سياسة

دمشق تطالب بيروت بتسليم مئات الضباط: عدالة انتقالية أم معركة أمنية استباقية؟

الكاتب: أحمد علي

تبدو العلاقة بين دمشق وبيروت كأنها تُكتب بالحبر نفسه الذي كُتبت به جغرافيا الحدود، خطوط قريبة، ومعانٍ متشابكة، وذاكرة ثقيلة يصعب تجاهلها. لذلك لم تمرّ الأخبار عن طلبٍ سوري من الأجهزة اللبنانية “تسليم” أكثر من 200 ضابط من حقبة نظام بشار الأسد مروراً عادياً، لأن السؤال هنا لا يتوقف عند الأسماء ولا عند الرقم، بل يمتد إلى طبيعة الدولة السورية الجديدة، وحدود دور لبنان، ومعنى العدالة عندما تتقاطع مع الأمن.

عدالة انتقالية أم أمن؟

وفق ما نقلته “رويترز”، قُدِّمت إلى الجانب اللبناني لائحة بأسماء أكثر من 200 ضابط سوري كانوا قد فرّوا إلى لبنان بعد سقوط الأسد في كانون الأول 2024، وجاء ذلك خلال لقاءات أمنية عُقدت في بيروت، بينها اجتماع في 18 كانون الأول 2025، مع حديث سوري عن ضرورة “تسليم” هؤلاء أو ملاحقتهم.

في المقابل، قال مسؤولون لبنانيون إن الطلب لم يتحول إلى مسار قضائي رسمي عبر وزارتي العدل والخارجية، وإن غياب التهم المحددة يجعل أي خطوة حساسة قانوناً وسياسياً.

عبارة “عدالة انتقالية” تحمل معنى إيجابياً لدى كثيرين: محاسبة على جرائم حقبة طويلة من القمع والفساد والحرب. لكن المعضلة أن العبارة نفسها قد تتحول إلى غطاء واسع إذا لم تُربط بإجراءات واضحة، مثل ملفات اتهام قابلة للتدقيق، وحق الدفاع، ومحاكمات علنية قدر الإمكان.

وعندما يُطرح “التسليم” كقرار أمني سريع، يصبح السؤال مشروعاً: هل نذهب نحو عدالة انتقالية تُبنى على القانون، أم نحو معركة أمنية استباقية تستهدف تفكيك شبكات يُعتقد أنها تخطط لاضطرابات؟

لبنان بين القانون والسياسة

لبنان ليس ساحة فارغة لإجراء تسليمات عابرة للحدود، حتى لو كان الواقع السياسي في البلد كثيراً ما يُغري الأطراف بمعاملة مؤسساته كمساحة تفاوض. قوانين تسليم المطلوبين في لبنان ومسارات التعاون القضائي تعني، نظرياً، أن المطلوب هو ملف قضائي، وتهم واضحة، ومراجعات أمام جهات مختصة، لا مجرد قائمة تُسلَّم في لقاء أمني. وهذا ما يفسر تكرار الحديث في تغطيات عدة عن أن الطلب لم يُقدَّم “رسمياً” بعد.

في الخلفية أيضاً هواجس حقوقية لا يمكن تجاهلها، لأن أي عملية تسليم ترتبط تلقائياً بمبدأ “عدم الإعادة القسرية” عندما يكون هناك خوف جدي من التعذيب أو المحاكمة غير العادلة. منظمات حقوقية تذكّر بأن قرارات التسليم قد تفتقر أحياناً إلى ضمانات كافية، ما يرفع كلفة الخطأ إذا تحوّل الملف إلى تصفية حسابات بدل مسار عدالة.

اقرأ أيضاً: ملف سجناء سجن رومية بين المماطلة اللبنانية والعوائق القانونية

الناس بين الخوف والحق

على الأرض، يتحرك الملف فوق مجتمع لبناني منهك اقتصادياً وأمنياً، يعيش ضغط وجود نحو 1.5 مليون لاجئ سوري وفق تقديرات متداولة، إلى جانب سجناء سوريين وملفات تهريب وحدود غير مضبوطة. لذلك يخشى كثيرون أن تتحول “قائمة الضباط” إلى ذريعة لتعميم الشبهة أو لتوترات طائفية جديدة.

في المقابل، عائلات لبنانية ما زالت تبحث عن مفقودين في سوريا ترى في أي تعاون قضائي فرصة متأخرة للحقيقة.

سوريا الجديدة وحساب المخاطر

لماذا الآن؟ تقرير “رويترز” الذي سبق الخبر مباشرةً رسم صورة عن لبنان باعتباره مساحة نشاط لبعض شخصيات حقبة الأسد وشبكات تمويل يمكن أن تدعم تحركات مسلحة، خصوصاً في مناطق الساحل السوري. وفي سياقٍ مرتبط، تحدّثت تقارير لاحقة عن توقيف السلطات اللبنانية سورياً يُشتبه بأنه ساعد في تحويل أموال لمقاتلين موالين للأسد، ما أعطى للقصة بعداً عملياً يتجاوز اللغة الدبلوماسية.

في المقابل، لا يصح اختزال ما يجري في نظرية مؤامرة واحدة. سوريا ما بعد 2024 ما زالت تعيش توتراً أمنياً وتنافساً بين مراكز قوة، ومعركة إعادة بناء جهاز الدولة، وإرث حرب أهلية طويلة تركت سلاحاً وخطوط ولاء عابرة للحدود.

في هذا المناخ، قد يبدو للسلطات في دمشق أن تحييد ضباط سابقين، حتى قبل اكتمال الملفات القضائية، خطوة وقائية لتخفيف مخاطر انتقامية أو تمرد محلي. وهنا يتقاطع الأمن مع العدالة الانتقالية، لكنهما لا يتطابقان.

قائمة الأسماء وأسئلة المصداقية

يتعلق جزء مهم من النقاش بطبيعة “القائمة” نفسها. مصادر لبنانية تحدثت عن أن اللائحة لا تضم بالضرورة كل الأسماء “الرفيعة” كما يوحي الرقم، وأن بعض المطلوبين قد يكونون من مراتب مختلفة، ما يفتح باب السؤال عن معيار الاختيار، فهل هو معيار قضائي مرتبط بجرائم محددة، أم معيار أمني مرتبط بالاشتباه في التخطيط والتمويل؟

وهذا السؤال ليس ترفاً هنا، لأنه يحدد نوع الرد اللبناني ونوع المسار السوري. إذا كانت ملفات جرائم حرب أو تعذيب أو فساد كبير موجودة ومثبتة، فالمسار الطبيعي هو طلبات قضائية فردية مدعّمة بالأدلة، وربما مذكرات توقيف عبر قنوات دولية حيث يلزم. أما إذا كانت القضية تتعلق بتهديد أمني آني، فالمطلوب يصبح تبادل معلومات ورقابة حدودية وتحقيقات مشتركة، لا تسليم جماعي قد ينفجر سياسياً داخل لبنان ويُستخدم للتصعيد الداخلي.

الطريق الوسط الأقل كلفة

المشهد لا يفرض خيارين متطرفين. إذ يمكن لدمشق أن تتعامل مع الملف كجزء من عدالة انتقالية جدية عبر إعلان معايير واضحة للملاحقة، وتحديد الجرائم التي تُعَدّ ضمن “حقبة الأسد”، وضمانات محاكمة عادلة، وإتاحة مراقبة حقوقية حيث أمكن. ويمكن لبيروت أن تطلب مساراً قانونياً كاملاً، وأن تميّز بين من يحمل إقامة قانونية ولا تهم محددة عليه، وبين من توجد بحقه مذكرات توقيف أو شبهات تمويل أو تحريض.

في سياق العلاقات الثنائية، تبدو لجان التعاون التي تحدثت عنها بعض وسائل الإعلام حول ملفات السجناء والمفقودين وترسيم الحدود مثالاً على مقاربة مؤسساتية أكثر هدوءاً من مقاربة “القوائم”. وتوسيع هذا النوع من الآليات ليشمل المطلوبين يمكن أن يخفف الضغط ويقلل احتمالات سوء الاستخدام.

الخلاصة أن العنوان الحقيقي ليس تسليم 200 ضابط بحد ذاته، بل اختبارٌ لطريقة إدارة المرحلة الانتقالية في سوريا، وقدرة لبنان على حماية سيادته القانونية وسط ضغوط أمنية وسياسية. وأي خطوة مرتجلة قد تُرضي طرفاً لحظياً لكنها تزرع أزمة ثقة طويلة بين دولتين تحتاجان إلى استقرار متبادل. وهذا يتطلب شفافية وتدرجاً ومسؤولية دائمة.

ختاماً، العدالة الانتقالية، إذا أُريد لها أن تكون عدالة فعلاً، تحتاج إلى أسماء وتواريخ وملفات ومحاكم، لا إلى أرقام فقط. وفي المقابل، أمن الدول لا يُحمى بالإنكار ولا بالتراخي، بل بالتعاون المنظم الذي يوازن بين منع العنف واحترام القانون، والنتيجة المطلوبة قانون واضح وثقة عامة حقيقية.

اقرأ أيضاً: ما هي تحديات ومسؤوليات المجتمع الدولي في مسار العدالة الانتقالية السورية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى