المجتمع السوري

دمشق والسيول: حين تكشف العاصفة هشاشة البنية التحتية

بقلم هلا يوسف

أصبح مظهر السيول في شوارع دمشق وعدد من المحافظات مألوفاً جداً بالنسبة للمواطنين. فمع أول عاصفة مطرية في كل سنة، تغرق العديد من البيوت والمحال بالمياه دون وجود أي حلول لهذه الحالة. فكان الترند أمس حول دمشق وسيولها التي وصفها العديد من المواطنين بالبحر، متهكمين من حالة يعرفون تماما أنها ستحصل في كل عام. إلا أن المشهد وعلى الرغم من تكراره أعاد طرح سؤالاً واضحاً: هل المشكلة في غزارة الأمطار فقط، أم في البنية التحتية التي لم تعد قادرة على استيعابها؟

من ينظر إلى واقع مدينة دمشق يراها مدينة جميلة، تم تحسينها من ناحية الشكل مثل نشر سلات المهملات الخشبية، وتركيب إشارات مرور ناطقة، وطلاء الأرصفة بألوان مختلفة، لكن هل فعلاً هذا ما نحتاجه؟ الحقيقة أن المدينة خلعت ثوب الجمال مع أول عاصفة مطرية، لتكشف عن بنية تحتية متهالكة، وصرف صحي أقل ما يقال عنه قديم. وعلى الرغم من أهمية الاهتمام بالمظهر الجمالي للمدينة، إلا أن ذلك لا ينفي ضرورة معالجة مشكلة السيول.

الأمطار تكشف الواقع

بدأت المشكلة أمس بالظهور في نفقَي الفيحاء والثورة، المعروفين بتجمع المياه فيهما خلال فصل الشتاء. ومع هطول الأمطار الغزيرة امتلأ النفقان سريعاً بالمياه، ما أدى إلى قطع الطريق وتعطل حركة المرور. كما شهدت مناطق أخرى في العاصمة تدفق السيول في الشوارع، ووصول المياه إلى بعض الأسواق والمراكز التجارية.

وفي سوق الحميدية وبعض الأحياء القديمة دخلت المياه إلى عدد من المحال والمنازل والأقبية، ما تسبب بخسائر مادية لأصحابها. كذلك سجلت انهيارات جزئية في بعض الأبنية، بينها جدار منزل مهجور في دمشق القديمة، وسقف محل تجاري في منطقة الحجاز، إضافة إلى انهيار غرفة في ساحة شمدين. كما تشكلت سيول كبيرة في ساحة الزبلطاني، وأصبحت بعض الطرق الرئيسية مثل المتحلق الجنوبي شبه متوقفة بسبب تجمع المياه.

وأشار الدفاع المدني إلى أن المياه غمرت مئات المنازل والمحلات في عدة مناطق من العاصمة، إلا أن الأضرار اقتصرت على الممتلكات دون تسجيل إصابات بشرية. وتداول ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر تدفق المياه في الشوارع ووصولها إلى بعض المراكز التجارية.

البنية التحتية بين التقادم والضغط المتزايد

يرى المهندس الاستشاري السابق في محافظة دمشق نضال العدوي أن ما حدث يعود إلى عدة عوامل، في مقدمتها كمية الأمطار الكبيرة التي هطلت خلال فترة زمنية قصيرة، وهي كميات قد تتجاوز أحياناً الطاقة الاستيعابية لشبكات التصريف المصممة وفق معدلات هطول معينة.

كما تلعب حالة شبكات الصرف القديمة دوراً مهماً في تفاقم المشكلة. فقد تم إنشاء هذه الشبكات قبل عقود باستخدام أنابيب بيتونية، في حين تعتمد المواصفات الحديثة على أنابيب من مادة البولي إيثيلين التي تمنع التسرب وتتحمل الضغوط بشكل أفضل. ومع مرور الزمن وغياب التجديد الكامل لهذه الشبكات، تصبح أكثر عرضة للتلف وضعف الكفاءة.

بالإضافة إلى ذلك، يساهم تراكم النفايات في الشوارع في انسداد مصارف المياه الصحية، إذ تجرفها السيول إلى داخل شبكات التصريف فتعيق تدفق المياه. كما أن الازدحام العمراني والزيادة الكبيرة في عدد السكان يضعان ضغطاً إضافياً على البنية التحتية للمدينة.

وأشار إلى أن معالجة مشكلة السيول في سوريا لا يمكن أن تتم خلال عام واحد، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد حالياً. فإعادة تأهيل البنية التحتية تحتاج إلى تمويل كبير وخطط طويلة الأمد، رغم أن الكفاءات والخبرات الفنية متوفرة، إلا أن المطلوب هو توظيفها والاستفادة منها بالشكل الصحيح.

وبين العدوي أن السيول ليست ظاهرة تقتصر على سوريا فقط، إذ تشهدها مدن عديدة حول العالم مثل جدة ودبي، غير أن الفارق الحقيقي يكمن في كيفية التعامل معها والاستعداد لها. ففي دول مثل ماليزيا واليابان، التي تتعرض للفيضانات بشكل متكرر، تم إنشاء أنظمة تصريف ضخمة تعتمد على أنابيب يصل قطر بعضها إلى نحو 12 متراً، وفي بعض الحالات تستخدم أنفاق المترو أيضاً لتصريف كميات المياه الكبيرة.

وأضاف أن مسؤولية تصريف مياه الأمطار تقع أساساً على عاتق محافظة دمشق باعتبارها الجهة المسؤولة عن الخدمات في المدينة، مشدداً على ضرورة دعم المحافظة ومحافظات المدن الأخرى بميزانيات كافية تتيح تنفيذ مشاريع حقيقية لتطوير البنية التحتية وتحسين قدرتها على مواجهة مثل هذه الظروف.

وهنا لا يمكن أن ننكر التحركات التي قامت بها محافظة دمشق والدفاع المدني بالانتشار في عدة أحياء لتصريف المياه المتجمعة، مع التركيز على الأنفاق المرورية والشوارع الرئيسية والمناطق المنخفضة، بهدف إعادة الحركة الطبيعية للطرقات وحماية الممتلكات.

في النهاية، يطمح كل سوري إلى رؤية بلده في أفضل الأحوال، لأن ذلك يعني انعكاساً مباشراً على حياته. لكن العاصفة الأخيرة أظهرت للمعنيين أن تزويق الشوارع وتجميلها لا يكفي لتكون أمور المواطن بخير، بل يجب البدء بمعالجة أرث العقود السابقة الأساسية، حتى نستطيع الحفاظ على المظهر الجمالي.

اقرأ أيضاً: اللاذقية وطرطوس بعد العواصف: ما الذي كشفته الفيضانات عن هشاشة البنية الخدمية؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى