دمشق وعمّان وبغداد على حدود واحدة: هل تنشأ منظومة إقليمية لمواجهة التهريب؟

الكاتب: أحمد علي
جمع اجتماع عسكري في عمّان يوم 11 آب 2026 رؤساء أركان الأردن وسوريا والعراق، إلى جانب وزير شؤون البيشمركة في إقليم كردستان العراق، لبحث أمن الحدود والمخاطر العابرة لها. لم يعلن الاجتماع إنشاء قوة مشتركة أو مركز قيادة ثلاثي، ولم يحدد التهريب وحده بوصفه موضوعه، لكن انعقاده يأتي بعد أشهر أصبحت فيها عمليات مكافحة المخدرات والسلاح بين دمشق وعمّان وبغداد أكثر انتظاماً، وبدأت تتجاوز تبادل البيانات إلى تنفيذ عمليات متزامنة داخل أكثر من دولة.
العنوان الجغرافي نفسه مهم. الحدود السورية الأردنية تلتقي بالحدود السورية العراقية والعراقية الأردنية عند نقطة ثلاثية في البادية، بينما يمتد الشريط السوري العراقي شمالاً حتى مناطق تتصل مباشرة بإقليم كردستان. هذه مساحة واسعة قليلة السكان، تمر عبرها طرق تجارة نظامية ومسارات صحراوية يصعب ضبطها بالكامل. لذلك لا تتعامل الدول الثلاث مع ثلاث مشاكل منفصلة. الشبكة التي تغير طريقها بعد تشديد المراقبة على معبر أو قطاع حدودي تستطيع الانتقال إلى قطاع آخر، وهو ما يجعل التعاون الإقليمي أكثر فاعلية من حماية كل خط بمعزل عن الخط المجاور.
مواجهة التهريب تنتقل إلى التنسيق الإقليمي
التحول الأوضح ظهر في ملف المخدرات. نفذت إدارتا مكافحة المخدرات السورية والأردنية في 9 نيسان عملية مشتركة أحبطت تهريب 943 كيلوغراماً من الكبتاغون عبر مركز جابر. وعلى الجبهة العراقية، أعلنت بغداد في 26 نيسان عن عملية مشتركة أسفرت عن ضبط مليون و730 ألف حبة مخدرة، ثم أعلنت دمشق في حزيران تفكيك شبكة دولية بالتنسيق مع المديرية العراقية وضبط 800 ألف حبة كبتاغون و60 كيلوغراماً من الحشيش في حمص ودير الزور. هذه العمليات تظهر أن تبادل المعلومات لم يعد استثنائياً.
وزارة الداخلية السورية قالت في حزيران إنها نفذت عشرات العمليات المشتركة مع دول الجوار، بينها عمليات مع العراق والأردن. الأرقام المنشورة من جهات رسمية وإعلامية تختلف في طريقة تجميع العمليات والفترات التي تغطيها، ولذلك لا تصلح للمقارنة الدقيقة بين دولة وأخرى. الأهم هو وجود نمط متكرر من القبض المتزامن وتبادل أسماء المشتبه بهم وتحريك وحدات في أكثر من منطقة اعتماداً على معلومة واحدة.
الأسلحة أضافت سبباً آخر للتنسيق. في 16 تموز أعلنت السلطات السورية إحباط تهريب أسلحة وصواريخ عبر الحدود العراقية، وقال مصدر في الداخلية إن التحقيقات الأولية أشارت إلى أن الشحنة كانت متجهة إلى حزب الله. لم يصدر في ذلك الوقت تأكيد مستقل لمسار الشحنة أو الجهة المستفيدة منها. الواقعة مع ذلك بينت أن الحدود العراقية لا تحمل مخدرات فقط، وأن مراقبتها ترتبط بالسلاح وتحركات الجماعات المسلحة وبقايا تنظيم «داعش» أيضاً.
الأردن كان قد اتفق مع الحكومة السورية الجديدة منذ كانون الثاني 2025 على لجنة أمنية مشتركة لمكافحة تهريب المخدرات والأسلحة وتأمين الحدود ومنع عودة نشاط تنظيم «داعش». هذا المسار الثنائي سبق اجتماع عمّان الأخير وأعطى الطرفين آلية يمكن البناء عليها. العراق من جهته طور تعاوناً مباشراً مع دمشق في مكافحة المخدرات، ومع إعادة فتح معابر مثل ربيعة والوليد ازدادت حركة الشاحنات والنفط والركاب، ما يرفع الحاجة إلى مراقبة أمنية لا تعطل التجارة الجديدة.
من عمليات منفصلة إلى شبكة معلومات
الاجتماع العسكري الأخير يضيف مستوى أعلى من التنسيق، لأنه جمع المؤسسات العسكرية المسؤولة عن الحدود في جلسة واحدة. البيان الأردني تحدث عن أمن المنطقة والحدود وتعزيز التعاون لمواجهة التهديدات والمخاطر العابرة للحدود، من دون إعلان آلية تنفيذ جديدة. هذا الحذر في الصياغة يعني أن ما نشأ حتى الآن هو إطار للتشاور، لا منظومة إقليمية مكتملة.
لكن بناء منظومة لا يبدأ بالضرورة بمعاهدة كبيرة. أول خطوة عملية هي جعل تبادل المعلومات سريعاً بما يكفي لملاحقة شحنة تتحرك من محافظة إلى أخرى أو تعبر دولة خلال ساعات. تحتاج الأجهزة إلى نقاط اتصال دائمة، وقواعد واضحة لتسليم البيانات، وقدرة على مطابقة أرقام المركبات والأشخاص والشركات، وآلية تسمح بتحويل المعلومة الاستخباراتية إلى توقيف قانوني في الدولة الثانية. العمليات السورية العراقية الأخيرة توضح قيمة هذا النموذج عندما يكون الهدف شبكة واحدة تعمل على جانبي الحدود.
المشكلة أن الحدود لا تخضع كلها لمؤسسة واحدة. وجود وزير شؤون البيشمركة في الاجتماع يعكس واقعاً عراقياً تحتاج فيه بغداد إلى تنسيق مع إقليم كردستان في القطاعات الشمالية، كما أن المسافات الصحراوية في غرب العراق وشرق الأردن وجنوب شرق سوريا تفرض دوراً كبيراً للمراقبة الجوية والاستطلاع الإلكتروني. لذلك ستكون أي منظومة جدية متعددة المستويات، بين الجيوش وحرس الحدود والشرطة ومكافحة المخدرات والجمارك والسلطات المحلية.
يمكن للتقنية أن تقلل المساحة التي يعمل فيها المهرب، لكنها لا تلغيها. الأردن استثمر لسنوات في المراقبة الحدودية، ومع ذلك استمرت الشبكات في استخدام طائرات مسيرة وطرق صحراوية ووسائل غير تقليدية. في 12 آب أحبطت السلطات السورية محاولة تهريب مخدرات باتجاه الأردن باستخدام بالونات في ريف السويداء الشرقي، فيما أعلن الجيش الأردني في اليوم نفسه إحباط محاولة تسلل. هذا النوع من الابتكار يفرض على الأجهزة تعديل وسائل الرصد باستمرار، ويجعل المعلومات البشرية داخل الشبكات مهمة بقدر الكاميرات والرادارات.
التجارة المتنامية تزيد تعقيد المهمة. العراق يستخدم الأراضي والموانئ السورية ممراً بديلاً لبعض صادرات الوقود والنفط بعد اضطراب هرمز، ووصلت مئات الصهاريج يومياً إلى بانياس خلال الصيف. كما عاد معبر ربيعة إلى العمل بعد إغلاق طويل. تشديد التفتيش بصورة بطيئة أو عشوائية قد يحول المعبر الآمن إلى عنق زجاجة اقتصادية، بينما التساهل يفتح مجالاً لإخفاء السلاح أو المخدرات داخل حركة تجارية ضخمة. نجاح الأمن الحدودي يحتاج إلى فرز قائم على المخاطر لا إلى تفتيش متساوٍ لكل شحنة.
حدود التنسيق
المنظومة الإقليمية ستواجه أيضاً مشكلة الثقة. شبكات التهريب تستفيد من الفساد ومن العلاقات العشائرية ومن الفجوات بين مؤسسات الدول، وقد يكون لها شركاء داخل أجهزة رسمية أو جماعات مسلحة. مشاركة بيانات حساسة تتطلب أن يثق كل طرف بأن المعلومات لن تصل إلى الشبكة المستهدفة أو تستخدم في صراع سياسي آخر. بناء هذا النوع من الثقة أصعب من عقد اجتماع رؤساء أركان، ويحتاج إلى نتائج متكررة ومحاسبة عند التسريب.
هناك فارق آخر بين مكافحة التهريب ومكافحة التمرد أو الإرهاب. المخدرات والسلاح غير المشروع يمكن أن يجمع الدول حول هدف جنائي واضح، بينما تعريف الجماعة المسلحة الخطرة قد يختلف من عاصمة إلى أخرى. إذا توسع الإطار من الجريمة المنظمة إلى ملفات سياسية وأمنية أوسع، تصبح فرص الخلاف أكبر. لذلك قد يكون من الأجدى أن يبدأ التعاون بقضايا قابلة للقياس، مثل المخدرات والأسلحة غير المرخصة وتسلل المطلوبين، قبل بناء التزامات أوسع.
الولايات المتحدة حاضرة في البيئة الأمنية المحيطة بالاجتماع، وجرى في عمّان أيضاً تواصل مع قيادة «سنتكوم». لا تثبت البيانات المتاحة أن واشنطن أنشأت أو تقود إطاراً ثلاثياً لمكافحة التهريب. وجودها مهم بسبب قواتها وخبرتها في مراقبة الحدود ومحاربة «داعش»، لكن استدامة التعاون تحتاج إلى أن تعمل المؤسسات السورية والأردنية والعراقية مباشرة حتى إذا تغير مستوى الانخراط الأميركي لاحقاً.
ما يتشكل بين دمشق وعمّان وبغداد أقرب إلى شبكة أمن حدودي في طور البناء منه إلى تحالف جديد. العمليات المشتركة وفرت أساساً عملياً، والاجتماع العسكري أعطاها سقفاً سياسياً ومؤسسياً أعلى. الخطوة التي ستحدد إن كان هذا المسار أصبح منظومة فعلية هي إنشاء قنوات دائمة للإنذار والملاحقة وتسليم المطلوبين، مع قياس واضح لانخفاض الشحنات التي تعبر الحدود. إذا بقي التعاون مرتبطاً بكل حادث على حدة، ستظل الشبكات أسرع من الاجتماعات. أما إذا أصبحت المعلومة تتحرك بين العواصم بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الشحنة، فسيكون الاجتماع الأخير بداية انتقال حقيقي في طريقة إدارة الحدود.
اقرأ أيضاً: لماذا رفع الجيش السوري جاهزيته على الحدود مع العراق؟ وما الذي يحدث فعلاً؟









