سياسة

دمشق تدين إيران في هرمز: ماذا يكشف الموقف عن اصطفاف سوريا الإقليمي؟

الكاتب: أحمد علي

أدانت دمشق في 8 آب 2026 ما وصفته بـ«الاعتداء الإيراني» على ناقلة نفط تابعة لشركة «أدنوك ADNOC» الإماراتية أثناء عبورها مضيق هرمز، وأعلنت تضامنها الكامل مع دولة الإمارات ورفضها استهداف الملاحة في الممرات الدولية. جاء البيان بعد يوم واحد من إدانة سورية لهجمات الحوثيين على أهداف مدنية في نجران السعودية، وبعد سلسلة مواقف مشابهة خلال الحرب الإقليمية الجارية. تكتسب هذه اللغة دلالتها من التحول الذي طرأ على موقع دمشق بعد سقوط سلطة الأسد، إذ انتقلت من علاقة تحالف وثيق مع طهران إلى بناء علاقات سياسية ومالية متسارعة مع الخليج وتركيا والولايات المتحدة.

الموقف السوري لا يعني أن دمشق دخلت حرباً مع إيران. الرئيس أحمد الشرع قال في آذار إن سوريا ستبقى خارج الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران ما لم تتعرض لاعتداء ولا يبقى أمامها حل دبلوماسي، وأكد أن بلاده لا تريد أن تتحول إلى ساحة صراع جديدة. لذلك تكمن دلالة بيان هرمز في المكان الذي تضع فيه دمشق نفسها سياسياً وقانونياً، لا في وجود التزام عسكري سوري تجاه الإمارات أو خصوم إيران.

اصطفاف سوريا الإقليمي بعد هرمز

يصعب فصل إدانة 8 آب عن طبيعة الحادث نفسه. الإمارات قالت إن ناقلة مرتبطة بشركة النفط الحكومية تعرضت لهجوم صاروخي إيراني أثناء مرورها في المضيق، من دون إصابات في الهجوم الأخير، فيما قالت «أدنوك» إن 15 سفينة تابعة لها تعرضت لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة منذ بدء الحرب الإقليمية، ما أدى إلى مقتل أحد أفراد الطواقم وإصابة عشرين. تنسب هذه الوقائع إلى الجانب الإماراتي، وقد تبنت توصيف أبو ظبي للهجوم وأدانته وفق هذا التوصيف.

لهرمز وزن يتجاوز العلاقة الثنائية. قبل الحرب كان نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر المضيق، ثم تعرضت الحركة فيه إلى اضطرابات كبيرة منذ اندلاع الحرب في 28 شباط. إيران تستخدم التحكم بالممر جزءاً من أدوات الضغط في المفاوضات مع واشنطن، وقالت في 8 آب إن التفاهم القريب مع عُمان بشأن الملاحة لا يكفي وحده لإعادة فتح المضيق بالكامل. حين تضع دمشق نفسها إلى جانب حرية الملاحة وسيادة الإمارات، فهي تتبنى القاعدة التي تدافع عنها دول الخليج في نزاع يمس أمنها الاقتصادي مباشرة.

هذا التحول أوضح إذا قورن بموقع سوريا قبل كانون الأول 2024. كانت العلاقة مع إيران آنذاك جزءاً من بنية أمنية وعسكرية واقتصادية واسعة دعمت بقاء السلطة السابقة خلال الحرب. الحكومة الجديدة لم تنتقل إلى خصومة عسكرية معلنة مع طهران، لكنها نزعت من العلاقة طابع التحالف السابق. الشرع قال في تصريحات علنية إن إيران دعمت السلطة السابقة وهاجمت سوريا، وفي الوقت نفسه شدد على أن دمشق امتنعت عن المشاركة في الحرب ضدها. النتيجة الحالية أقرب إلى فك الارتباط مع محور سابق مع إبقاء باب الدولة مفتوحاً أمام علاقة مستقبلية لا تقوم على النفوذ العسكري داخل سوريا.

اختُبرت هذه القاعدة في 17 تموز عندما قالت إيران إنها استهدفت مركز قيادة أميركياً قرب التنف في شرق سوريا. نقلت عن مصدر عسكري سوري أن الهجوم وقع قرب المنطقة لكنه لم يصب القاعدة ولم يوقع خسائر، ولم تستطع الوكالة التحقق مستقلاً من الهدف الإيراني. كان ذلك أول هجوم إيراني معروف على الأراضي السورية خلال الحرب الحالية. دمشق لم ترد عسكرياً، وهو ما ينسجم حتى الآن مع سياسة تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة.

الخليج صار شريكاً مادياً

المعادلة السياسية الجديدة تستند إلى مصالح اقتصادية قابلة للقياس. بلغت التجارة غير النفطية بين سوريا والإمارات 1.4 مليار دولار في 2025، بزيادة 132% بحسب وزير التجارة الخارجية الإماراتي، وطرحت خلال منتدى استثماري في دمشق مشروعات أولية قد تصل قيمتها إلى 19 مليار دولار. السعودية أعلنت في تموز 2025 اتفاقات استثمارية في سوريا بقيمة 6.4 مليارات دولار، ثم كشفت في شباط 2026 عن حزمة إضافية بنحو ملياري دولار شملت الطيران والطاقة والاتصالات ومشروعات بنية تحتية.

لا تعني كل قيمة معلنة أن الأموال صُرفت أو أن المشروعات اكتملت. بعض الاتفاقات ما زال في مراحل التخطيط والتنفيذ، وهو فرق ضروري عند تقييم حجم النفوذ الفعلي. مع ذلك، تغير اتجاه اعتماد دمشق واضح. الدول التي تستطيع تمويل إعادة الإعمار، وفتح قنوات مصرفية، وربط سوريا بالأسواق الدولية، أصبحت في مقدمة الشركاء الذين تحتاجهم الحكومة الجديدة، بينما تراجع الدور الإيراني الذي كان يوفر النفط والائتمان والدعم العسكري للسلطة السابقة.

ساعدت السعودية وتركيا أيضاً في إعادة وصل دمشق بواشنطن. أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أيار 2025 رفع العقوبات الواسعة على سوريا بعد طلب من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ثم بدأت خطوات تنفيذية سمحت بمعاملات أوسع مع الحكومة والمصرف المركزي. بالنسبة إلى دمشق، أصبحت الثقة الخليجية مرتبطة مباشرة بتمويل التعافي وإزالة القيود وإعادة بناء القطاع المالي، وهو ما يرفع كلفة أي توتر سياسي مع هذه الدول.

تفسر هذه المصالح لماذا جاءت الإدانة السورية متقاربة مع الموقف الخليجي في نجران وهرمز. الحكومة تحتاج إلى إظهار أن أمن السعودية والإمارات والممرات التجارية جزء من البيئة التي تريد الاندماج فيها. وفي المقابل، يمنح الخليج دمشق فرصة للخروج من اعتماد أحادي سابق على إيران وروسيا. حتى ملف الطاقة يتحرك بهذا الاتجاه، إذ أبلغت سوريا واشنطن، وفق مصادر نقلتها «رويترز» في 4 آب، استعدادها لخفض واردات النفط الروسي بصورة كبيرة إذا توسعت بدائل التوريد وجرى حل ما تبقى من قيود أميركية.

حدود الابتعاد عن طهران

يبقى وصف هذا المسار بأنه انتقال إلى «محور مضاد لإيران» أوسع مما تثبته الوقائع. لا توجد اتفاقية دفاع سورية مع الخليج ضد إيران، ولم تشارك القوات السورية في العمليات الأميركية أو الإسرائيلية، ولم تعلن دمشق قطع العلاقات الدبلوماسية أو منع أي علاقة اقتصادية مستقبلية مع طهران. موقف الشرع المعلن يقوم على تجنب الحرب وبناء علاقات متوازنة مع الجوار والقوى الدولية، وهي صيغة تمنح الحكومة مساحة للتحرك بين شركاء متعددين.

الحدود تظهر أيضاً في حاجة سوريا إلى العراق ولبنان، وهما دولتان تتداخل فيهما قوى قريبة من إيران. تشديد الخصومة مع طهران إلى درجة المواجهة قد ينقل الضغط إلى الحدود والتجارة والأمن الداخلي، وهو ثمن لا تبدو دمشق راغبة في تحمله. لذلك تركز البيانات السورية على سيادة الدول والملاحة وحماية المدنيين أكثر مما تركز على مشروع إقليمي لمواجهة إيران.

يمكن وصف ما جرى بأنه إعادة تموضع ذات اتجاه واضح. دمشق غادرت موقع الحليف الإيراني، وارتبطت مصالحها الجديدة بصورة أكبر بالسعودية والإمارات وتركيا والانفتاح الغربي، كما بات خطابها أقرب إلى المواقف العربية في قضايا الأمن الخليجي. لكن الحكومة تحاول إبقاء هذا التحول تحت سقف سياسي يمنعها من أن تصبح طرفاً مقاتلاً في الحرب الإقليمية.

اختبار السياسة الجديدة سيكون في الأزمات المقبلة. إذا تكررت هجمات إيرانية داخل سوريا، أو طُلب من دمشق تقديم تسهيلات عسكرية ضد طهران، سيظهر الفارق بين التضامن السياسي والتحالف الأمني. حتى الآن، يكشف بيان هرمز أن اصطفاف سوريا الإقليمي تغيّر بوضوح في اتجاه الخليج، لكنه ما زال اصطفاف مصالح وعلاقات وإعادة اندماج دولي أكثر منه عضوية في جبهة عسكرية جديدة.

اقرأ أيضاً: ماذا تعني الهدنة الإيرانية الأمريكية بالنسبة لسوريا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى