سياسة

دولة واحدة دون “مربعات أمنية”: شمال شرقي سوريا بعد الاتفاق

بقلم هلا يوسف

تشهد مناطق شمال شرقي سوريا مرحلة جديدة من التحولات السياسية والميدانية، تعكس تغيراً واضحاً في طبيعة العلاقة بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. هذه التحولات لم تأتِ نتيجة تطور واحد، بل جاءت نتيجة تفاهمات سياسية، وضغوط إقليمية ودولية، وتغيرات في موازين القوى على الأرض، خاصة مع تراجع هامش المناورة أمام “قسد” واقتراب ملف السيادة ووحدة الأراضي السورية من صدارة المشهد.

فالانسحابات العسكرية، وإعادة الانتشار الأمني، واللقاءات السياسية رفيعة المستوى، والحديث المتزايد عن دمج المؤسسات والسلاح والموارد الاقتصادية، كلها مؤشرات على أن المنطقة تقف عند مفترق طرق. لكن في المقابل، يطرح هذا المسار أسئلة جوهرية: ما الذي جرى تطبيقه فعلياً من الاتفاق المعلن؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار هذه الخطوات بداية حقيقية لإنهاء الانقسام، وليس مجرد إعادة إنتاج لترتيبات أمنية سابقة لكن بصيغ جديدة؟

اتفاق قسد والحكومة السورية: ما الذي يطبق على أرض الواقع؟

بدأ التنفيذ الميداني للاتفاق بين الطرفين بالظهور بشكل واضح في محيط مدينتي القامشلي والحسكة، حيث انسحبت وحدات عسكرية تابعة “لقسد” من مناطق ريفية ونقاط تماس، وأعادت انتشارها داخل قواعدها العسكرية. بينما تولت قوى الأمن الداخلي “الأسايش” المسؤولية الكاملة عن تأمين المدن والمناطق السكنية، وفق ما تم الإعلان عنه على أنه جزء من الاتفاق مع دمشق.

وأظهرت تسجيلات مصورة خروج آليات عسكرية ثقيلة، من بينها عربات مدرعة ومركبات همر وشاحنات مزودة برشاشات ثقيلة، تحمل رايات وحدات حماية الشعب، المكون الرئيسي لقسد. وأكد قادة في “الأسايش” أن ثلاث وحدات من قسد تم تخصيصها لمهام حماية الحدود، في حين أصبحت مهام الأمن الداخلي داخل المدن محصورة بالقوى الأمنية فقط، دون وجود أي تشكيلات مسلحة أخرى.

وتزامنت هذه الخطوات مع لقاءات بارزة على المستوى الدولي، كان أهمها الاجتماع الذي عقد على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، وجمع وزير الخارجية السوري “أسعد الشيباني” وقائد قسد “مظلوم عبدي”، بحضور وزير الخارجية الأميركي.

وجرى التركيز خلال اللقاء على آليات تنفيذ اتفاق الاندماج ومراحله المقبلة، مع تأكيد متبادل على وحدة سوريا وسيادتها، ودور الولايات المتحدة في تسهيل هذا المسار ودعمه، لا سيما في ملف مكافحة تنظيم “داعش”.

وقد أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري بدء انسحاب القوات من محيط القامشلي والحسكة، مقابل انتشار قوى الأمن الداخلي التابع للحكومة في المناطق التي انسحب منها الجيش، مع تأكيد استمرار “المراقبة والتقييم” لتحديد الخطوة التالية. كما أُعلن عن تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في محافظة الحسكة للحكومة السورية، في خطوة تم وصفها بأنها جزء من بسط السيادة الاقتصادية وإنهاء أي إدارة موازية للموارد الطبيعية.

في السياق ذاته، أعلنت وزارة الداخلية السورية الإفراج عن عدد من عناصر “قسد” الذين سلموا أنفسهم وأسلحتهم طوعاً، بعد التأكد من عدم تورطهم في أعمال إجرامية، في إطار مسار إعادة الدمج وفتح باب العودة. كما كلفت الحكومة مرشح قسد “نور الدين عيسى” بمنصب محافظ الحسكة، في إشارة إلى محاولة احتواء المرحلة سياسياً وإدارياً.

أما ملف السلاح، فيعد من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً. إذ لا تتحدث الرواية الرسمية عن تسليم فوري للأسلحة، بل عن دمج التشكيلات العسكرية ضمن بنية الجيش السوري، بما يعني إخضاع السلاح للقيادة المركزية للدولة. إلا أنه حتى الآن لم يتم الإعلان عن جداول زمنية أو آليات تفصيلية لتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، رغم التأكيد المستمر على مبدأ “الجيش الواحد” كركيزة أساسية للاتفاق.

التخوف من المربعات الأمنية

رغم ما سبق لا تزال المخاوف حاضرة بقوة من أن يتحول الاتفاق إلى نسخة معدلة من نموذج “المربعات الأمنية” الذي كان سائداً في سنوات سابقة في عهد النظام السابق، حيث حافظت قوات النظام السابق على وجود لها داخل مربعين أمنيين في الحسكة والقامشلي دون أي تأثير لهما على أرض الواقع، فتداخلت مناطق السيطرة دون حسم فعلي للسيادة.

هذه المخاوف تعززت مع انسحاب وحدات من الجيش السوري من بعض المناطق، مقابل الاكتفاء بانتشار أمني محدود، ما يفتح الباب أمام سيناريو يقوم على مركزية إدارية من جهة، ولا مركزية أمنية من جهة أخرى.

يشير باحثون ومحللون إلى أن غموض الاتفاق وغياب سقف زمني واضح يتيح لكل طرف تفسير البنود بما يخدم مصالحه. فبينما ترى دمشق في الاتفاق مدخلاً لإنهاء الانقسام وبسط السيطرة الكاملة، تخشى أطراف أخرى من أن يقتصر التطبيق على ترتيبات أمنية، دون تسليم فعلي للإدارة المدنية والعسكرية.

ويحذر بعض الخبراء من أن محاولة قسد دفع الاتفاق نحو إطار أمني فقط، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج وجودها داخل مؤسسات الدولة بغطاء حكومي، ما يجعل تفكيك هذا النموذج لاحقاً أكثر تعقيداً. بينما يرى آخرون أن الظروف الإقليمية والدولية، خاصة الموقف التركي الداعم لفكرة “الدولة الواحدة والجيش الواحد”، لا تسمح بعودة نماذج ازدواجية طويلة الأمد.

في هذا السياق يتم طرح سيناريوهات متعددة، من بينها لامركزية أمنية مؤقتة تدار عبر قوى الأمن الداخلي، بالتزامن مع المضي نحو المركزية الكاملة لكن بطريقة تدريجية. غير أن نجاح أي من هذه السيناريوهات يبقى مرتبطاً بعامل الثقة بين الأطراف، ومدى جدية التطبيق على الأرض.

باختصار، يمكن القول إن الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” دخل مرحلة التنفيذ، لكنه لا يزال في بداياته، ويخضع لاختبارات ميدانية وسياسية معقدة. فالخطوات التي تم إنجازها حتى الآن تعكس إرادة حقيقية لإنهاء حالة الانقسام، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الحسم الكامل، خاصة في الملفات الأكثر حساسية مثل السلاح والإدارة والسيادة الأمنية. وبالتالي ستكون المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد الاتجاه النهائي: إما مسار اندماج تدريجي يقود إلى دولة مركزية موحدة، أو حلول مؤقتة تعيد إنتاج أزمات قديمة بأشكال جديدة. وما بين هذين الخيارين، يبقى مستقبل شمال شرقي سوريا مرتبطاً بتنفيذ الاتفاقيات خطوة بخطوة لحين الوصول إلى الاستقرار الكامل.

اقرأ أيضاً: أين وصل اتفاق دمشق وقسد الآن وهل من خلافات؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى