
الكاتب: أحمد علي
يتحوّل ملف دمج قسد في الجيش من نقاش عسكري إلى اختبار لقدرة الدولة السورية على استعادة قرارها من دون خلق مشكلة داخلية جديدة. كثرة التصريحات المتضاربة أربكت الجمهور، لكن الوقائع الأخيرة أكثر وضوحاً من كل التعليقات: اجتماع 4 كانون الثاني 2026 في دمشق بين مسؤولين حكوميين وقائد “قسد” مظلوم عبدي انتهى من دون “نتائج ملموسة”، مع اتفاق على عقد لقاءات لاحقة. ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني ببساطة أن الملف لم يدخل مرحلة التنفيذ الفعلي. ومع كل يوم تأخير تتوسع مساحة الشك والخوف والتهويل فعلاً. وأمام هذا الواقع، يصبح التركيز على سؤال واحد أكثر فائدة من مطاردة كل تصريح: لماذا تُصر “قسد” على الدخول ككتلة، ولماذا تُصر دمشق على دمج الأفراد، وما الذي تدفعه سوريا ثمناً في الحالتين؟
دمج قسد في الجيش
رسم اتفاق 10 آذار 2025 العناوين العامة: إدماج مؤسسات “قسد” المدنية والعسكرية ضمن الدولة، وإعادة المعابر وحقول النفط وبعض المطارات والسجون إلى سلطة دمشق. لكنه لم يحدد الآلية، ولهذا عاد السؤال الأساسي: هل تدخل “قسد” كوحدة متماسكة داخل الجيش أم تُحل ويُستوعب أفرادها؟ ومع قرب نهاية 2025 ثم تجاوزها، تحدثت تقارير صحفية عن سباق سوري كردي أميركي لإظهار تقدم ولو محدود قبل أن يتحول الموعد النهائي إلى أزمة سياسية.
في المقابل، نُقل أن دمشق طرحت خطة لإعادة تنظيم مقاتلي “قسد” ضمن ثلاث فرق داخل هيكل الجيش، بينما شدد مسؤولون أتراك على أن أي دمج يجب أن ينتهي بتفكيك البنية القيادية لـ“قسد” وعدم بقائها كتلة مستقلة. التوتر لم يبق سياسياً فقط؛ فاشتباكات حلب التي سُجلت قبيل الموعد النهائي، ثم الإعلان عن وقف إطلاق نار، أوضحت أن أي تأخير في الدمج قد ينعكس ميدانياً بسرعة.
لماذا تريد قسد كتلة
تمسك “قسد” بالكتلة يبدأ من الأمن اليومي قبل السياسة. مناطقها واسعة وتضم سجوناً ومخيمات وملفاً ثقيلاً لآلاف المشتبه بهم بجرائم “داعش”، وأي تفكيك سريع يخلق فراغاً قد لا تستطيع الدولة ملأه فوراً. كما أن “قسد” ليست مجرد مقاتلين، بل شبكة قيادة وإدارة محلية مرتبطة بـ“الإدارة الذاتية”، وتخشى أن ينهار جزء من الحوكمة المحلية إذا فُصل العسكري عن المدني دفعة واحدة. لذلك تطلب ضمانات مرتبطة بالتمركز، وبالرتب والرواتب، وبقواعد تمنع الملاحقات الانتقامية.
ومن زاوية التوازنات الاجتماعية، تريد ترتيبات تُبقي قوى أمن محلية قادرة على حماية القرى والطرق فترة انتقالية، خصوصاً في المناطق العربية حيث الخوف من أن يتحول الدمج إلى صراع نفوذ لا إلى إصلاح. وفي السياسة أيضاً، الدخول ككتلة يمنح “قسد” ورقة تفاوض أقوى لربط الملف العسكري بملفات الإدارة والخدمات والتمثيل المحلي، بدل أن تتحول إلى “أفراد” بلا قدرة على حماية أي تفاهمات لاحقة.
لماذا تصر دمشق أفراداً
دمشق تنطلق من قاعدة دولة واحدة وسلاح واحد. قبول كتلة تحتفظ بسلسلة قيادة خاصة داخل الجيش يعني عملياً جيشاً موازياً ينتظر لحظة الخلاف كي يختبر الدولة. لذا تفضّل دمج الأفراد: فحص أمني، تدريب بعقيدة موحدة، توزيع على وحدات مختلفة، وربط الترقية والانضباط بقواعد الجيش لا بقواعد الفصيل.
كما ترى أن نموذج “الكتلة” قد يتحول إلى سابقة تُطالب بها قوى أخرى لاحقاً، فتعود تعددية السلاح بشكل رسمي تحت أسماء جديدة. ويزيد الضغط الإقليمي من وزن هذا الخيار؛ فتركيا ترفض بقاء “قسد” كوحدة متماسكة داخل الجيش وتربط أمن الحدود بتفكيكها، ولوّحت بإجراءات إذا لم يتحقق ذلك، ما يجعل دمشق أكثر تشدداً في رفض فكرة “الكتلة” أصلاً.
كلفة السيناريوهين على سوريا
سيناريو “الكتلة” قد يخفف التوتر ويحافظ على الأمن المحلي، لكنه يحمّل الدولة كلفة طويلة الأجل: ازدواجية داخل المؤسسة العسكرية. وتجربة العراق تذكير قريب؛ فقد جرى تقنين “الحشد الشعبي” بقانون عام 2016، ومع ذلك بقيت مسألة الانضباط الكامل والولاء المؤسسي محل جدل وظهرت أزمات متكررة بين فصائل مسلحة وأجهزة رسمية.
وفي لبنان، أظهر مسار ما بعد اتفاق الطائف أن نزع السلاح قد يتعثر عندما تتحول الاستثناءات إلى قاعدة دائمة، فيضعف احتكار الدولة للقوة تدريجياً. والرسالة هنا ليست “التشبيه الحرفي”، بل الإشارة إلى أن الاعتراف بكتلة مسلحة داخل الجيش قد ينجح في تهدئة آنية، لكنه يترك عقدة مؤجلة داخل المؤسسة.
أما سيناريو “الأفراد” إذا نُفّذ بسرعة، فله كلفة أمنية واجتماعية: احتمال تسرب مقاتلين إلى اقتصاد السلاح والتهريب، أو خلق فراغ تستغله جماعات متطرفة، أو توترات محلية إذا تراجع الأمن فجأة.
في هذا السياق، تؤكد المعايير الأممية لبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أن النجاح لا يقاس بتسليم السلاح وحده، بل بتوفير بدائل معيشية وخدمات وبناء شرطة وقضاء قادرين على ملء الفراغ. ومع ضعف الموارد العامة، تصبح الكلفة أيضاً مالية: رواتب، تدريب، دمج إداري، وتعويضات. وقد تصبح الكلفة سياسية داخل الجيش إذا شعر ضباط وجنود آخرون أن مسارات الدمج تمنح امتيازات غير مبررة أو رتباً سريعة من دون معايير موحدة، ما يضرب تماسك المؤسسة بدل أن يقويه.
رؤية ثالثة
بين “كتلة” كاملة و“أفراد” مشتتين، يوجد حل ثالث واقعي: دمج تدريجي بشروط واضحة. يبدأ بتشكيل ضمن الجيش في الشمال الشرقي بمهام محددة زمنياً مثل حماية الحدود ومكافحة الإرهاب، يخضع لوزارة الدفاع وسلسلة أوامر واحدة، مع تدريب موحد ومراجعة أمنية وإدارية، ثم يجري تفكيك التمركز على مراحل عبر نقل وحدات ودمجها في تشكيلات أخرى.
بالتوازي، يُفتح مسار مدني لمن لا يريد الاستمرار في الخدمة العسكرية، لأن دمج الجميع ليس ضرورياً ولا صحياً، وهو جوهر أي مسار دمج ناجح. ويُفصل ملف الموارد عن ملف المقاتلين: تسليم المعابر وحقول النفط والسجون يمكن أن يجري عبر لجان مشتركة وجداول زمنية وآليات رقابة، بدل أن يتحول الملف إلى عقاب للسكان أو إلى مكافأة لفصيل مسلح كلما تعثرت المفاوضات.
ما قبل الختام يمكن القول إن دمج قسد في الجيش لا يُحسم بشعار، بل بتصميم انتقال يضمن السيادة والاستقرار معاً. فالاجتماع الذي انتهى بلا نتائج ملموسة يذكّر بأن الوقت لم يعد يعمل لصالح أحد، وأن البديل عن تسوية متدرجة ليس “حسماً” نظيفاً بل فوضى يدفع ثمنها السوريون أولاً.
مستوى أعلى
بالارتقاء إلى مستوى سياسي أعلى في تقييم ونقاش الأمر، سنجد أن دمج قسد في الجيش لا يمكن أن يُدار كترتيب أمني معزول، لأن جوهر الأزمة أصلاً سياسي لا أمني، ومرتبط بالجوهر بشكل الدولة، وقواعد السلطة، والدستور الذي يحدد علاقة المركز بالمناطق وبالمجتمع. وبطبيعة الحال فإن استمرار الحوار أفضل من القطيعة لأنه يمنع الانفجار الكبير، لكن حصره في غرف مغلقة بين بنيتين عسكريتين يحوّل التفاوض إلى مادة للاستهلاك الإعلامي وإرضاء القواعد، ويُبقي جذور الانقسام كما هي. بمعنى آخر يفخخ الحل ويجعله أكثر عرضه للانفجار في وقت لاحق. لذلك، لا معنى لأي اتفاق “تقني” إن لم يُربط بأفق وطني شامل يفتح الباب أمام قوى سياسية ومجتمعية سورية أوسع، ويُدار بشفافية تُطلع السوريين على ما يجري بدل تركهم نهباً للشائعات والأقاويل الفيسبوكية والتسريبات الخاصة التي لا يعرف المتابع كيف يمسك رأسها…
اقرأ أيضاً: من المستفيد من الصراع العسكري بين قسد والحكومة السورية؟









