أعمال واستثمار

دوار الشمس في سوريا.. محصول موسمي يحمل الذهب في بذوره ودفء الذكريات في أعواده

بقلم: ريم ريّا

لا يحتاج دوار الشمس إلى وقت طويل ليترك أثراً كبيراً، ففي غضون أشهر قليلة، تتحول الحقول إلى لوحات صفراء شاسعة تمتد على مد البصر. ومع حلول موسم الحصاد وانقضائه سريعاً، ينتج محصول نبات “دوار الشمس” في سوريا مواد تدخل في صناعة الزيوت، وأعلاف الحيوانات، والمنتجات الغذائية، وحتى التدفئة. ورغم شهرته العالمية بلقب “المحصول الذهبي”، إلا أن لعباد الشمس قصة مختلفة في سوريا، إذ لم يكن مجرد سلعة اقتصادية، بل تحول في بعض المناطق إبان الحرب إلى وسيلة للبقاء، حيث استخدمت سيقانه وقوداً للتدفئة في ظل النقص الحاد في الوقود آنذاك.

دوار الشمس.. محصول صيفي قصير الأمد

يعتبر عباد الشمس محصولاً صيفياً يتميز بقصر فترة نموه، إذ يحتاج عادةً إلى ما بين 90 و120 يوماً من الزراعة وحتى الحصاد، وذلك حسب الصنف والظروف الجوية. تبدأ الزراعة عادةً في شهري نيسان وأيار، بينما يتم الحصاد في الفترة الممتدة من أواخر تموز وحتى أيلول. وهذا ما يجعله محصولاً يوفر للمزارعين دورة إنتاج سريعة مقارنة بالعديد من المحاصيل الزيتية الأخرى. كما يتميز النبات بقدرته على تحمل درجات الحرارة المرتفعة نسبياً وانخفاض احتياجاته المائية مقارنة ببعض المحاصيل التقليدية، وهي خصائص تكتسب أهمية متزايدة في ظل التغير المناخي وتناقص الموارد المائية.

زراعة عباد الشمس موجودة في سوريا منذ عقود، إلا أن المساحات المخصصة لهذا المحصول قد تراجعت خلال سنوات الحرب، ويعزى ذلك إلى هجر مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وارتفاع تكاليف الزراعة، وصعوبة الحصول على المستلزمات الزراعية الضرورية. وتتركز زراعته بشكل رئيسي في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور وحلب، بالإضافة إلى أجزاء من ريف حماة وسهل الغاب ومناطق محددة في حمص وريف دمشق “الغوطة” بشكل خاص، وهي مناطق توفر مساحات واسعة ملائمة للزراعة.

وتساهم طبيعة هذه المناطق، لا سيما السهول المنبسطة في تحقيق إنتاجية عالية عند توفر مياه الري والبذور المحسنة، مما يجعل عباد الشمس محصولاً يعتمد عليه لدعم الإنتاج المحلي من الزيوت النباتية.

اقرأ أيضاً: موسم استثنائي للشعير في الحسكة.. أرقام قياسية تنعش الزراعة والثروة الحيوانية

بذور صغيرة… وقيمة اقتصادية كبيرة

تكمن أهمية دوار الشمس في تعدد استخداماته، إذ تعد بذوره مصدراً رئيسياً للزيت النباتي المستخدم في الصناعات الغذائية، فضلاً عن كون البذور المحمصة وجبة خفيفة شائعة ومحبوبة. تتجاوز فوائد هذا النبات ذلك، فالمادة المتبقية (أو المسحوق) بعد عصر البذور تعد علفاً غنياً بالبروتين للماشية والأغنام والدواجن، مما يضاعف القيمة الاقتصادية للمحصول.

كما تستخدم أزهاره في إنتاج العسل وتجذب أسراب النحل خلال موسم الإزهار، في حين تستخدم أصناف معينة لإنتاج الوقود الحيوي في بلدان مختلفة حول العالم. إلى جانب استخداماته الزراعية والصناعية، ارتبطت زهرة عباد الشمس في سوريا بقصة إنسانية مؤثرة خلال سنوات الحرب. ففي الغوطة الشرقية، ووسط ظروف الحصار المفروض عليها ونقص الوقود، لجأ العديد من السكان إلى سيقان دوار الشمس الجافة لأغراض التدفئة والطهي بعد انتهاء موسم الحصاد.

كانت هذه السيقان تُجمع وتُجفف وتستخدم كبديل للحطب في المواقد المنزلية، موفرةً مصدراً بسيطاً للطاقة في ظل انعدام الوقود عملياً. وهكذا، تحول النبات الذي قدم الغذاء صيفاً إلى مصدر للدفء شتاءً. لقد أصبحت هذه السيقان رمزاً لصمود السوريين وقدرتهم على التكيف مع أقسى الظروف، مستفيدين إلى أقصى حد مما تجود به الأرض لمواجهة الحصار ونقص الموارد.

تحديات تعيق التوسع.. والحل؟

على الرغم من أهمية هذا المحصول، إلا أن زراعته تواجه تحديات عديدة؛ ومن أبرزها ارتفاع تكاليف البذور والأسمدة وضيق الوضع الاقتصادي، وتقلبات الطقس، وتزايد تكاليف الري. بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب منشآت معالجة الزيوت في بعض المناطق يقلل من الجدوى الاقتصادية بالنسبة للمزارعين. كما تؤثر المنافسة مع الزيوت المستوردة وتذبذب أسعار شراء المنتجات على قرارات المزارعين بشأن التوسع في الزراعة من موسم لآخر. ويرى الخبراء أن دعم هذا المحصول من خلال توفير بذور محسنة ومستلزمات الإنتاج وتشجيع الصناعات التحويلية المرتبطة به قد يساهم في خفض تكلفة استيراد الزيوت النباتية وتعزيز الأمن الغذائي.

في ظل التوجه نحو تنويع الإنتاج الزراعي، يبرز دوار الشمس كمحصول واعد يمكنه استعادة مكانته في سوريا. إنه محصول قصير الدورة الزراعية ومتعدد الاستخدامات، يضيف قيمة في قطاعات متنوعة، بدءاً من الغذاء وأعلاف الحيوانات والتطبيقات الصناعية، ووصولاً إلى توفير وقود التدفئة في الظروف الاستثنائية.

ولعل أجمل صور هذا النبات هي تلك الحقول الصفراء التي تتبع مسار الشمس طوال اليوم. أما في سوريا، فالقصة مختلفة، إنها قصة أرض لم تتوقف يوماً عن توفير الغذاء، وقصة محصول لا تقاس قيمته بما ينتجه من زيت فحسب، بل أيضاً بما منحه للناس من غذاء ودفء وأمل خلال أحلك سنوات حياتهم.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى