دمج الشمال السوري.. لماذا كانت النهاية أصعب من البداية؟

خلال السنوات السابقة، كان الإشراف التركي على مناطق الشمال السوري حاضراً، مما أدى إلى نشوء بيئة مختلفة تحتاج إلى جهود كثيرة من أجل إعادة إلحاقها بهياكل الحوكمة الوطنية.
من هذا المنطلق ظهرت ملامح خطة دمج الشمال السوري مباشرة بعد سقوط النظام البائد، فما هي تفاصيل هذه العملية؟ وما هي التحديات التي واجهتها على أرض الواقع؟
خطة دمج الشمال السوري والهدف الأساسي
تشكلت، منذ عام 2016، منظومة حوكمة هجينة في مناطق العمليات التركية شمال سوريا (درع الفرات، غصن الزيتون، ونبع السلام)، والتي كانت تتميز بإشراف تركي مباشر من ولايات غازي عنتاب، كلّس، وهاتاي، وذلك وسط ضعف مؤسساتي وتشتت محلي.
بدأت الحكومة السورية الجديدة، بعد سقوط النظام البائد في كانون الثاني 2024، مفاوضات مع الجانب والمجالس المحلية لدمج الشمال السوري في منظومة الحوكمة الوطنية، حيث تم الكشف في حزيران 2025 عن خطة دمج شاملة تنتهي في تموز من العام نفسه.
وقد كان الهدف الأساسي من خطة الدمج هو إنهاء عمل المنسقين من الجانب التركي وإلحاق الوحدات الإدارية والخدمية بمحافظة حلب، مع إبقاء ملفي الأمن والصحة تحت إدارة مشتركة مؤقتة مع الجانب التركي.
الأهداف السياسية لدمج شمال سوريا
كانت الاعتبارات السياسية، مثل سيادة الدولة والوحدة الوطنية تسيطر على نهج الحكومة السورية الجديدة، وقد كان هذا النهج يلقى دعماً من الجانب التركي الذي كان يسعى لترسيخ استقرار سوريا من خلال بناء سلطة مركزية لديها القدرة على توحيد البلاد.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، لجأت الحكومة السورية الجديدة إلى التفاوض مع الأطراف الداخلية والاستفادة من دعم الحلفاء، وخاصة تركيا، حيث رأى مسؤولون سوريون أن هذا الدمج هو خطوة ضرورية لتفكيك النفوذ المتعدد في الشمال السوري وتعزيز موقف الدولة في ملفات أخرى مثل شرق الفرات، وذلك حسب ما أورد الباحث أيمن الدسوقي في ورقة بحثية نُشرت في منصة عمران للدراسات الاستراتيجية.
عملية دمج الشمال السوري
بدأت عملية الدمج بتعيين أحمد ياسين في بداية شهر آذار 2025 رئيساً للجنة دمج الريف بالمدينة، حيث عقد ياسين بعد ذلك لقاءات عديدة مع الجانب التركي والمجالس المحلية من أجل صياغة الإطار العام لخطة الدمج المطروحة.
وفي غضون ذلك، تم تعيين مسؤولين إداريين في مختلف المناطق، إلا أن هذه التعيينات أثارت جدلاً كبيراً بسبب اعتمادها بشكل كبير على كوادر من هيئة تحرير الشام المنحلة وحلفائها.
بعد ذلك، في حزيران 2025، تم الإعلان عن اتفاق لإنهاء عمل المنسقين الأتراك ودمج الوحدات الإدارية والخدمية في ريف حلب الشمالي بهياكل الدولة السورية بحلول تموز 2025، إلا أنه تم استثناء ملفي الأمن والصحة من الدمج الكامل، حيث سيتم إدارتهما بترتيبات مؤقتة مشتركة مع الجانب التركي نظراً لحساسيتهما.
ويُشار إلى أن أهداف عملية الدمج كانت تتمحور في ثلاثة نقاط أساسية وهي:
- تبسيط الإجراءات للمواطنين.
- ترسيخ الوجود المؤسساتي للدولة السورية.
- تمكين الحكومة من تنفيذ خطط إعادة الإعمار.
تحديات عملية دمج الشمال السوري
ظهرت العديد من التحديات والتساؤلات بعد الإعلان عن إتمام دمج الشمال السوري من قبل رئيس لجنة الدمج في حلب، وفيما يلي سوف نأتي على ذكرها بشيء من التفصيل.
1. غياب الخطوات التفصيلية وتجاوز الصلاحيات
أشار الباحث أيمن الدسوقي في ورقة بحثية نُشرت في منصة عمران للدراسات الاستراتيجية، إلى أن عملية الدمج تمت بشكل سريع دون وجود خطة مفصلة للخطوات التي سيتم اتباعها، ففي بعض الحالات كان هناك توجيهات شفهية وعشوائية دون دراسة للواقع، هذا وقد كانت صلاحيات مديري المناطق تتجاوز ما هو معتمد في قانون الإدارة المحلية.
2. ملفات الكوادر البشرية والجانب المالي
وفيما يخص الكوادر البشرية، فقد واجهت عملية إدارة الموظفين مجموعة من الإشكاليات، حيث أنه وفقاً لما أورده دسوقي في ورقته البحثية، فقد تم تغليب الولاء على الكفاءة في التعيينات، وسط غموض المعايير في عملية تقييم الموظفين، مما تسبب في نص كوادر بعض المديريات بسبب نقل الموظفين غير المدروس.
3. الجانب المالي
سيطرت العشوائية وعدم الشفافية على التعامل مع الملف المالي، حيث تم إقصاء بعض الكوادر وسط اتهامات غي مثبتة بالفساد، كما أن الإيرادات التي كانت تغطي نفقات البلديات تحوّل الآن إلى المركز، مما يؤثر على قدرتها على تقديم الخدمات وفق ما أشار إليه الدسوقي في بحثه.
4. المكونات المجتمعية
لا تكن التفرقة المجتمعية في منأى عن المشاكل التي واجهت عملية الدمج مما تسبب في العديد من الاحتجاجات، حيث تم تعيين رؤساء بلديات من المكون الكردي في عفرين، بينما سيطر تيار هيئة تحرير الشام المنحلة على رئاسة البلديات في منطقة الباب، مما أدى إلى إقصاء المكون التركماني في بلدة الراعي واحتجاجهم.
اقرأ أيضاً: كيف يبدو المشهد في مخيمات الشمال السوري اليوم؟
في الختام
على الرغم من أن الدمج كان ضرورياً من أجل ترسيخ سيادة الدولة، إلا أن ظروف الغموض والعشوائية التي سيطرت على العملية قد كشف عن تحديات كبيرة ربما باتت أشد قسوة من المشكلة بحد ذاتها.
وبالتالي تظهر العديد من التساؤلات، هل كان تحقيق الانتصار السياسي أهم من استقرار المواطنين والمجتمع؟ وهل تكفي تعيينات ربما تكون عشوائية في بناء ثقة بمنظومة لا يزال الولاء فيها محاط بالكثير من إشارات الاستفهام؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة سوى بالانتظار، فمسيرة بناء الدولة والوصول إلى وحدة وطنية حقيقية لا تزال طويلة وشاقة.









