ثقافة وتراث

دعوة دولية لتشديد الرقابة على النيكوتين كالمخدرات

بقلم هلا يوسف

تبدأ القصة غالباً بالتجريب ومن ثم تتحول إلى عادة ثم إدمان وشراهة عند البعض. لا نقصد هنا المخدرات بل التدخين الذي أصبح اليوم في بعض المجتمعات الخارجة من الحروب مثل سوريا نوعاً من البريستيج، وخصوصاً الأرجيلة والسجائر الإلكترونية التي تزيد الطين بلة. ومع وجود مليار شخص حول العالم يستخدمون منتجات تحتوي على النيكوتين، بدأت دولة صغيرة تطرح تساؤلات حول محاربة التدخين ومادة النيكوتين الموجودة في التبغ كما تُحارب المخدرات. فما قصة هذه الدولة؟

مبادرة من دولة صغيرة إلى الأمم المتحدة

تقدمت جمهورية بالاو بطلب إلى الأمم المتحدة لمراجعة الأضرار المرتبطة بالنيكوتين، والمطالبة بإضافته إلى قائمة المواد الخاضعة للرقابة الدولية، وهي القائمة التي تضم حالياً عدداً من المواد المخدرة والأدوية المؤثرة على العقل.

فبحسب رأي هذه الدولة أن الجهود العالمية الحالية تركز بشكل أساسي على التبغ، لكن في المقابل تترك ثغرات يتسلل عن طريقها منتجات أخرى تحتوي على النيكوتين مثل السجائر الإلكترونية وأكياس النيكوتين.

وبحسب خبراء، فإن إدراج النيكوتين ضمن هذه القائمة سيجعل بيع معظم المنتجات غير الطبية التي تحتوي عليه صعبة المنال. ألا أن تحقيق هذا الهدف غير سهل بسبب توقعات معارضة شركات صنع التبع وموادها لهذه الخطوة.

أرقام ضخمة وإدمان واسع الانتشار

وبحسب المقال الذي نشره موقع Nature، تقدر منظمة الصحة العالمية أعداد المدخنين بحوالي 1.2 مليار شخص، بالإضافة إلى أكثر من 100 مليون شخص يستخدمون السجائر الإلكترونية.

ويقول الموقع أنه بالرغم من وجود أشكال متعددة لمنتجات التبغ، إلا أن المادة الأساسية المكونة لها هي النيكوتين، وهذه المادة تجعل المستخدم يعتمد عليها ويجد صعوبة كبيرة في التوقف عنها. لذلك يرى كثير من المختصين أن مكافحة التدخين لا تتعلق فقط بمنع المنتجات، بل أيضاً بمعالجة مشكلة الإدمان نفسها.

التدخين.. خطر على المدخنين ومن حولهم

بعد أن أصبحت مخاطر التدخين معروفة للجميع تقريباً، من الإصابة بأمراض القلب، والسكتات الدماغية وسرطانات الرئة وغيرها من الأمراض، تشير التقديرات إلى أن التبغ يتسبب في أكثر من سبعة ملايين وفاة سنوياً حول العالم. ولا تقتصر الوفيات على المدخنين فقط، إذ يموت نحو 1.6 مليون شخص كل عام بسبب التعرض للتدخين السلبي. هذا يعني أن أضرار التدخين تضر الأسرة والأصدقاء وزملاء العمل، وليس إلى المدخن وحده.

لذلك كانت الضرائب واحدة من الطرق التي لجأت لها الكثير من الدول للحد من شراء منتجات التبغ. حيث توضح بيانات منظمة الصحة العالمية أن نحو 140 دولة رفعت الضرائب على التبغ بين عامي 2012 و2022، ما أدى إلى زيادة أسعاره بشكل ملحوظ.

وبحسب تجارب دول مثل كولومبيا وجنوب أفريقيا أن ارتفاع الأسعار ساعد في خفض معدلات التدخين، وفي الوقت نفسه زاد من إيرادات الحكومات. وتعتبر هذه السياسة من أكثر الوسائل فعالية في الحد من استهلاك التبغ، خاصة بين الشباب. وهذا ما فعلته سوريا أيضاً، إذ فرضت ضرائب على منتجات التبع والمعسل بأنواعه بمقدار 20%.

الشيشة ليست بديلاً آمناً

في الوقت الذي تتحدث فيه الدول عن مضار الدخان ومنتجاته، تظهر الشيشة وكأنها بديل مناسب. لكن الحقيقة أنها تسبب الإدمان بحسب منظمة الصحة العالمية. وتعاني دول شرق المتوسط من الارتفاع الكبير في استخدام الشيشة، خاصة بين الشباب والنساء. وتشير البيانات إلى أن نسبة استخدام منتجات التبغ غير السجائر، ومنها الشيشة، بين المراهقين تفوق في بعض الأحيان نسبة تدخين السجائر نفسها.

لا تقل السجائر الإلكترونية خطورة عن التدخين التقليدي، إلا أن انتشارها خلال العقد الأخير بين الفئات الشابة أثار قلق الدول، بسبب إقبال الشباب عليها نتيجة تنوع نكهاتها وسهولة الحصول عليها في بعض البلدان، عدا عن الاعتقاد بأنها أقل ضرراً من السجائر التقليدية.

ورغم أن السجائر الإلكترونية لا تحتوي دائماً على التبغ، فإن معظمها يحتوي على النيكوتين، وهو ما يجعلها مرتبطة بخطر الإدمان. كما حذرت دراسات من تأثيراتها المحتملة على الرئتين وعلى الصحة العامة على المدى الطويل.

قوانين مختلفة من دولة إلى أخرى

إحدى المشكلات التي تواجه مكافحة التدخين اليوم هي اختلاف القوانين بين الدول. فبعض الدول تصنف السجائر الإلكترونية كمنتجات تبغ، بينما تعتبرها دول أخرى منتجات استهلاكية أو طبية. كما تختلف القواعد المتعلقة بأكياس النيكوتين والسن القانونية لشرائها والتحذيرات الصحية المفروضة عليها.

ويؤدي هذا الاختلاف إلى وجود ثغرات تسمح بانتشار منتجات جديدة قد لا تشملها القوانين الحالية. ففي سوريا يمنع القانون التدخين في الأماكن العامة والدوائر الحكومية، مع تخصيص أماكن محددة للمدخنين. كما تم حظر استيراد وبيع وتداول السجائر الإلكترونية بسبب مخاطرها المرتبطة بالإدمان بعد أن كانت بعض الجهات تستغل ثغرة قانونية لاستيرادها.

إلا أن المأخذ في سوريا حول مكافحة التدخين هو عدم وجود حملات توعية، وغياب البرامج التي تساعد الراغبين في الإقلاع عن التدخين، مثل الاستشارات الطبية ووسائل العلاج المساعدة. فالتشريعات مهمة، لكنها تكون أكثر فعالية عندما تترافق مع برامج دعم وتوعية مستمرة.

تجربة فرنسية مشجعة

ففي فرنسا تنظم السلطات الصحية كل عام حملة بعنوان “شهر بلا تدخين” خلال شهر نوفمبر. وتشجع المبادرة المدخنين على التوقف عن التدخين لمدة 30 يوماً، وهي فترة تعتبر مهمة في رحلة الإقلاع. ومنذ إطلاق الحملة عام 2016 شارك فيها أكثر من 1.3 مليون شخص.

وخلال الحملة يحصل المشاركون على دعم مجاني يشمل مواد توعوية وتطبيقات إلكترونية ومجموعات دعم واستشارات يقدمها مختصون. وبذلك يبدو أن هذه الحلول قد تاتي بنتائج مفيدة، ولربما أكثر من القوانين نفسها.

فوائد الإقلاع تبدأ سريعاً

الكثير من المدخنين يعتقدون أن الوقت قد فات للاستفادة من الإقلاع، لكن الحقيقة مختلفة. فبحسب منظمة الصحة العالمية، تبدأ فوائد التوقف عن التدخين تظهر خلال ساعات قليلة بعد آخر سيجارة. وبعد أسابيع تبدأ وظائف القلب والرئتين والدورة الدموية بالتحسن تدريجياً، بينما تنخفض مخاطر الإصابة بالعديد من الأمراض مع مرور الوقت.

في النهاية، مع المبادرة التي أثارتها بالاو هل من الممكن أن نشهد تنظيم جديد لمنتجات التبغ على المستوى العالمي؟ وهل ستكون سوريا من أولى الدول التي ستتبع أي تغيير بهذا الموضوع.

اقرأ أيضاً: نهر الفرات.. كيف أصبح النهر العظيم الذي نعرف؟ دراسة علمية حديثة تجيب

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى