قراءة واقعية لدور الأردن في سوريا ما بعد سقوط الأسد
الجغرافيا لا ترحم، والفاتورة تُدفع دائماً عند المعابر...

الكاتب: أحمد علي
تُقاس سياسات الدول الحدودية بميزان بسيط وقاسٍ: كم مرة اهتزّ الخط الحدودي، وكم مرة نجحت الدولة في منع الاهتزاز من التحول إلى فوضى داخلية. بعد سقوط بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، دخل الأردن مرحلة جديدة مع سوريا: جارٌ يتغير نظامه، وحدودٌ عاشت سنوات من التهريب والمخاطر، وفرصة دبلوماسية مشروطة بأن يبقى الجنوب السوري قابلاً للضبط.
دور الأردن في سوريا
الملف الأول لدى عمّان كان أمنياً بلا تجميل: السلاح والتهريب والمخدرات، وعلى رأسها الكبتاغون، وهي قضية ربطتها تقارير عديدة بسنوات حكم الأسد وبشبكات نفوذ في الجنوب. لذلك لم تتأخر عمّان في الانتقال من الشكوى إلى بناء آليات تنسيق، منها إعلان تشكيل لجنة أمنية مشتركة مع دمشق لمكافحة تهريب السلاح والمخدرات ومنع عودة تنظيم الدولة.
وتصريحات وزير الخارجية أيمن الصفدي حول هذا المسار تعكس أن الأردن يريد شريكاً سورياً مسؤولاً عن الجانب الآخر من الحدود، لأن البديل هو استنزاف دائم.
ومع أن التنسيق الأمني يتصدر، فإن الأردن تعامل أيضاً مع الملف كحزمة سياسية: اعتراف بسلطة دمشق الجديدة، مع طلبات واضحة تتعلق بضبط الجنوب وإبعاد الميليشيات التي كانت عمّان تتهمها بتغذية الفوضى والتهريب.. وفي لقاءات على مستوى القادة، ركزت الرسائل على “أمن الحدود” ووقف التهريب، مع تعهدات سورية بملاحقة الشبكات.
الجنوب السوري كأولوية
السويداء، بوصفها عقدة اجتماعية وأمنية، كانت ساحة اختبار ثانية. خلال العام الفائت 2025، وما بعد أحداث السويداء الأليمة ظهرت “خارطة طريق” لمعالجة أزمة السويداء بمشاركة سوريا والأردن والولايات المتحدة، وهو تطور يجب التوقف عنده لأن عمّان في العرف السياسي العامّ لا تحب عادة أن تُستدرج إلى ملفات داخلية لجارها، لكنها -وكما يبدو الآن-في الوقت نفسه لا تستطيع الآن تجاهل ما يحدث على بعد كيلومترات من حدودها. والترحيب الأوروبي بخارطة الطريق أعطى انطباعاً بأن المسار ليس مناورة إعلامية فقط، بل محاولة لتثبيت ترتيبات أمنية وتخفيف الاحتقان عبر خطوات متفق عليها.
قراءة الأردن للسويداء مزدوجة، فمن جهة، استقرار المحافظة يخفف التهريب ويقلل احتمالات موجات نزوح جديدة باتجاه الأردن؛ ومن جهة أخرى، أي تدخل زائد قد يُفسَّر كمساس بالسيادة السورية ويستفز فاعلين محليين. لهذا يميل الدور الأردني، بحسب ما يُفهم من التغطيات والتحليلات، إلى “تهدئة وتسهيـل” أكثر من “إدارة مباشرة”، عبر قنوات أمنية وإنسانية واجتماعات متابعة مع شركاء دوليين.
واشنطن شريك غير صامت
لا يمكن عزل الدور الأردني عن المظلة الأميركية بطبيعة الحال. فواشنطن تملك نفوذاً أمنياً في ملفات تنظيم «داعش»، وتملك تأثيراً سياسياً على مسارات الاعتراف والدعم. والأردن، كما يتضح، استفاد من هذا التوازن: تنسيق مع دمشق حيث يمكن، وضمانات أميركية حيث يخشى الفراغ. والأمثلة ليست نظرية فقط، فالأردن نفذ ضربات أو عمليات ضد مهربين قرب الحدود، في رسالة بأن التهريب ليس “تفصيلاً” يمكن تأجيله إلى ما بعد إعادة الإعمار.
في المقابل، دمشق الجديدة بقيادة أحمد الشرع تحاول تقديم نفسها كدولة تريد علاقات طبيعية مع الجوار وتريد إنهاء ملفات الفوضى، لكنها تتعامل مع إرث ثقيل: شبكات تهريب متجذرة، سلاح منتشر، ومجتمع محلي في الجنوب لا تثق كل مكوناته بسهولة بأي سلطة مركزية. وهذا يفسر ربما لماذا يظل التنسيق الأردني حذراً عبر دعم مشروط بالنتائج، لا بالوعود وحدها.
“توم باراك” وحلب والأردن
ما علاقة حلب بالأردن؟ العلاقة ليست مباشرة مثل السويداء، لكنها -وكما تبيّن- موجودة عبر الاقتصاد والجغرافيا السياسية. حلب بوابة الشمال والتجارة مع تركيا، واستقرارها يعني طرق نقل أكثر قابلية للعمل، واستثمارات محتملة، وتقليص دوافع النزوح. والأردن، الذي يريد بيئة إقليمية مستقرة لاقتصاده وأمنه، لا ينظر لحلب كخبر بعيد، بل كجزء من “سلامة سوريا كوحدة واحدة” لأن تفكك سوريا يعني حدوداً أكثر فوضى جنوباً أيضاً، حتى لو بدأ التشقق من الشمال.
ولأن حلب ترتبط أيضاً بملف دمج قوات سوريا الديمقراطية، فهي تمس حسابات تركيا وأميركا في آن واحد، وهما فاعلان يؤثران على مساحة الحركة الأردنية. وهنا يظهر “رأي ثالث” يطرحه بعض المراقبين، الأردن ليس لاعباً قيادياً في شمال سوريا، لكنه لاعب ترجيح في الجنوب، وأي نجاح في الجنوب يعطي دمشق مساحة للتفرغ لملفات أصعب في الشمال، والعكس صحيح.
الخلاصة أن دور الأردن بعد سقوط الأسد يقوم على معادلة واقعية: أمن الحدود أولاً، ثم دعم مسارات تهدئة في الجنوب مثل السويداء، مع إبقاء العين على وحدة سوريا لأن الانقسام يخلق تهريباً وفوضى تتسرب في النهاية إلى كل الحدود. والدور ليس بطولياً ولا شريراً، بل دور دولة تعرف أن الجغرافيا لا ترحم، وأن الفاتورة تُدفع دائماً عند المعابر…
اقرأ أيضاً: ارتفاع ضخم جداً بالصادرات الأردنية إلى سوريا.. ما هي وهل جميعها أردنية حقّاً؟!









