملكية والتشغيل على المدى الطويل، ولا حدود التشاور العام. وهذه للحق، ليست ملاحظة شكلية، فالغموض في بلد خارج من حرب طويلة ليس مسألة إدارية، بل هو -ودون مبالغة- خطر اقتصادي وسياسي.
والخصوصية السورية تجعل المسألة أكثر حساسية، ملايين السوريين لا ينتظرون نموذجاً اقتصادياً نظرياً. ينتظرون كهرباء، عملاً، أجوراً، مواصلات، زراعة قادرة على الإنتاج، وسكناً لا يبتلع العمر. لذلك فإن سؤال الهوية الاقتصادية ليس نقاشاً بين خبراء فقط، هو سؤال معيشة. إذا تحولت الشراكة إلى نمو من دون عدالة، أو إلى مشاريع فوقية لا تمس حياة الناس، فلن تقنع أحداً، وإذا بقي القطاع العام باسمه القديم من دون قدرة إنتاجية، فلن يحل المشكلة أيضاً.
المطلوب ليس خوفاً من القطاع الخاص، ولا تسليماً كاملاً له، بل المطلوب صيغة دقيقة. دولة قوية بما يكفي لتنظم وتراقب، وقطاع خاص منتج لا يعيش على الامتيازات، وعقود مكشوفة، ومنافسة حقيقية، وضرائب عادلة، وسياسات تمنع الاحتكار. عندها تصبح الشراكة أداة تعافٍ، دون ذلك، تصبح كلمة لطيفة تغطي انتقال الثروة العامة إلى أيد محدودة.
الخلاصة أن سوريا لا تحسم هويتها الاقتصادية بإعلان أن الشراكة بديل عن الخصخصة، فالحسم يبدأ بعد الإعلان. يبدأ عندما تُنشر العقود، وتُعرف مدد الامتياز، وتُحسب كلفة الخدمة على المواطن، وتظهر جهة رقابية قادرة على السؤال والمحاسبة.
ختاماً، البلد يحتاج إلى رأس مال، هذه حقيقة، ويحتاج أيضاً إلى دولة لا تنسحب من دورها، وهذه حقيقة أخرى وأكثر أهمية ربما. وبين الحقيقتين تقف الهوية الاقتصادية الجديدة في سوريا.. وإذا فشلت في الجمع بين النمو والعدالة، فلن تكون شراكة ولا تعافياً، بل ستكون عجيناً جديداً من طحين قديم!
اقرأ أيضاً: استثمار معمل مياه الدريكيش بين مخاوف الخصخصة والتطوير









