دوري بعمرة.. حين سبقت قرية صغيرة اتحاد الكرة إلى تقنية VAR

بقلم هلا يوسف
من يعود بالتاريخ إلى بدايات كرة القدم، يعرف أنها انطلقت من ملاعب شعبية، ومباريات بين الضواحي والأحياء البسيطة، تلك التي تصقل شخصية اللاعب، وتعطيه الدافع للاستمرار. فكم مرة تحدث لاعبون عالميون عن بداياتهم البسيطة، ومن دوريات كانت تنظمها مناطقهم؟ هذه الفكرة تطبق تلقائياً في سوريا، من اللعب بالشارع للأطفال والمراهقين، إلى الدوريات التي تنظمها المناطق والقرى، وصولاً للدوريات على مستوى المحافظات.
غير أن العديد من المباريات الأخيرة على مستوى المحافظات تخللها الكثير من المشاكل، وفي لحظة تتحول فيها المباراة إلى أعمال شغب وسب وشتم من الجماهير لبعضها، ولعل حديثنا عن “دوري بعمرة” في هذا المقال رغم بساطته، استطاع تنظيم مبارياته وضبطها، بل وإدخال تقنية الـVAR التي لم يستطع حتى الآن اتحاد كرة القدم بإداراته المتعاقبة إدخالها على مبارياته.
ماذا حدث في دوري بعمرة؟
في النسخة الحالية لدوري بعمرة لكرة القدم في ريف صافيتا بمحافظة طرطوس، لم يكتفِ الدوري بالحفاظ على حضوره الجماهيري والتنظيمي الذي تعود عليه الأهالي خلال السنوات الماضية، بل أدخل تقنية حكم الفيديو المساعد “VAR” إلى مبارياته، بجهود شخصية وتمويل ذاتي، في وقت لم تدخل فيه التقنية حتى الآن إلى المنافسات الرسمية السورية بالشكل الذي طال انتظاره.

لذلك القصة هنا ليست عن التقنية فقط، بل عن قرية قررت أن تفعل ما تستطيع فعله لتطوير كرة القدم بما لديها من إمكانيات، وأن تحول بطولة شعبية إلى موعد رياضي واجتماعي ينتظره الناس كل عام.
اقرأ أيضاً: لماذا لا يتأهل المنتخب السوري لكأس العالم؟
من قرية بعمرة إلى تقنية VAR
لمعرفة حجم الجهود الشعبية التي بذلها أهالي المنطقة، علينا العودة إلى بدايات إنشاء دوري بعمرة، حيث بدأت حكايته عام 2013، عندما أقيمت دورة صغيرة بمشاركة ستة فرق ضمن فعاليات مهرجان السنابل الثقافي الذي يقام كل سنة في القرية. وفي العام التالي استمرت الدورة بالشكل نفسه حتى عام 2015، عندما تحولت إلى دوري كروي شارك فيه 32 فريقاً.
بدأ أهالي بعمرة العمل على تطوير ملعبها أيضاً مع توسع البطولة. وبتمويل ودعم ذاتي من المجتمع الأهلي والمدني، بدأ بناء المدرجات عام 2015، واستمر العمل عليها بشكل تدريجي حتى اكتملت عام 2017.
وخلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2019، أقيم الدوري بصورة مستقلة عن مهرجان السنابل الثقافي، قبل أن يتوقف لمدة عامين، ثم يعود مجدداً بين عامي 2022 و2024.

أما هذا العام، فعادت المنافسات بمشاركة 32 فريقاً اختارتها اللجنة المنظمة من بين أكثر من 60 فريقاً يرغبون بالمشاركة في كل نسخة. ولم يكن الاختيار قائماً على المستوى الرياضي فقط، إذ تحرص اللجنة على تحقيق تنوع جغرافي يسمح بمشاركة فرق ولاعبين من مناطق ومحافظات سورية مختلفة.
وتقام المنافسات وفق نظام يشبه كأس العالم، إذ توزع الفرق على ثماني مجموعات، تضم كل مجموعة أربعة فرق، ويتأهل الأول والثاني إلى الأدوار الإقصائية، وصولاً إلى المباراة النهائية.
لكن المفاجأة الأكبر في النسخة الحالية جاءت من خارج الملعب، وتحديداً من غرفة التحكم بالكاميرات، فالكابتن أحمد ميهوب، صاحب مبادرة إدخال تقنية “VAR”، قرر أن يبدأ التجربة بجهد شخصي وتمويل منه. ويقول إن المشروع بدأ خلال شهر نيسان بإمكانات محدودة، ثم تطور بشكل تدريجي مع وضع برنامج لتتبع الكرة وربط عدة كاميرات معاً.
والأهم أن الكاميرات المستخدمة ليست كاميرات مراقبة عادية، بل كاميرات عالية الدقة تعمل بتقنية العرض البطيء “Slow Motion”، مما يسمح بمراجعة اللقطات بصورة أكثر دقة.
ولتنفيذ المشروع، تم استقدام بعض التجهيزات واللوجستيات من خارج سوريا على نفقة شخصية، كما أضيفت لوحة مضيئة لإظهار الوقت بدل الضائع.
ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد، إذ يجري العمل في المستقبل على إدخال كاميرا عنكبوتية مع تقنية تستخدم في الدوري الإنكليزي، تسمح بإبلاغ الحكم والجمهور مباشرة بدخول الكرة إلى المرمى بعد تجاوزها خط المرمى.
اقرأ أيضاً: كرة القدم آخر ما تبقى حياً فلماذا نقتلها!
15 عاماً من الوعود.. وقرية تنفذ التقنية بنفسها
الشيء المثير للدهشة أن كل ذلك يحدث في دوري يوصف بأنه شعبي، وبإمكانات لا تقارن بما يتوافر في البطولات الرسمية. فعلى الرغم من قدم تقنية “VAR” في كرة القدم العالمية، إذ مضى أكثر من 15 عاماً على ظهورها واستخدامها في الملاعب حول العالم، غير أن الجمهور السوري بقي يسمع الوعود بإدخالها إلى الدوري المحلي دون أن تتحول تلك الوعود إلى واقع.
فمنذ عام 2022 تحدثت اتحادات كرة القدم المتعاقبة عن قرب وصول التقنية إلى الملاعب السورية. بدأ الأمر في عهد اتحاد صلاح رمضان بالحديث عن وصول تجهيزات “VAR”، ثم في تموز 2023 ظهر مصطلح “ميني VAR”، قبل أن يتحول المشروع في تشرين الأول من العام نفسه إلى لجنة خماسية لمتابعة تنفيذه.
ومع مرور الوقت، استمر الملف في الانتقال من وعد إلى آخر. لتعود التصريحات خلال موسم 2024-2025 عن قرب وصول التقنية، مع حديث عن إمكانية استخدامها في مباريات الدوري السوري وتجهيز عربتين لتغطية المباريات، بالإضافة إلى توزيع مباريات الجولة على أيام الجمعة والسبت والأحد لضمان تغطيتها. لكن المواسم مرت، وبقيت الجماهير تنتظر.
المثير للاستغراب أن دوري بعمرة، الذي يعتمد على جهود أهالي القرية وتمويل شخصي من القائمين عليه، تمكن من إدخال التقنية إلى مبارياته، في وقت لم تستطع فيه البطولات الرسمية تحقيق الأمر نفسه.
ويؤكد ميهوب أنه لم يتواصل معهم أحد للاستفادة من التجربة، سواء من اتحاد كرة القدم أو وزارة الرياضة. وهذا ما يجعل المهتمين بالشأن الرياضي يقولون إنه طالما استطاع دوري شعبي تنفيذ تجربة تقنية بهذا المستوى وبإمكانات محدودة، فلماذا لم تستطع الجهات الرسمية تنفيذها، على الرغم من وجود دعم وخبرات قد تقدم لها كل الإمكانيات؟
دوري يتجاوز كرة القدم
من الظلم أن نختصر دوري بعمرة في قصة “VAR” وحدها، لأن الهدف منذ البداية لم يكن مجرد إقامة مباريات واختيار بطل. فبحسب عضو اللجنة الرياضية المنظمة محمود محمد إسماعيل، سعى القائمون على الدوري إلى جعله مساحة للقاء والتعارف، وإلى خلق حالة اجتماعية تجمع الناس من مناطق مختلفة.
وهذا ربما يفسر سر الجماهيرية الكبيرة التي حصدها الدوري. فالمباريات لا تستقطب اللاعبين فقط، بل جمهوراً من مختلف الأعمار ومن الجنسين، وبحضور لافت مقارنة بما اعتادته دوريات الأحياء الشعبية في سوريا.

كما لم يتوقف الأمر عند المدرجات، بل تخطاها إلى تأسيس رابطة مشجعي بعمرة عام 2016. حيث تقول يارا عاصي، عضو في الرابطة، إن أعضاء الرابطة يرافقون الفريق أينما ذهب للعب، حتى أصبح من الصعب الفصل بين جمهور القرية والرابطة نفسها، لأن “الضيعة كلها” تقريباً أصبحت جزءاً من التشجيع.
أما نضال عمران، عضو لجنة الدوري، فيرى أن حجم التنظيم والجمهور يجعلان بعمرة تستحق أن يكون لها نادٍ رياضي باسمها، وأشار إلى أن وجود فريق وجمهور منظم بهذا الشكل يمكن أن يشكل أساساً لنادٍ حقيقي.
ولعل ما حدث خلال السنوات الماضية يدعم هذه الفكرة. فالدوري توقف عام 2025 بسبب الظروف الأمنية التي شهدتها البلاد، قبل أن يعود هذا العام، مع استمرار العمل على تطويره وتكريم شخصيات رياضية وحكام، من بينهم عبد القادر كردغلي ومالك شكوحي وسيد بيازيد وأحمد كردغلي، بالإضافة إلى الحكام الدوليين صفوان عثمان ومازن زيزفون واليسار بدور.
كما أن نجاح التجربة دفع كثيرين إلى المطالبة بمزيد من الاهتمام الرسمي، سواء عبر دعم الدوري أو تطوير الملعب أو تأسيس نادٍ رياضي، معتبرين أن مثل هذه البطولات يمكن أن تكون مساحة لاكتشاف المواهب ورفد الأندية باللاعبين.
وتذهب بعض الآراء إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن تجربة بعمرة تشبه ما يحدث في دول تهتم فيها البلديات بملاعب الأحياء والرياضات الشعبية، لأن الرياضة في النهاية ليست منافسة فقط، وإنما مساحة للقاء والتواصل وبناء العلاقات بين الناس.
وهذا تحديداً هو الجانب الذي يحرص منظمو الدوري على التأكيد عليه. فاستهداف الشباب، وإخراجهم من العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي إلى ملعب يجمعهم وجهاً لوجه، كان أحد أهداف التجربة منذ البداية.
في النهاية، قصة دوري بعمرة كانت خير مثال على أن من يريد أن يصنع شيئاً جميلاً لبلدته أو منطقته قادر على فعله، فبجهود أهلية استمرت لسنوات، استطاع أهالي بعمرة تشكيل دوري وجمهور وروابط مشجعين شعارهم “الرياضة أخلاق” قبل أي شيء.
فعلى الرغم من خسارة فريق بعمرة في المباراة النهائية التي كانت لصالح فريق برج عرب، إلا أن النتيجة لم تحول المدرجات والملعب إلى حلبة قتال، ولم يتبادل الجمهور الشتائم، بل كانت مساحة لإظهار حجم تضافر الجهود الشعبية على إنشاء دوري بإمكانات بسيطة.
اقرأ أيضاً: مدرجات غاضبة ودوري تائه.. كرة القدم السورية في مهب الفوضى









