سياسة

دور الاحتلال الإسرائيلي في سوريا: ثلاثة مسارات والهدف واحد

بقلم هلا يوسف

لم يعد الجنوب السوري مجرد منطقة حدودية، بل أصبح ساحة لتجربة استراتيجيات إقليمية تهدف إلى استثمار هشاشة الدولة السورية. هذا ما يحاول مركز “أوراسيا ريفيو” للأبحاث توضيحه من خلال تحليله لسياسة الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، والتي تسعى لترسيخ وجود طويل الأمد عبر تحركات ميدانية ودبلوماسية وعلاقات محلية، دون الدخول في احتلال مباشر، ما يجعل الجنوب محور نفوذ مستمر.

حيث يلاحظ في المشهد السوري تناقضٌ واضح، ففي بعض الأوقات تثار أحاديث عن اتفاقات أمنية محتملة، مع تصريحات إسرائيلية حول تفاهم قريب مع دمشق، وفي نفس الوقت تدعم مجموعات مسلحة في الجنوب وتتواصل مع أطراف في شمال شرق سوريا، بما يضعف نفوذ الحكومة السورية. ويطرح هذا التناقض سؤالاً أساسياً: ما هي الاستراتيجية الحقيقية للاحتلال الإسرائيلي في سوريا؟

الجنوب السوري: تحويل الهشاشة إلى عمق استراتيجي

يرى مركز أبحاث أوراسيا ريفيو أن هدف الكيان المحتل في الجنوب السوري يتمثل في ترسيخ وجود إقليمي طويل الأمد دون الانخراط في احتلال رسمي. ويعتمد الاحتلال على مجموعة مسارات متزامنة، تشمل توسيع النشاط الميداني، والتعامل مع مجموعات مسلحة محلية، والدفع باتجاه اتفاقات أمنية تضمن تثبيت خطوطها الحمراء، مع الحفاظ على مرونة العمليات دون فرض سيطرة مباشرة.

وفي القنيطرة ومحيط منطقة الفصل الخاضعة لإشراف الأمم المتحدة، تزامن تصاعد نشاط الاحتلال الإسرائيلي مع الحديث عن اتفاقات محتملة تتضمن إنشاء منطقة منزوعة السلاح يتجاوز حدودها ما نص عليه اتفاق 1974، في محاولة لتعديل القواعد القائمة وليس مجرد تطبيقها. ويشير المركز إلى أن الكيان المحتل لم يعد يتعامل مع الجنوب كساحة عمليات مؤقتة، بل يسعى إلى وجود أمني تدريجي ومستمر، يتضمن السيطرة على الطرق، وإقامة نقاط تفتيش، وتكرار الدخول إلى العمق السوري، مما يجعل الوجود الإسرائيلي شيء طبيعي، ويحوله إلى واقع دائم يصعب التراجع عنه.

ورغم تبريرات الاحتلال الإسرائيلي التقليدية، مثل حماية الجولان ومنع تهريب الأسلحة أو عودة قوى معادية، يشير التحليل إلى أن الأثر الفعلي هو تقليص قدرة دمشق على التحكم في الجنوب، في وقت تحتاج فيه الحكومة الجديدة إلى إظهار قوتها واستعادة ثقة المجتمع المحلي. ويخلص المركز إلى أن هذه السياسة تحمل تناقضاً جوهرياً وهي أن الإجراءات التي تُقدم على أنها لضبط الأمن قد تولد نتائج عكسية، إذ تزيد الاستياء المحلي، وتضعف الدولة، وتدفع بعض الفاعلين إلى البحث عن دعم خارجي، ما يعمق الانقسامات ويزيد صعوبة تحقيق الاستقرار.

المجموعات المسلحة في الجنوب: النفوذ الداخلي وإعادة تشكيل الدولة

بحسب أوراسيا ريفيو، أصبح التعامل مع المجموعات المسلحة في الجنوب أداة فعالة للتأثير الداخلي. فالدعم المقدم لها، سواء عبر تسهيلات لوجستية، أو مساعدات مالية، أو تشجيعها على مواقف مستقلة عن دمشق، لا يهدف فقط إلى حمايتها، بل أيضاً إلى تعقيد جهود الحكومة السورية في بسط سلطتها. ويخلق هذا التوازن ضغطاً مستمراً على سيادة الدولة في الجنوب، في وقت تعالج فيه الحكومة ملفات إعادة الاندماج وإدارة السلطة في مناطق أخرى.

ويشير المركز إلى أن هذا الدعم مصمم ليظل قابلاً للتحكم والمرونة، بما يمنع تحوله إلى مشروع سياسي طويل الأمد أي تحقيق الانفصال التام عن سوريا، ويضمن بقاء المجموعات في موقع نفوذ دون انخراط قوات الاحتلال بشكل مباشر في إدارته. كما أن الاتهامات المتعلقة بالدعم الإسرائيلي توظف غالباً في السياق السياسي والإعلامي، لكنها في واقعها تعكس استراتيجية متماسكة لزيادة هامش حركة قوات الاحتلال الإسرائيلية وتجميع أوراق ضغط للتفاوض أو الترتيبات المستقبلية.

الدبلوماسية المتشددة: نزع السلاح وترسيخ الخطوط الحمراء للاحتلال الإسرائيلي

شهد المسار الدبلوماسي للكيان المحتل تجاه سوريا تحولاً من الاتصالات الهادئة إلى مطالب أمنية أكثر وضوحاً وطموحاً. وتشمل هذه المطالب اتفاقيات تهدئة جديدة، وخفض تصعيد، وإعادة تفعيل آليات وقف إطلاق النار، مع فتح قنوات اتصال مباشرة.

ويبرز التحول الأهم في تشديد شروط نزع السلاح، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض حزام منزوع السلاح واسع النطاق وفق معاييرها الأمنية، يتجاوز ما نص عليه اتفاق 1974، ليعيد صياغة قواعد الاشتباك نفسها بدلاً من تحديثها فقط. ويشير المركز إلى أن هذا الترتيب يعكس رغبة في تقييد الموقف العسكري السوري من الخارج في ظل ضعف دمشق واعتمادها على الدعم الخارجي، ويضع أي قيادة انتقالية أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على الاستقرار والتعرض لضغوط الرأي العام.

التفاعل الإقليمي: الضغوط المتقاطعة

يشدد المركز على أن سياسة الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن فهمها بمعزل عن البيئة الإقليمية. فالولايات المتحدة تريد الحفاظ على استقرار يسمح بمحاربة داعش، بينما تستكشف طرق دمج القيادة السورية الجديدة في اتفاقيات إقليمية غير عدائية. ويتيح هذا الدور الأمريكي فتح قنوات وساطة، لكنه يحمل مخاطر تضارب المصالح، حيث يعتبر الاحتلال أن التهدئة الأمريكية فرصة لاستمرار تحركاته، بينما ترى دمشق فيها تساهلاً مع الضغوط الإسرائيلية.

وتضيف تركيا بعداً آخر من التعقيد، عبر الضغط من الشمال المرتبط بقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب. والاتهامات التي تربط هذه القوات بالكيان الصهيوني، سواء كانت هذه المعلومات صحيحة أم مبالغ فيها، تزيد من ربط الاستراتيجية الإسرائيلية في الجنوب بالأجندة التركية شمالاً، ما يزيد الضغط على دمشق ويصور مطالب الحكم الذاتي لقسد كجزء من تدخل خارجي أوسع.

تخلق هذه المعادلة وضعية الكماشة، بمعنى ضغط الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب وضغط تركي من الشمال، يقيدان قدرة دمشق على المناورة، ويدفعانها لقبول اتفاقيات مفروضة من الخارج بدل من تسوية وطنية متماسكة. وفي هذا الإطار، تظل روسيا وإيران فاعلين مؤثرين، حيث تلعب روسيا دور الوسيط وضبط الأوضاع، بينما تمارس إيران تأثيراً محدوداً يقتصر غالباً على التعطيل غير المباشر.

المسارات الاستراتيجية ومسارات المخاطر

يعتبر مركز أوراسيا ريفيو أن الاحتلال يسعى لاستثمار هشاشة الوضع السوري وتحويلها إلى مكسب أمني طويل الأمد، عبر توسيع العمق الأمني في الجنوب، وبناء علاقات محلية، وإدارة مسارات دبلوماسية تضبط الصراع دون حله. ويرى المركز ثلاثة مسارات محتملة على المدى القريب:

تسوية أمنية مدارة (الأكثر ترجيحاً): تشمل استعادة جزئية لآليات وقف إطلاق النار، وضبط استخدام الأسلحة الثقيلة في الجنوب، مع استمرار الحرية العملياتية الإسرائيلية، وربما برعاية أمريكية.

جمود طويل الأمد: تتجمد الوقائع الميدانية، مع استمرار الاحتلال في تطبيع وجوده واستخدام المجموعات المسلحة كأداة ضغط، بينما تفتقر دمشق إلى القدرة على تغيير الحقائق، ما يولد استقراراً شكلياً لكنه يقوض السيادة ويعزز المقاومة المحلية والتهريب والاستقطاب الاجتماعي.

التصعيد الناتج عن سوء التقدير (أقل احتمالاً): قد يؤدي حادث محلي أو رد فعل مفرط إلى تدخلات خارجية، ما يفضي إلى انهيار القنوات الدبلوماسية، في ظل وجود ترتيبات أمنية متداخلة: الاحتلال الإسرائيلي جنوباً، وتركيا شمالاً، والولايات المتحدة شرقاً، ما يزيد من مخاطر سوء التقدير.

ويحدد المركز مؤشرات مراقبة مهمة لعام 2026، أبرزها: هل سيتحول نشاط الاحتلال الإسرائيلي في القنيطرة إلى إدارة أمنية مستمرة؟ وهل سيتخذ دعم المجموعات المسلحة طابعاً أكثر تنظيماً ووضوحاً؟ وهل ستنجح القنوات الدبلوماسية في التوصل لصيغة تحافظ على الحد الأدنى من التوازن، أو ستتصاعد المطالب إلى حدود غير مقبولة داخلياً، مع ارتباط الملف الإسرائيلي-السوري بملف قوات سوريا الديمقراطية تحت الضغط التركي؟

باختصار، يرى المركز أن الاستراتيجية الإسرائيلية متعددة المسارات تهدف إلى ترسيخ حضور أمني دائم في الجنوب السوري، من خلال الانتقال من عمليات محدودة إلى وجود ميداني ثابت، مدعوم بعلاقات محلية وضغوط دبلوماسية. ورغم أن هذه السياسة قد تحقق استقرار ظاهري قصير المدى، إلا أنها تحافظ على جذور التوتر، وتجعل الجنوب مساحة مفتوحة للصراعات المحلية والاقتصاديات غير الرسمية، ما يجعل عدم الاستقرار سمة مرجحة للمرحلة المقبلة.

باختصار، من خلال تحليل مركز “أوراسيا ريفيو” يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي تجاوز فكرة العودة إلى اتفاق فض الاشتباك تماماً. بل وتحول إلى فكرة التوسع تحت ذرائع مختلفة. هذه الذرائع لا يقوضها إلا أبناء الجنوب عند إدراكهم لنوايا الاحتلال ورفضهم لها. والأيام القادمة قد تكون شاهدة على استقرار نسبي مجدول بحسب مجريات المحادثات بين سوريا والاحتلال الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً: التنسيق الروسي الإسرائيلي في الجنوب السوري: لماذا يلتقي الخصمان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى