النخب السورية.. غائبة أم مغيّبة وكيف نستعيدها؟
حين تُخرِس الطائفية العقول: من يعيد بناء صوت سوريا؟

الكاتب: أحمد علي
تتكرر عبارة «وين النخب؟» في النقاش السوري كأنها اتهام، لكنها في الحقيقة سؤال عن الفراغ أكثر مما هي بحث عن أسماء، فحين يُقال ذلك عن السويداء أو الساحل أو غيرهما، يكون المقصود عادةً أين القادرون على تهدئة الخوف، وتحويل الغضب إلى سياسة، ومنع الناس من السقوط في ثنائية قاتلة؛ زعيم طائفي يحكم بالخوف، أو عزلة فردية بلا أثر.
النخبة المقصودة والتي يجري الحديث عنها هنا ليست طبقة مخملية، بل شبكة من أصحاب معرفة وخبرة وسمعة مهنية وقدرة على التنظيم، من معلمين وأطباء ومحامين ومهندسين ورجال دين معتدلين وفاعلين محليين وإعلاميين ورواد أعمال. السؤال إذن ليس: هل يوجد هؤلاء؟ بل: هل توجد مساحة تسمح لهم بأن يعملوا دون أن تُلتهم مبادراتهم بين الخوف والولاء؟
دور النخب السورية اليوم
يبدأ دور النخب السورية اليوم من أبسط ما يحتاجه الناس، وهو معنى مشترك لحياتهم اليومية وخريطة طريق يمكن لمسها. ففي بلد أنهكته الحرب وتفكك الاقتصاد، لا تنفع خطابات الإنقاذ العامة بقدر ما تنفع القدرة على جمع مطالب واضحة قابلة للتنفيذ ثم التفاوض عليها بهدوء. حين تعمل النخب في النقابات والجامعات والروابط المهنية والمبادرات المحلية، يمكنها أن تقدم بديلاً عن «الممثل الطائفي» الذي يحتكر الحديث باسم المجتمع. كما تستطيع أن تنتج معرفة موثوقة: تقديرات عن الخدمات، مقترحات لإدارة الموارد، ومشاريع صغيرة تعيد الثقة بالعمل العام، لأن الناس لا تقتنع بالشعارات بقدر ما تقتنع بمسار يحل مشكلة ماء أو مدرسة أو علاج أو أي شيء آخر.
وهنا يصبح دور النخب السورية جسراً بين همّ المنطقة ولغة الوطن، بحيث لا تتحول مطالب الساحل أو السويداء أو غيرها من المناطق السورية إلى ملف طائفي مغلق.
لماذا يبدو الصوت غائباً
الانطباع بغياب النخب له أسباب قاسية أكثر مما هو كسل أو تخلٍّ. النزوح واللجوء وتبدل مراكز الثقل أخرجت ملايين من أماكنهم، وجعلت كثيراً من الخبرات تعيش خارج تأثيرها الطبيعي. يصف تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن أثر النزاع في سوريا اعتماداً واسعاً على المساعدات وتراجعاً عميقاً في الخدمات والمؤسسات، ويؤكد أن التعافي يحتاج حوكمة جديدة وتماسكاً اجتماعياً لا يقل أهمية عن إعادة الإعمار المادي. في مثل هذا السياق تصبح «النجاة» أولوية، ويصير الانخراط العام مخاطرة.
يضاف إلى ذلك أن المجتمع المدني نفسه عانى فقدان الاستقلال وسط تضارب الأجندات والتمويل والقيود الأمنية، وهو ما يناقشه ملف كارنيغي حول السياسة الاحتجاجية في النزاع السوري. ومع هيمنة مشاهد السلاح على الإعلام، تُهمَّش القصص التي تُظهر عملاً عقلانياً، فتضعف دائرة التضامن وتقل الموارد المتاحة للمبادرات المدنية.
الطائفية تصنع فراغاً عاماً
الأهم من ذلك، والذي لا يمكن القفز فوقه في مثل هذا النقاش، أن الخطاب الطائفي لا ينتصر لأنه يمثل أغلبية أخلاقية أو سياسية، بل لأنه في الواقع وبصورة طبيعية يحسن إقصاء البديل. وضمن هذا المنظور، يلفت البعض إلى أن من أكبر ضحايا الطائفية هم العقلانيون داخل كل جماعة، لأن أصواتهم تُتهم بالضعف أو العمالة أو خيانة «الدم»، فيبدو المشهد كأن الكراهية هي الصوت الوحيد.
ما الذي يحدث في مثل هذا الحال؟ عندما يُخرس المعتدلون، يتعلم او يشعر الناس أن الصمت أسلم من المشاركة، فتتراجع السياسة ويعلو الضجيج. والصراع يصبح داخل الطوائف بقدر ما هو بينها؛ من يرفض الكراهية يُعاقَب اجتماعياً، ومن يقترح تسوية يُقدَّم كتهديد للأمان. والكثير من المقالات التحليلية عن سوريا تذكّر أيضاً بأن الطائفية تُصنع وتُدار سياسياً، وأن استثمار الهوية القلقة قد يكون أداة سلطة لا استجابة لحاجة الناس.
وبالمجمل، بهذه الآلية يُفرَّغ المجال العام من أي صوت جامع، ويُدفع الناس إلى اختيار هوية دفاعية بدل برنامج سياسي.
نخب متخادمة لا متصارعة
المفارقة أن متحدثي الطائفية قد يختلفون في الشعارات، لكنهم يلتقون على مصلحة واحدة: إبقاء الناس أسرى الرواية الطائفية كي تبقى الزعامة ضرورة. الخصم الطائفي يتحول إلى ذريعة لإطالة العمر السياسي، وإلى تبرير للسلاح وللمحسوبية، وإلى تفسير جاهز لأي فشل إداري. وحين تُدار الموارد بوصفها غنيمة، تتبدل النخبة من خبراء وإداريين إلى وسطاء ولاء، فتفقد المجتمعات قدرتها على مكافأة الكفاءة.
ويحذر تقرير ACLED من أن تدفق موارد أو دعم مالي دون إدارة شفافة قد يقوي شبكات الرعاية ويغذي منافسة نخب محلية مرتبطة بالقوة المسلحة، ما يرفع احتمالات عودة العنف بدل بناء الثقة. في هذا المناخ يُطلب من النخبة أن تكون «بطلة» في ساحة ملوثة، ثم تُلام لأنها لا تستطيع حماية نفسها ولا مشروعها.
شروط واقعية لعودة النخب
الحنين إلى «نخبة منقذة» لا يكفي، لأن المشكلة ليست في نقص الأشخاص بل في الشروط التي تخنق الفعل العام. من دون أمان يومي يقلل كلفة المشاركة، يصبح الطبيب أو المدرّس هدفاً سهلاً لأي صاحب نفوذ. ومن دون مؤسسات وسيطة مستقلة، مثل نقابات وجامعات وروابط مهنية، تتحول الخبرة إلى خدمة للولاء لا للمصلحة العامة.
الإعلام أيضاً جزء من المعادلة، حين تُغطّى الحرب وحدها وتُهمَّش قصص العمل الأهلي والمدني والسياسي المهم والمنظم، يطفو زعماء الطوائف على سطح الأحداث وكأنهم الخيارات الوحيدة المتاحة ويتمحور الحديث حولهم.
خلاصة
ختاماً، السؤال الأدق ليس: أين اختفت النخب؟ بل: أين اختفت السياسة بوصفها إدارةً للمصالح لا إدارةً للهويات؟ وأين أصبح مسارها اليوم؟ ومن المسؤول عن فتح هذا المسار وبدئه؟ لا بدّ من تثبيت فكرةٍ أساسية هنا: إن النخب المطلوبة، التي يسأل عنها السوريون، لا يمكن لأحدٍ أن يحددها سوى السوريين أنفسهم. وعملية كهذه، في الحالة السورية الملموسة، تتطلب حواراً وطنياً عاماً وشاملاً وشفافاً ومعلناً، بحيث يصل إلى مسامع كل سوري يرغب في سماعه. ما الذي سيفعله هذا الحوار؟ سيجعل الناس يلتفون حول من يجدون مصلحتهم معه، وبهذا يكونون، بقصد أو من دون قصد، قد حدّدوا النخب التي يريدونها أن تتحدث باسمهم.
وبالتأكيد، ينجح دور النخب السورية عندما يتحول إلى كتلة اجتماعية منظمة تملك لغة مشتركة وأهدافاً قابلة للقياس، لا إلى أفراد شجعان يُستهلكون ثم يُنسون. وعندها يصبح الاختلاف بين المناطق خبرة مشتركة، لا مادة للاتهام، ويجد الناس من يتحدث باسم مصالحهم بصوت واضح. بمعنى آخر، إن كسر احتكار الطائفية يبدأ بتنظيم العقلانيين داخل كل جماعة، ثم مد الجسور بينهم ليصبحوا قوة ضغط تحاسب وتفاوض وتبني بدائل، ولهذا أدوات يعرفها السوريين جيداً…
اقرأ أيضاً: «بيع وطنيات» بالصوت العالي.. ما الذي يجنيه السوريون من صراخكم؟!









