سياسة

دولار بسعرين بين دمشق والحسكة: لماذا لم تتوحد سوق الصرف السورية؟

الكاتب: أحمد علي

بلغ سعر شراء الدولار في السوق الموازية بدمشق قرابة 130.25 ليرة سورية جديدة في 8 آب 2026، بينما وصل في الحسكة إلى 144.75 ليرة، أي بفارق يتجاوز 11% بين مدينتين تستخدمان العملة الوطنية نفسها. وفي النشرة الرسمية لمصرف سوريا المركزي كان متوسط الدولار 122 ليرة جديدة في 6 آب. تظهر بذلك فجوة مزدوجة. السوق الموازية ابتعدت عن السعر الرسمي، ثم انقسمت هي نفسها جغرافياً بين دمشق والحسكة، فيما ما زالت عملية سحب العملة القديمة تحتاج إلى تمديد خاص في الحسكة والرقة ودير الزور حتى 20 آب.

الفارق لا يعني وجود سعرين رسميين للدولار. الأسعار في دمشق والحسكة تقديرات لسوق موازية ينقلها متابعون محليون وليست نشرة صادرة عن المصرف المركزي. لكنه يكشف مشكلة عملية في توحيد سوق الصرف السورية، لأن الفروق الكبيرة بين المدن يفترض أن تضيق عندما تكون حركة النقد والتحويلات والمصارف والتجارة سهلة. استمرارها يعني أن الوصول إلى الليرة الجديدة والدولار والخدمات المالية ما زال غير متساوٍ، وأن الوحدة السياسية والقانونية للسوق لم تتحول بالكامل إلى شبكة نقدية واحدة.

سوق الصرف السورية بين مدينتين

توضح أرقام الأيام الأولى من آب حجم الفجوة. نشرت مواقع محلية في 8 آب سعراً في الحسكة بلغ 144.75 ليرة جديدة للشراء و145.75 للبيع، بينما كانت مؤشرات السوق في دمشق تدور حول 130 ليرة. وفي 6 آب نقلت «ألترا سوريا» عن متتبعي السوق سعراً في دمشق بين 129.60 و130.10 ليرة، مقابل 144.75 و145.75 في الحسكة. الفارق ظل واسعاً عبر عدة أيام، ما يقلل احتمال أن يكون مجرد حركة لحظية في مجلس صرافة أو خطأ في الرصد.

السوق نفسها تحمل سعراً ثالثاً هو السعر الرسمي. نشر مصرف سوريا المركزي متوسطاً قدره 122 ليرة للدولار في 6 آب، فيما نقلت مواقع اقتصادية عن النشرة سعر شراء 121.50 ومبيع 122.50. وجود فارق بين الرسمي والموازي معروف في اقتصادات تعاني قيوداً على النقد الأجنبي، لكن اتساع الفارق داخل السوق الموازية بين المحافظات يعكس كلفة إضافية مرتبطة بالمكان والقدرة على نقل الأموال.

تعمل المراجحة عادة على إغلاق مثل هذه الفروق. يستطيع صراف، نظرياً، شراء الدولار في مدينة أرخص وبيعه في مدينة أغلى إلى أن تتقارب الأسعار. هذا لا يحدث بسهولة عندما تكون حركة النقد مكلفة أو معرضة للمخاطر، والتحويلات المصرفية محدودة، والسيولة الجديدة موزعة بشكل غير متوازن. لذلك يصبح سعر الحسكة حاملاً لكلفة الوصول إلى النقد، وليس تعبيراً عن قيمة مختلفة للدولار في ذاته.

ظهرت نسخة أكثر وضوحاً من التشوه خلال استبدال العملة. وثق أحد المواقع المحلية في 28 تموز وجود سعرين للدولار داخل الحسكة نفسها بحسب نوع الليرة المستخدمة في الدفع، إذ كان الدولار يقارب 139 ليرة جديدة مقابل ما يعادل نحو 143 ليرة عند الدفع بالأوراق القديمة. نقل التقرير عن خبير اقتصادي أن الفارق نتج عن ضيق الوقت وتأخر وصول العملة الجديدة واضطراب السوق، لا عن اختلاف جوهري في قيمة الورقتين وفق قرار الاستبدال.

العملة الجديدة وصلت بسرعات مختلفة

بدأت سوريا مطلع 2026 عملية استبدال نقدي واسعة بعد إصدار عملة جديدة وحذف صفرين من القيم الاسمية، بحيث تعادل الليرة الجديدة مئة ليرة قديمة. الهدف المعلن كان تبسيط التعاملات وتحسين الثقة وكفاءة التداول. الإصدار الجديد وحّد الوحدة الحسابية، لكنه لم يوحد البنية التي تصل عبرها النقود إلى الناس. هذا الفرق ظهر بحدة في الشمال الشرقي.

بقيت مؤسسات مصرفية حكومية في الحسكة خارج العمل الطبيعي خلال مراحل من عملية الاستبدال، بحسب تقارير ميدانية في حزيران، بينما ظلت أجزاء من المحافظة تمر بترتيبات إدارية وأمنية مرتبطة بدمج المؤسسات بعد سنوات من سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية». في 24 حزيران أعلن المركزي تخصيص 11 مركزاً لاستبدال العملة في المحافظة بعد شكاوى من غياب الخدمة، ثم استمرت الاختناقات في تموز مع تركّز المراجعين في منافذ محدودة.

الإجراءات الرسمية في آب تؤكد أن المشكلة لم تنته مع انتهاء المهلة العامة في 30 تموز. أعلن المركزي بدء سحب العملة القديمة لمدة خمس سنوات، لكنه مدد الاستبدال المباشر في دير الزور والرقة والحسكة حتى 20 آب، عبر فروعه ومنافذ المؤسسة السورية للبريد. وفي الرقة اضطرت الجهات الرسمية إلى زيادة كوى الخدمة والكوادر وتنظيم حركة المراجعين بسبب الازدحام. هذه الاستثناءات لا تثبت وحدها سبب ارتفاع سعر الحسكة، لكنها تظهر أن دورة النقد في الشرق لم تصل بعد إلى الظروف نفسها الموجودة في دمشق.

التحول إلى الدولار يصبح استجابة مفهومة عندما يخشى صاحب المدخرات أن يتأخر في استبدال أوراقه أو لا يجد قناة مصرفية قريبة. زيادة الطلب المحلي على الدولار ترفع سعره حتى لو بقي السعر في دمشق مستقراً. ويزداد الأثر إذا كانت التجارة في الحسكة مرتبطة بمسارات حدودية وأسواق مختلفة، أو إذا احتاج التجار إلى نقد أجنبي لتسوية مشتريات لا تمر عبر النظام المصرفي الوطني.

المتضرر المباشر هو صاحب الدخل بالليرة في المنطقة الأعلى سعراً. الموظف الذي يتقاضى أجراً موحداً على المستوى الوطني يشتري دولاراً وسلعاً مستوردة بكلفة أعلى إذا كان سعر الصرف المحلي أعلى. كما يخسر من بقيت لديه أوراق قديمة عندما يعرض عليه السوق خصماً لقاء تحويلها إلى العملة الجديدة أو الدولار. في الجهة الأخرى يستطيع بعض الوسطاء الاستفادة من فروق الأسعار إذا امتلكوا القدرة على نقل السيولة، لكن لا توجد بيانات منشورة تسمح بتحديد حجم هذه الأرباح أو نسبتها إلى عمليات غير قانونية، ولذلك لا يمكن نسبتها إلى فئة بعينها.

التوحيد يبدأ من البنية المالية

إعادة توحيد سعر الصرف تحتاج إلى أكثر من طباعة أوراق جديدة. المطلوب أن يستطيع التاجر أو الفرد تحويل المال بين الحسكة ودمشق بكلفة منخفضة، وأن تعمل المصارف وفروع الصرافة وفق قواعد واحدة، وأن تصل السيولة من المصرف المركزي إلى مختلف المحافظات وفق الطلب الفعلي. كلما تقلصت كلفة التحويل والنقل، يصبح تحقيق الربح من فرق السعر أسهل، وتدفع المراجحة السوقين نحو التقارب.

للسعر الرسمي دور أيضاً. بقاء الدولار الرسمي عند 122 ليرة بينما تتحرك السوق الموازية في دمشق حول 130 وفي الحسكة فوق 144 يعني أن الوصول إلى القطع بالسعر الرسمي ليس متاحاً بصورة تجعل هذا السعر مرجعاً وحيداً لكل التعاملات. توحيد السوق يتطلب توسيع القنوات القانونية لتمويل الاستيراد والتحويل، وربط شركات الصرافة والمصارف بنظام تسوية قادر على نقل السيولة بين المحافظات، لا الاكتفاء بتشديد الرقابة على التعاملات خارج القنوات الرسمية.

السياسة النقدية تواجه هنا إرث سنوات من التجزؤ. خلال الحرب اعتمدت مناطق مختلفة على الدولار والليرة التركية والعملات المحلية بدرجات متفاوتة، وظهرت شبكات تحويل غير مصرفية لتعويض غياب البنوك. إعادة مؤسسات الدولة إلى هذه المناطق لا تمحو الشبكات القديمة فوراً. الناس والتجار يغيرون سلوكهم عندما تصبح الخدمة الجديدة أسرع وأقل كلفة وأكثر موثوقية من البديل الذي استخدموه لسنوات.

يحتاج المركزي كذلك إلى بيانات إقليمية أكثر انتظاماً. نشر متوسط وطني أو نشرة رسمية لا يوضح مقدار السيولة المتاحة في كل محافظة، ولا حجم التحويلات أو الفجوة بين العرض والطلب على الدولار محلياً. مراقبة الفروق الجغرافية نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة إنذار مبكر، لأن اتساعها يدل على عائق في حركة المال حتى قبل أن يظهر في معدل صرف وطني.

العملة الجديدة عالجت مشكلة الحجم الاسمي للأوراق وبدأت إزالة جزء من إرث الإصدار القديم، لكنها لم تستطع وحدها أن تجعل الحسكة ودمشق سوقاً نقدية واحدة. الفارق الحالي مرتبط بمرحلة انتقالية وبنية مصرفية غير متجانسة ومسارات تجارة وسيولة مختلفة. نجاح التوحيد سيظهر عندما يصبح نقل الليرة والدولار بين المحافظات أمراً عادياً، وعندما تضيق الفجوة بين أسعار السوق من دون أوامر استثنائية لتمديد الاستبدال أو طوابير للوصول إلى النقد.

اقرأ أيضاً: المركزي يعلن عن استمرار سحب العملة القديمة عبر البريد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى