أعمال واستثمار

دمشق الجديدة ترفع رهان الصندوق السيادي السوري

الكاتب: أحمد علي

سبعة مليارات دولار وضعت اسم «دمشق الجديدة» في مقدمة أخبار الاستثمار السوري، فالاتفاق الذي وقعه الصندوق السيادي السوري مع مجموعة «أرادَ» الإماراتية يغطي أربعة ملايين متر مربع غرب دمشق، ويعد بنحو 11 ألف وحدة سكنية وفنادق ومدارس ومستشفى ومكاتب ومتاجر وحديقة عامة. فيما يمنح حجم المشروع وهوية المطور الإعلان وزناً يتجاوز مذكرة تفاهم، لكنه يظل بداية مسار لا مدينة جاهزة ولا مليارات دخلت البلاد دفعة واحدة…

يحمل الخبر الذي نتحدث عنه دلالتين متوازيتين. فقد بدأ الصندوق يحول فرصاً عرضها على المستثمرين إلى عقود مع شركاء معروفين، ضمن حركة شملت الصحة والمدفوعات والرياضة والعقار. وفي المقابل، لا تقاس قيمة عقد يتعلق بأرض عامة بحجم الرقم وحده، بل بالتمويل وتقييم حصة الدولة والأسعار الممكنة والحقوق التي يحميها المخطط، ولذلك يمكن اعتباره خطوة إيجابية محتملة من دون حكم مسبق بالنجاح.

الصندوق السيادي السوري ينتقل إلى العقد

تأسس الصندوق في 2025 لإدارة الأصول العامة وتحويل غير المستغل منها إلى أدوات إنتاج وتنمية. ويقول موقعه إنه يشرف على 36 قطاعاً تخصصياً و11 شركة مركزية وأكثر من 40 ألف موظف وعامل. وفي المنتدى السوري الإماراتي خلال أيار 2026 عرض تصوراً أوسع لـ«دمشق الجديدة» يمتد على 33 مليون متر مربع، باستثمارات بين 40 و50 مليار دولار.

العقد الجديد يخص أربعة ملايين متر مربع بقيمة تطوير تبلغ سبعة مليارات، ولم توضح البيانات إن كان مرحلة من المخطط الأكبر أم مشروعاً مستقلاً. مع ذلك، فإن الانتقال من عرض فرصة إلى مشروع مشترك مع مطور يدير محفظة معلنة بقيمة 42 مليار دولار وأكثر من 66 ألف وحدة يمنح القراءة المتفائلة أساساً عملياً. العقد أكثر تقدماً من الترويج، لكنه لا يساوي بدء الإنشاء.

الرقم الكبير لا يعني سيولة فورية

تستخدم البيانات عبارة «قيمة التطوير الإجمالية»، وهي قد تجمع تمويل الشركاء والقروض وعائدات البيع على امتداد سنوات، ولا تعني أن المستثمر حول سبعة مليارات دولار عند التوقيع. ووصف الرقم كله بأنه استثمار دخل الاقتصاد يرفع التوقعات قبل ظهور التدفقات الفعلية.

تحتاج الصورة إلى كشف رأس المال الذي ستضخه «أرادَ»، وقيمة الأرض أو حقوق التطوير التي يقدمها الصندوق، ونسب الملكية والضمانات والمراحل. كما ينبغي تحديد من يمول الطرق والمياه والكهرباء والنقل. فإذا تحملت الدولة البنية التحتية، تصبح مساهمتها أوسع من الأرض ويجب احتسابها عند قياس العائد العام.

خطوات متتابعة تمنح التفاؤل أساساً

لا يأتي عقد «أرادَ» منفرداً، في 3 آب وقعت «صرح» التابعة للصندوق عقداً لتأهيل 14 مشفى بعد ستة أشهر من الدراسة. وفي 26 آب وقعت «بيميرا» اتفاق تعاون مع شركة فيزا، ثم أعلن الصندوق في 30 آب استثماره في نادي الوحدة، واستقبل وفداً من مجلس الأعمال السوري السعودي.

يمكن اعتبار هذا المسار دليلاً على أن المؤسسة تتحرك عبر شركات قطاعية وتبني علاقات دولية، خصوصاً حين ينتقل ملف المشافي من مذكرة إلى عقد بعد تقييم ميداني. لكن الإعلانات لا تنتج تلقائياً أداءً ناجحاً بطبيعة الحال، فالمطلوب لكل ملف تمويل وجدول ونتائج قابلة للقياس، للتمييز بين تراكم مؤسسي وكثافة إعلامية قصيرة.

مدينة متكاملة أم منتج عقاري فاخر

يضم المخطط شققاً وفللاً ووحدات ذات علامات تجارية، مع 500 غرفة فندقية وألف شقة فندقية ومدارس لخمسة آلاف طالب ومستشفى من 300 سرير. كما خُصصت 700 ألف متر مربع لحديقة عامة، أي نحو 17.5 في المئة من المساحة. وقد تنتج المكونات حياً أقل اعتماداً على التنقل إذا نُفذ مفهوم «مدينة الخمس عشرة دقيقة».

لكن الحاجة السورية أوسع، فقد قالت وزارة الإسكان في كانون الثاني 2026 إن أكثر من 1.3 مليون وحدة تضررت جزئياً أو كلياً، وقدر البنك الدولي إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، منها 75 ملياراً للمساكن. تعادل وحدات المشروع أقل من واحد في المئة من المتضرر، فلا تمثل حلاً وطنياً. وما لم يعلن هو الأسعار ونسبة السكن الميسر وآلية مبادرة «مدينة مقابل مدينة» لسكان المخيمات وأصحاب المنازل المهدمة. من دون ذلك قد تنجح المدينة تجارياً مع أثر محدود على الأكثر حاجة.

الأرض هي قلب الصفقة

يقع المشروع على هضبة قرب المزة، على مسافة معلنة تقارب عشر دقائق من مركز دمشق و25 دقيقة من المطار. الميزة التجارية تجعل تقييم الأرض محور العقد. يلزم معرفة ملكيتها وطريقة نقل حق التطوير وقيمة الحصة العامة ومعالجة الحقوق السابقة. الأرض العامة رأس مال ينبغي أن يقابله عائد واضح للدولة والمجتمع.

ويحتاج المخطط إلى تقييم بيئي ومائي ومروري منشور. فالمدينة القابلة للمشي لا تمنع ضغط السيارات ولا تؤمن المياه والطاقة. نجاحها يتوقف على النقل العام وقدرة الشبكات المحيطة على استيعاب السكان والمكاتب والفنادق. وهذه التفاصيل تحدد إن كان المشروع مدينة قابلة للحياة أم جزيرة عقارية مرتفعة الكلفة.

الشفافية تصنع القيمة العامة

يقول الصندوق إن حوكمته مستوحاة من مبادئ سانتياغو وإنه يرفع تقارير دورية إلى رئاسة الجمهورية ويخضع لتدقيق مستقل. وتضع المبادئ الشفافية والمساءلة وإدارة المخاطر في صلب عمل الصناديق. في المقابل، لاحظت تحليلات سورية أن الموقع الرسمي لا ينشر قوائم مالية أو تفصيلاً للأصول والعوائد وسياسات اختيار الشركاء، ما يصعب تقييم عامه الأول.

يوفر «دمشق الجديدة» فرصة لتحويل الحوكمة إلى ممارسة. ويمكن نشر بطاقة تتضمن هيكل الشراكة وتقييم الأرض والتمويل والجدول والتوظيف المحلي والسكن الميسر وكلفة البنية التحتية، ثم تحديثها دورياً. ولا يتطلب ذلك كشف العقد كاملاً، بل معلومات تكفي صاحب الأصل العام لمعرفة ما قدمه وما سيحصل عليه ومتى.

في الختام، لا يستحق مشروع «دمشق الجديدة» الرفض لضخامة رقمه، ولا الاحتفاء النهائي بمجرد التوقيع. دخول مطور ذي خبرة وانتقال الصندوق من عرض المشروع إلى شراكة محددة يمثلان خطوة ذات وزن، وتزامنهما مع تحركات أخرى يمنح احتمال نشوء مسار مؤسسي قدراً من المعقولية.

ويبقى الحكم بما يلي منصة التوقيع. بدء مرحلة ممولة، ونشر مساهمة الدولة، وتحديد السكن الميسر، وتأمين البنية التحتية، وإصدار تقارير تقدم ستجعل العقد نقطة تحول. أما غموض التمويل والأرض والجدول والأسعار فسيترك السبعة مليارات رقماً يصعب قياس أثره.

اقرأ أيضاً: 2.5 مليار دولار تحت الإدارة.. ماذا حقق الصندوق السيادي بعد عام على تأسيسه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى