دمشق والبُعد الحضاري: حكاية المدينة التي احتضنت الغرباء وصهرتهم!

الكاتب: أحمد علي
هنا مرّت القوافل قبل آلاف السنين، وعلى حجارة طرقاتها طبعت أقدام التجّار والمحاربين والعلماء من شتّى بقاع الأرض. أتحدث عن دمشق، وليست دمشق مدينة عادية؛ فهي أشبه بمتحف حيّ تتراكم في أرجائه طبقات الحضارة الإنسانية. وكثيراً ما يتردّد القول إنّ جميع الحضارات قد تعاقبت على دمشق وإنها امتدادٌ لها جميعاً، مقولة تبدو للوهلة الأولى ضرباً من المبالغة أو الدعاية، لكنّ التفاصيل تؤكد أنها حقيقة راسخة. كيف لا، ودمشق ما تزال حتى اليوم تنبض ببصمات تلك الحضارات المتعاقبة، شاهدةً على عمق حضاري قلّ نظيره في تاريخ المدن. سنغوص في تاريخ هذه المدينة الأسطورية لنفند تلك المقولة بالتفاصيل، ونرسخ القناعة بصحّتها عبر استعراض ما تركه تعاقب الحضارات من تأثيرات ملموسة على دمشق وأهلها عبر العصور.
دمشق.. عراقة ضاربة في عمق التاريخ
عندما نصف دمشق بأنّ لها بُعداً حضارياً عريقاً فنحن لا نبالغ، فهذه المدينة تُعدّ من أقدم المدن المأهولة في العالم. أظهرت التنقيبات الأثرية في موقع تل الرماد بضواحي دمشق دلائل على وجود سكن بشري منذ عام 10000 إلى 8000 قبل الميلاد، ما يجعلها فعلياً من أقدم المدن المأهولة باستمرار على وجه الأرض. وعلى الرغم من أن تأسيس المدينة ككيان حضري يُرجَّح أنه حصل في الألفية الثالثة قبل الميلاد، فإن وجودها موغل أكثر في القدم. ومنذ تلك العصور السحيقة ودمشق لم تفقد جذوة الحياة فيها قط؛ فهي أقدم عاصمة في التاريخ لا تزال نابضة بالحياة حتى اليوم. وقد ورد ذِكر دمشق في وثائق تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، مثل رُقم إبلا ورسائل تل العمارنة المصرية، ما يدل على مكانتها القديمة كمركز حضاري وتجاري حتى قبل العصور الكلاسيكية.
هذه العراقة التاريخية وفرت الأساس لتراكم حضاري متعدد الطبقات في دمشق عبر الأزمنة. فقد كانت موقعاً استثنائياً تفاعل فيه الإنسان مع المكان بشكل متواصل آلاف السنين، مما هيّأ المسرح لتعاقب حضارات مختلفة تركت كل منها أثرها في نسيج المدينة. ولعل أهم ما يميز دمشق أن تاريخها لم يكن صفحة منقطعة أو منعزلة، بل هو سجل متصل تضاف فيه في كل حقبة طبقة جديدة فوق طبقات الماضي دون أن تمحوها تماماً. هذا التراكم المتناغم هو الذي يشكل البعد الحضاري لدمشق وعمقها الفريد.
حضارات تعاقبت عبر العصور
لم تنل دمشق لقب “مدينة الحضارات” من فراغ؛ فقد كانت عبر تاريخها مسرحاً تعاقبت عليه حضارات وإمبراطوريات متتالية، لكل منها بصماته الخاصة. بدأ نجم دمشق يلمع بقوة في عهد الآراميين (حوالي القرن الحادي عشر قبل الميلاد)، إذ كانت عاصمة لمملكة آرام دمشق الشهيرة. طوّر الآراميون نظم الري في وادي بردى وأنشأوا شبكة قنوات ماء (اليناعير) ما زال صداها موجوداً في نظام السقاية التقليدي بالمدينة. وفي تلك الفترة ازدهرت دمشق كمركز تجاري وثقافي في قلب طرق القوافل بين الشرق والغرب. حوالي عام 732 ق.م سقطت دمشق بيد الآشوريين، لتصبح جزءاً من إمبراطوريتهم؛ ثم تبعتها حقبة الحكم البابلي فالفرعوني القصيرة ثم الفارسي الأخميني، فكانت المدينة تتكيف في كل مرة مع ثقافة الحكم الجديد دون أن تفقد روحها الأصلية.
مع قدوم الإسكندر الأكبر عام 333 ق.م دخلت دمشق الحضارة الهلنستية اليونانية، وبعد وفاته صارت تتنازعها ممالك خلفائه السلوقيين والبطالمة. أخيراً ضمّتها روما عام 64 ق.م في عهد القائد بومبي، وأدرك الرومان الأهمية الاستراتيجية لدمشق فجعلوها مدينة مزدهرة ضمن مدن حلف الديكابولس العشر. ترك الرومان بصمتهم الواضحة في تخطيط المدينة وهندستها؛ فأنشؤوا الشوارع المستقيمة الواسعة والبوابات الضخمة والأسواق المسقوفة التي ما زال بعضها قائماً حتى اليوم. ويمكن للزائر أن يشاهد بقايا معبد جوبيتر الروماني شامخة عند بوابة سوق الحميدية، وجزءاً من السور الروماني القديم وأقواس النصر بالقرب من باب شرقي، في أدلة ماثلة للعيان على عمق الطبقة الرومانية في نسيج دمشق العمراني. وما لبثت المسيحية أن انتشرت في دمشق مع الزمن لتغدو المدينة جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية بعد انقسام روما، فظهرت الكنائس والأديرة في ربوعها وازدهرت فيها ثقافة شامية مسيحية عريقة امتزجت مع إرثها الكلاسيكي. ولعل أشهر معالم تلك الحقبة كنيسة يوحنا المعمدان التي أُقيمت داخل معبد جوبيتر نفسه في القرن الرابع الميلادي، قبل أن يبدأ فصل جديد من تاريخ المدينة مع الفتح الإسلامي.
في العام 636 م دخلت جيوش المسلمين دمشق بقيادة خالد بن الوليد بعد معركة اليرموك، لتنضم المدينة إلى دائرة الحضارة الإسلامية الفتية. ولم تلبث دمشق أن اختيرت عاصمة لأول دولة إسلامية كبرى؛ وهي الخلافة الأموية (661-750م). شهدت المدينة في العصر الأموي عصرها الذهبي، حيث بلغت أوج ازدهارها عمرانياً واقتصادياً وثقافياً. بُني في هذا العهد الجامع الأموي الكبير الذي يُعد جوهرة معمارية خالدة حتى اليوم، وقد أقيم بشكله الإسلامي الحالي عام 715م في موقع كنيسة يوحنا المعمدان ومعبد حدد الآرامي القديم قبلها. هكذا نجد في بناء الجامع الأموي وحده خلاصة طبقات حضارية متعددة: أساسات معبد آرامي للإله حدد رُبَّما تعود للقرن التاسع ق.م، فوقها معبد روماني للإله جوبيتر من القرن الأول الميلادي، تحول إلى كنيسة بيزنطية ثم جاء الأمويون وشادوا فوقه مسجدهم العظيم. ولا يزال الجامع حتى الآن يجمع بين ملامح معمارية وزخرفية رومانية وبيزنطية وإسلامية في آن واحد، في تجسيد حيّ لامتزاج الحضارات في صرح واحد.
بعد الأمويين انتقل مركز الثقل السياسي شرقا إلى بغداد في عهد العباسيين، فتراجعت مكانة دمشق نسبياً لكنها بقيت حاضرة شامية مهمة. تعاقبت عليها أسر حاكمة محلية تحت مظلة الخلافة العباسية كالطولونيين والإخشيديين والفاطميين، إلى أن حرّرها صلاح الدين الأيوبي من الفاطميين والصليبيين في القرن الثاني عشر وضّمها إلى دولته. أصبحت دمشق لاحقاً عاصمةً للدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين، ثم خضعت لسلطة المماليك الذين جعلوا منها ثانية أهم مدنهم بعد القاهرة. في عهد المماليك تعرضت دمشق لغزو المغول بقيادة تيمورلنك عام 1400م، فدُمّرت أجزاء كبيرة منها وأُحرق الجامع الأموي وقتها، لكن المدينة عاودت النهوض من تحت الرماد. ومع دخول القرن السادس عشر، فتح العثمانيون بلاد الشام وأصبحت دمشق ولاية تابعة للخلافة العثمانية (1516-1918م). خلال الحكم العثماني نعمت المدينة بفترة استقرار نسبي طويل، مما سمح بإضافة طبقة جديدة إلى نسيجها الحضاري؛ فرُممت المعالم القديمة كالمسجد الأموي وبُنيت معالم جديدة مثل التكية السليمانية التي أنشأها المعماري الشهير سنان بأمر السلطان سليمان القانوني عام 1554م، وقصر العظم الذي شُيّد في القرن الثامن عشر ليكون تحفة معمارية عثمانية ما زالت قائمة. كما ازدهرت أسواق وخانات دمشق في تلك الفترة وازدان بعضها بزخارف الفن العثماني البديع.
ومع أواخر العهد العثماني شهدت دمشق تطوراً إدارياً وثقافياً، فتأسست بها جامعة دمشق (كمعهد للطب عام 1901 ثم توسعت) وأطلقت صحيفة “الشرق” كأول جريدة مطبوعة في بلاد الشام عام 1865، مما يعكس انفتاح أهلها على معطيات النهضة الحديثة في القرن التاسع عشر. وعقب انهيار العثمانيين إثر الحرب العالمية الأولى، خضعت دمشق للاحتلال الفرنسي لفترة وجيزة (1920-1946) قبل أن تنال استقلالها كعاصمة للدولة السورية الحديثة.
وهكذا يتضح أن دمشق مرّت عبر تاريخها الطويل بمراحل حكم وثقافات متنوعة ربما تفوق ما شهدته أية مدينة أخرى. فقد حكمها الآراميون والآشوريون والفرس الإخمينيون والإغريق السلوقيون والأنباط والرومان والبيزنطيون والعرب المسلمون من أمويين وعباسيين وأيوبيين ومماليك، ثم العثمانيون فالفرنسيون – جميعها تركت بصمات مختلفة في دمشق. هي فعلاً مدينة تقف عند ملتقى دروب التاريخ، حيث تكاد كل حقبة مهمة في مسيرة الحضارة الإنسانية أن تكون ممثلة فيها بشكل من الأشكال. وليس أدلّ على ذلك من توصيف منظمة اليونسكو لدمشق بأنها “تُظهر أدلة استثنائية على الحضارات التي أنشأتها”، فقد خلّدت كل حضارة حلّت فيها جزءاً منها في هوية المدينة. وقد تركت كل من هذه الحضارات آثارها وراءها في دمشق عبر العمارة والتقاليد الثقافية التي لا تزال حاضرة في جميع أنحاء المدينة، سواء تجسد ذلك في مبنى أثري أو عادة اجتماعية أو حتى في لهجة أهلها ومفرداتهم.
بصمات الحضارات في المعالم والثقافة

إن تراكم الحضارات في دمشق لم يبقَ حبيس بطون الكتب، بل نراه ونلمسه في معالم المدينة وأسلوب حياة أهلها حتى يومنا هذا. فعلى الصعيد المعماري، تحتضن دمشق القديمة وحدها نحو 125 معلماً أثرياً تمثل فترات تاريخية مختلفة، من بقايا الأسوار الرومانية والأعمدة والمعابد القديمة، إلى الكنائس البيزنطية المتوارية في حارات باب توما، وصولاً إلى المساجد والمدارس والخانات من عصور إسلامية متنوعة.
المخطط العمراني لدمشق ما يزال إلى حد بعيد وفياً لجذوره الكلاسيكية؛ فشوارع البلدة القديمة الرئيسية تتبع الاتجاهات المتعامدة ذاتها التي وضعها الإغريق والرومان (شمال-جنوب وشرق-غرب)، مما يجعل الزائر يشعر بأن المدينة القديمة شبكة مترابطة تحمل بصمة التخطيط الهلنستي الروماني بكل وضوح. وفي قلب هذه الشبكة يبرز الجامع الأموي الكبير بمآذنه وقبته، تحيط به أسواق عريقة مثل سوق الحميدية والبزورية ومدحت باشا (الذي كان جزءاً من الشارع المستقيم الروماني القديم). كما تجد القلعة الأيوبية شامخة على أطراف المدينة القديمة، وتقابلها التكية السليمانية بخطوطها العثمانية عند مدخل المدينة الحديثة. إن التنوع في طرز العمارة الدمشقية يعكس تماماً تعاقب الحكام والثقافات؛ فبينما تجد الزخارف الرومانية واليونانية على تيجان الأعمدة في الآثار القديمة، ترى الأرابيسك الإسلامي يزين جدران المدارس والمساجد، وتطالعك الشرفات الخشبية والزجاج الملون في البيوت الدمشقية القديمة كتعبير عن الفن العثماني المحلي. كل حجر وزخرفة هنا يروي فصلاً من قصة الحضارات التي عبرت من هذا المكان.
ولا يقف الأمر عند المعالم المادية فحسب، بل يمتد إلى الثقافة والعادات الدمشقية. فقد ورث أهل دمشق عن تاريخهم الطويل تراثاً غنياً من العادات والتقاليد. نجد مثلاً أن صناعة السيوف الدمشقية الشهيرة (المعروفة بالفولاذ الدمشقي) تعود بجذورها إلى قرون خلت حين كانت دمشق رائدة في صناعة السلاح أيام الصليبيين والمماليك. وكذلك صناعة النسيج الدمشقي الفاخر المعروف باسم “الديمشق” أو أقمشة البروكار الحريرية التي زيّنت قصور أوروبا، هي امتداد لحرفة ازدهرت في العصور الوسطى بدمشق واشتهرت بها عالمياً. حتى اللغة المحكية في دمشق تحمل آثاراً لفظية من الحضارات المتعاقبة؛ فبعض الكلمات الدارجة أصلها آرامي سرياني قديم، وأخرى تركية عثمانية دخلت اللهجة خلال قرون العثمانيين. أما المطبخ الدمشقي فمزيج لذيذ من نكهات تأثرت بالمطبخ التركي وغيره، ولكنه حافظ على هوية شامية متوارثة منذ الأجداد. وعلى مستوى التنوع الديني والاجتماعي، لطالما عاشت في دمشق طوائف متنوعة جنباً إلى جنب؛ فهناك أحياء للمسيحيين ما زالت عامرة بكنائس عمرها قرون، وحارة لليهود كانت فيها كُنُس قديمة (مثل كنيس جوبر التاريخي) إلى أن هاجر معظمهم في القرن العشرين.
هذا التنوع الاجتماعي أضفى على الشخصية الدمشقية سمات الانفتاح والتسامح الحضاري مع الآخر، نتيجة تعايش ورؤية إرث ثقافي متعدد في حياتهم اليومية. فلا عجب أن وُصفت دمشق بأنها “مهد الحضارات” و”ملتقى الثقافات”، فهي بالفعل أشبه ببوتقة انصهرت فيها روافد ثقافية شتى واندمجت لتكوّن هوية فريدة لأهل هذه المدينة.
في دمشق اليوم، يمشي ابن المدينة على أرض تجمع إرث الماضي بالحاضر؛ يسير في سوق يضج بالحياة المعاصرة تحت قوس روماني عمره ألفا عام، ويصلّي في مسجد كان معبداً وكنيسة من قبل، ويطرق باب بيت تزدان واجهته بخشب عثماني وفنونه، وربما يقطن في حي يحمل اسم قبيلة عربية منذ الفتح الإسلامي أو اسم قديس من زمن البيزنطيين.
كل ذلك يؤكد أن مقولة “دمشق امتداد لكل الحضارات” ليست مجرد شعار دعائي، بل هي حقيقة محسوسة تثبتها الشواهد التاريخية والمعايشة اليومية على حد سواء. لقد صاغت كل حضارة مرّت على هذه الأرض جزءاً من شخصية المدينة وأهلها، فأورثتهم حب العلم والأدب والفنون، وأكسبتهم روحاً تجمع الأصالة والانفتاح معاً. وهذا البعد الحضاري العميق لدمشق هو سرّ بقائها واستمرارها رغم تقلبات الدهور؛ فهي مدينة تتجدد بتجدد الحضارات التي مرت عليها، وتأبى إلا أن تبقى حيةً نابضةً تحمل ذاكرة العالم بين جدرانها… بعبارة أخيرة: دمشق مدينة تعلمت هي وأهلها، وعبر دروس تاريخية متراكمة ومتعاقبة، كيف تستقبل الغرباء وتصهرهم لتعيد تشكيلهم كما يليق بها، قبل أن تأخذهم إلى متحف الذاكرة..
اقرأ أيضاً: صيدنايا: مدينة القداسة والتاريخ.. لا سجن الرعب والدماء!









