سياسة

دمشق وحزب الله.. رواية اللقاء السرّي بين التسريب والنفي

أحمد علي

تصل أخبار اللقاءات المغلقة إلى الناس محمولةً على سؤال مفتوح، هل يتغير شيء في العلاقة بين دمشق وحزب الله، أم أن المعركة هذه المرة تدور حول رواية ما حدث؟ منذ نشرت رويترز تقريرها في الأول من تشرين الأول 2026، صار الخبر نفسه موضع نزاع، مع نفي سوري وتركي لا يترك مجالاً لعرض الاجتماع بوصفه حقيقة محسومة.

تتجاوز أهمية المسألة وجود صورة تجمع خصمين. فأي تفاهم أمني محتمل يمس الحدود والسلاح وعلاقة البلدين، وأي ادعاء غير مثبت قد يتحول، بالتكرار، إلى أساس لتحليل سياسي كامل. لذلك تبدأ القراءة بالفصل بين ما نُشر، وما ردّت به الأطراف، وما ظل بلا دليل متاح للتحقق المستقل.

ماذا حملت رواية الوكالة؟

نسبت رويترز إلى ستة مصادر مجهولة، بينهم مسؤول أميركي، لقاءً واحداً على الأقل خلال أيلول، جمع ممثلي حزب الله بمسؤولين سوريين من الخارجية والاستخبارات، بدعوة أمنية تركية. بدأت الاتصالات قبل نحو شهرين من النشر. وبحسب الرواية، ضمنت دمشق عدم التدخل لنزع سلاح الحزب بلبنان، وطلبت إنهاء التهريب وتفكيك خلاياه بسوريا. تعهّد الحزب بعدم التدخل، دون جواب مباشر عن الطلبين أو اتفاق نهائي. وتضيف أن إيران علمت بالاجتماع دون المشاركة، والشرع رفض علاقات مباشرة معها حالياً. لم تؤكد الوكالة المدينة والمدة.

أهمية هذا التفصيل الأخير أن تحديد مدينة بعينها، أو الحديث عن اتفاق ناجز، يضيف إلى الرواية ما لم تثبته. كما أن نقل مطالب طرف لا يعني موافقة الطرف الآخر عليها؛ وقد تكون المحادثة، إن وقعت، محاولة لخفض الاحتكاك دون تغيير أوسع في العلاقة. هذا احتمال تفسيري، وليس نتيجة معلنة. ووجود مصدر أميركي ضمن من تحدثوا للوكالة لا يثبت حضور واشنطن أو موافقتها على التفاهمات المنسوبة للأطراف.

دمشق وأنقرة تنفيان أصل الاجتماع

نقلت قناة تلفزيون سوريا في الأول من تشرين الأول نفي إدارة الإعلام الخارجي في وزارة الإعلام عقد اجتماع بين الحكومة وحزب الله في تركيا. وأوردت الجزيرة أيضاً نفي الخارجية السورية لمنصة سوريا الآن، ونفي المستشار الإعلامي للرئاسة أحمد موفق زيدان. بذلك تجاوز الرد السوري التشكيك في بعض التفاصيل إلى إنكار وقوع اللقاء.

في المقابل، نفى مركز مكافحة التضليل التابع لدائرة الاتصال في الرئاسة التركية استضافة الاستخبارات التركية اجتماعاً من هذا النوع. وشمل بيانه التاريخ والمكان والمضمون والاتصالات الواردة في التغطيات، وفق ما نقلته الجزيرة وموقع بيانت التركي. لا يسند هذا الرد قراءة تقول إن أنقرة اعترضت على كشف اللقاء مع إقرارها به؛ فهو نفي صريح للرواية.

أما حزب الله فامتنع عن التعليق لرويترز، ولم تتلقَّ الوكالة رداً أميركياً أو إيرانياً. وحتى 3 تشرين الأول، لم أعثر على رد علني لاحق من الحزب أو طهران أو واشنطن يحسم خبر الاجتماع. الصمت هنا لا يثبت المشاركة أو الموافقة، ولا يتيح اختراع موقف سياسي بالنيابة عن أصحابه.

خلية درعا، ملف آخر لا رد بديل

سبق التقريرَ توترٌ معلن. فقد نقلت سانا في 29 أيلول إعلان السلطات السورية توقيف ثلاثة أشخاص في حوض اليرموك بدرعا، قالت إنهم خلية مرتبطة بحزب الله كانت تعد منصات لإطلاق صواريخ. هذه اتهامات أعلنتها الأجهزة المختصة مع استمرار التحقيق، وليست حكماً قضائياً يثبت المسؤولية.

وردّ حزب الله في 30 أيلول بنفي صلته بالخلية، ونفي وجوده داخل الأراضي السورية، مؤكداً حرصه على أمن سوريا، وفق البيان الذي نشرته الحدث. لهذا لا يجوز تقديم بيان الخلية بوصفه رداً على تقرير الاجتماع المنشور في اليوم التالي. الموضوع والتوقيت مختلفان، وإن تداخلا في الخلفية السياسية.

ثم نشرت صحيفة الأخبار، في 2 تشرين الأول، مادة تتحدث عن استمرار اللقاءات التي ترعاها أنقرة بين إدارة الشرع والحزب، وعن دور تركي في تقريب المواقف. إنها رواية صحفية إضافية تصطدم بالنفي الرسمي، وليست تصريحاً باسم حزب الله أو وثيقة مستقلة تثبت انعقاد اجتماع بعينه.

ما نعرفه، وما لا يحق لنا الجزم به

الصحيح هو صدور التقرير وصدور النفيين. أما وقوع الاجتماع وتفاصيله فغير قابلين للتحقق المستقل بالأدلة العلنية التي وقفت عليها؛ ولم أتمكن من التحقق من ذلك بصورة مستقلة. والقول بوجود اتفاق معلن بين دمشق وحزب الله مضلل، لأنه يحوّل رواية متنازعاً عليها إلى نتيجة محسومة.

تبقى مصلحة الناس أوضح من ضباب التسريبات. خفض التوتر وحماية الحدود والمدنيين يستحقان المتابعة، لكن تقييم أي تفاهم يحتاج التزامات قابلة للفحص ونتائج ظاهرة. فلا يصح أن تصير المصادر المجهلة بديلاً دائماً عن الدليل، كما لا يكفي النفي الرسمي وحده لإغلاق باب السؤال.

اقرأ أيضاً: دمشق تدين إيران في هرمز: ماذا يكشف الموقف عن اصطفاف سوريا الإقليمي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى